الاتحاد

دنيا

«فتش عن المؤلف»

.. ورحل أسطورة الدراما المصرية.. رحل كاتب البسطاء.. رحل عميد الحكاية الشعبية.. رحل ابن البلد المصري.. رحل راصد تحولات المجتمع.. رحل عملاق مسلسلات الأجزاء.. رحل صاحب الشهد والدموع وليالي الحلمية وأرابيسك وزيزينيا والمصراوية وغيرها.. رحل أسامة أنور عكاشة وسط موجات من الحزن والدموع، وأمواج من الأسى لفقدان قلم رسم شخصيات تتحرك وتعيش واقع وهموم الإنسان المصري والعربي على الشاشة، حتى أن المشاهد كان لا يملك سوى الانصهار في الأحداث ويتعايش معها لدرجة التوحد، ومع الوقت قد نشعر بأن المشاهد يشارك الممثلين الأحداث وكأنه أحد أبطال العمل.. هنا نلمس مدى مصداقية ورق عكاشة في تناوله قصصاً تنبض بقلب الشارع، وتطفو على سطح الواقع من قاع المجتمع.
ويكفي أن عكاشة قد نجح في تغيير قوانين وعوامل نجاح العمل الدرامي، والتي كانت تعتمد على اسم النجم أو النجمة كضمان لنجاح المسلسل، وأصبح اسم عكاشة “ماركة مسجلة” تضمن نجاح العمل بغض النظر عن نجومه. من هنا قلب عكاشة موازين الدراما وأصبح لسان حالها يقول “فتش عن المؤلف”.
وهذا لأن عكاشة لم يكن مجرد كاتب أو أديب أو مؤلف درامي صاغ ببراعة روايات أدبية تحولت لأعمال تلفزيونية وسينمائية، وشكلت وجدان الملايين منذ منتصف الثمانينيات،
ولكن لقدرة هذا الكاتب على ابتكار شخصيات تمثل رجل الشارع، نراها حولنا في كل مكان، ونتعامل معها. شخصيات لم نتوقعها على الشاشة، ولم نستطع اكتشافها إلا من خلال أعماله، فهو الوحيد الذي نجح في إحيائها ووضعها في طريق مشاهد متعطش للصدق والدقة في رؤية أناس يشعر بأنهم قريبون منه، ليعيش معهم حياة أخرى على الشاشة، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم.
وكل أعمال عكاشة حملت شهادة الجودة من النقاد والجمهور، وحلقت في أجواء مختلفة، ولمست مناطق مجهولة في المجتمع، فقد استطاع عكاشة أن يبحر إليها وحده ليكتشف أسرارها وخفاياها، ويصيغها بأسلوبه الرائع، ولغته البسيطة، وتناوله المتفرد، ووصفه الدقيق، وحلمه الذي لم يحلمه بعد، ويضع كل هذا في داخل شخصيات حقيقية أمامنا، لنصاب بحيرة بالغة، ونتساءل هل هذه دراما الواقع أم هذه واقع الدراما، وهل هذا إبداع كاتب موهوب أم كاتب اختاره الإبداع وسكن دواخله؟.. أي حيرة هذه التي ألقت بنا في جزيرة عكاشة الدرامية.. وأي دراما هذه التي تحلق بنا في خيال خصب ثم تحط على أرض الواقع دون أن نشعر بهزات أو خلل.. وأي رجل هذا الذي ولد في مدينة طنطا بمحافظة الغربية في 27 يوليو 1941 وتخرج من كلية الآداب عام 1962، ورغم أنه كان من أبناء المرحلة الناصرية قلباً وقالباً وعاش سنواتها، وتشبع بأفكارها وآمن بمبادئها، ودافع عنها، إلا أنه امتلك الشجاعة واعترف بأخطائها، لدرجة أنه طالب يوماً بإلغاء جامعة الدول العربية..؟! أي رجل هذا الذي غيبه الموت وأحياه قلمه على شاشة الدنيا؟ إنه، بحروف سطرها الرحيل، أسامة أنور عكاشة.


soltan.mohamed@admedia.ae

اقرأ أيضا