أرشيف دنيا

الاتحاد

ابن عرفة.. وضع أعظم التفاسير وأدقها

أحمد مراد (القاهرة)

من أشهر فقهاء المالكية، ومن أبرز أعلام المفسرين للقرآن الكريم، إمام تونس وعالمها وخطيبها ومفتيها.
هو محمد بن عرفة الورغمي المالكي، ولد في تونس سنة 716 هـ، تتلمذ على يد القاضي ابن عبد السلام الهواري، وأخذ القراءات عن محمد بن سلامة الأنصاري، وبرع في علم الأصول والكلام والفقه والنحو والتفسير، وكان مرجعاً في الفتوى ببلاد المغرب، وتصدى للتدريس وإسماع الحديث، وانتشر علمه شرقاً وغرباً.
رفض ابن عرفة تولي المناصب والوظائف، وانشغل بالعمل الدعوي من خلال الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة، وانقطع للاشتغال بالعلم والتصدر لتجويد القراءات.
وضع ابن عرفة تفسيراً للقرآن الكريم تحت عنوان «تفسير ابن عرفة»، وهذا التفسير جمعه تلاميذه، ومات قبل أن يكمله، وهو من أعظم التفاسير وأدقها وفيه إشارات ودقائق لا تجدها عند غيره. ويعد تفسير ابن عرفة تفسيراً تحليلياً، وفيه اهتم بمشكل التفسير وتوجيه المتشابه، وتصيد دقائق التفسير ولطائفه المنضبطة بضوابط اللغة وقواعد الشرع مما تحتمله آيات الكتاب، وتعقب أقوال الأئمة في التفسير، وتجلت فيه استفادة ابن عرفة القصوى من جميع حقول المعرفة الإسلامية، وكان يميل إلى الجانب العلمي المرتبط بالعمل، ولذلك جاء تفسيره مليئاً بالأحكام الفقهية.
وطبع تفسير ابن عرفة في سنة 1986 من قبل دار النشر بمركز البحوث بالكلية الزيتونية في تونس من تحقيق د. حسن المناعي، ولكن هذه الطبعة لم تكتمل، حيث لم يحتوِ الكتاب إلا على سورة الفاتحة وسورة البقرة، ثم طبع طبعةً أخرى عام 2008 من قبل دار الكتب العلمية في بيروت لبنان، من تحقيق جلال السيوطي، وطبع الكتاب طبعة كاملة شملت كل سور القرآن الكريم، ويقع في أربعة مجلدات، وبلغ عدد صفحاته 1736 صفحة.
ومن النماذج الرائعة التي شملها هذا التفسير، قال ابن عرفة عن قول الله تعالى (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ...)، «سورة آل عمران: الآية 27»: كان بعضهم يقول إن القرآن يشتمل على ألفاظ يفهمها العوام وألفاظ يفهمها الخواص وعلى ما يفهمه الفريقان ومنه هذه الآية، فإن الإيلاج يشمل الأيام التي لا يدركها إلا الخواص والفصول التي يدركها سائر العوام.
وفي قوله تعالى: (... وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، «سورة البقرة: الآية 125»، قال ابن عرفة: جمع الطائفين والعاكفين جمع سلامة لأنه أقرب إلى لفظ الفعل بمنزلة يطوفون أي يجددون الطواف للإشعار بعلة تطهير البيت، وهو قرب هذين من البيت بخلاف الركوع والسجود، فإنه لا يلزم أن يكونا في البيت ولا عنده. ومن مؤلفاته الأخرى: المختصر الكبير في فقه المالكية، والمختصر الشامل في التوحيد، ومختصر الفرائض والمبسوط في الفقه وهو سبعة مجلدات.
توفي ابن عرفة سنة 803 هـ.

اقرأ أيضا