الاتحاد

دنيا

أنا أصرخ·· إذن أنا أحتج!

''لا أحد يفهمني''، عبارة شهيرة تتكرر بكل اللغات وفي كل بيوت المعمورة· يطلقها الطفل معبرا عن غضبه في كل مكان وأمام الجميع على أمل أن يلبي أحد طلبه· ورغم أنه يدرك بأن عصبيته هذه قد تجر عليه الكثير من المشاكل إلا أنه لا يستطيع كبحها أو إيقافها، فهي سلاحه لفرض وجوده على المحيطين به·
هل بوسعنا أن نسأل الأطفال لماذا، دون أن ينالنا نصيب من غضبهم ؟
هل نتوجه إليهم ونحاورهم ونتحسس معهم خبراتهم وهي تكبر وتنمو في بحر من التساؤلات؟
متى ولماذا يغضب الطفل؟

أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة·

محمد جاسم ''12 سنة'' يقول: ''أنا عصبي جدا، ولن أتغير، وعلى الآخرين أن يتكيفوا مع ذلك· ويتابع: منذ ''طفولتي'' وأنا الأكثر شقاوة وعصبية بين أشقائي لدرجة أنني اعتدت أن لا تجاب مطالبي، إلا إذا أظهرت انفعالي وعصبيتي· وكلما كبرت مطالبي زادت عصبيتي· لا أنكر أنني كثيرا ما أندم على رفع صوتي أثناء النقاش وخصوصا مع والدتي التي تتحمل عصبيتي كثيرا بطيبتها فتشعرني بالندم·
فتِّش عن التلفزيون
لا يخلو بيت اليوم من جهاز التلفاز، وربما يوجد في أكثر من غرفة في البيت الواحد، ولهذا الأمر سلبياته، فالأطفال يتأثرون به ويقلدون ما يشاهدونه عبر شاشته الصغيرة بحجمها والكبيرة بفعلها، خاصة من خلال أفلام الرسوم المتحركة، وهذا ما حدث لجابر سالم علي ''12سنة''، يقول: تشاجرت مع أخي الأكبر حول من يفتح جهاز التلفزيون أولا، فاحتدم النقاش بيننا، فجريت إلى المطبخ وفتحت درج السكاكين وأخرجت سكينا كبيرا لأهدده بها، ولولا تدخل أمي لحدث ما لا يحمد عقباه· وعندما تساءلت أمي عن سبب تصرفي أخبرتها بأنني شاهدته في مسلسل تلفزيوني·
وكثيراً ما يشكو الآباء من غضب أبنائهم وعصبيتهم، وعندما نبحث عن السبب نجد أن الآباء أنفسهم هم السبب المباشر لذلك سواء كانوا يعلمون أو لا·
يقول الأب حسن المزروعي: لقد اكتسبت العصبية من أمي وانتقلت لأحد أبنائي، رغم أنني أحاول بشتى الطرق أن أكبح غضبي ولا أظهره أمام أبنائي، لكنني في بعض المواقف قد اخرج عن طوري فأثور على زوجتي أو أحد أبنائي· حاولت مرارا وتكرارا أن أكظم غيظي وأحبس غضبي ولكن دون جدوى·
شيّبني قبل أواني
لا يخلو صوت شيخة الهاملي - ربة بيت - من نبرة حزن ويأس: ما أراه من تصرفات أبنائي وعلى رأسها الغضب السريع والمبالغ فيه لأسباب تافهة، جعلني أشيب قبل أواني· فقد ينتقد زوجي أحد أبنائنا على سلوك خاطئ أو تصرف غير لائق، فينفجر ''ابني'' محتجا غاضبا ويرفس ويركل على الأرض أو ينطوي ويذهب إلى الغرفة، ويصيح بأعلى صوته ولا يأكل إلا بعد أن نراضيه· أعرف أن هذا السلوك خاطئ، لأن الرضوخ والاستسلام يرسخ في نفسه انه بذلك يستطيع أن يتحكم بمن حوله، ويستطيع أن ينفذ رغباته مهما كانت، لكن ما باليد حيلة''·
وإذا كان شعر ''شيخة'' قد شاب بسبب ابنها المفرط الدلال، فإن ''اليازية أحمد'' تكاد تقتلها الحيرة بين طفليها، فـ ''سعود'' ابنها الثاني من النوع العصبي، وشقيقته أكثر منه غضباً، وهي تجد نفسها مرهقة أمام شحنتين من الغضب فتلجأ إلى العقاب، وغالبا ما يكون حرمانهما من المصروف اليومي أو الامتناع عن أكلتهما المفضلة أو منعهما من الخروج للتنزه· لكنها تؤكد أن العقاب لا يؤتي ثماره دائماً، وإنما يكون وسيلة ناجعة في الغالب·
العقاب ينفع غالباً، فماذا عن التجاهل والإهمال؟
يبدو أن ''بسمة محمد'' وجدت فيه الأسلوب الأمثل للتعامل مع غضب ابنها، فهي تلجأ إلى تجاهله، وعدم الاهتمام به أو المبالاة بانفعالاته غير المقبولة، وتنفذ كل ذلك بطريقة ذكية حتى لا يوجعها قلبها عليه، حيث تبتعد عن مشاهدة ثورته العصبية، بالانسحاب إلى المطبخ وقفل الباب كي لا يتمكن من اللحاق بها، ولا تخرج حتى تهدأ نوبة الغضب· وهي ترى أنها وجدت في هذا الأسلوب الحل الأفضل لأنه يقلل نوبات الغضب لدى طفلها الذي يحاول لفت الانتباه· أما الدكتورة نبيلة إسماعيل فتؤكد: أن التعامل مع الأبناء، نوع من الفن الذي يجب أن تتعلمه الأم بالفطرة، فعصبية الأبناء تحتاج إلى صبر وطول بال· ولا بد من أن يعطى الطفل الوقت الكافي للجلوس والتحدث معه وطرح الأسئلة عليه، حتى إذا ما طرأ أي تغير واختلاف في سلوكه فإنها تستطيع أن تعرف أسبابه ومدى عمقه في نفسه· لذلك نصيحتي لكل أم أن تتيح لأطفالها الفرصة الكاملة للتعبير عن مشاعر الغضب، خاصة إذا كان هذا التعبير بطريقة مناسبة ومعقولة·
أسباب
للغضب تفسيرات عدة من الناحية النفسية، وتعتقد الأخصائية النفسية فاطمة سجواني أن عصبية الأطفال واحد من الانفعالات التي يتعرض لها الطفل، وإن كانت هناك فروق بين الأفراد، فبينما يميل بعض الأطفال إلى الهدوء والعزلة، وعدم الاختلاط وتحاشي الصلات الاجتماعية، يميل البعض الآخر إلى إظهار نوبات حادة من الغضب متمثلة بالصراخ والضرب وقذف الأشياء· وتتباين ردة فعل الطفل حسب الجنس أيضا، فيلجأ الذكور إلى الهجوم وضرب الأرض والقذف، بينما تلجأ الإناث إلى استخدام الكلمات والألفاظ وأحيانا الشتائم· وتعيد سجواني غضب الاطفال إلى أسباب نفسية في المقام الأول ثم مرضية كاضطراب الغدة الدرقية وسوء الهضم، أما أهم الأسباب النفسية فهي افتقاد الطفل للدفء العاطفي في الأسرة، وغالبا ما يقابله في الوقت ذاته جو مليء بالتوتر والقلق والاضطراب والقيود التي يفرضها الآباء على الأبناء، بالإضافة إلى اتباع أسلوب التنشئة القاسية أو تحقير الطفل·

اقرأ أيضا