مقالات

الاتحاد

في ا?عماق القاهرة

مصر في ذهني هي الأفلام والمسلسلات التي زينت طفولتي، هي ا?غاني عبد الحليم وشادية فوردة ونجاة الصغيرة تلك التي كان يجعلني شغفي بها ا?بدو "دقة قديمة" ا?مام ا?قراني في التسعينات. مصر هي احسان عبد القدوس ونجيب محفوظ، هي "السكرية" و"بين القصرين"، هي "ليالي الحلمية" التي اقضيها ساهرة "لا ا?نام" ا?تابع تفاصيل المسلسلات وا?حبس ا?نفاسي لأحزان الأبطال وا?فرح لفرحهم، هي رافت الهجان
وبطولاته وشريهان وهزات خصرها وفوازيرها الرمضانية، هي عادل امام وفكاهته النقدية اللاذعة وغيرهم الكثير من المبدعين التي ا?نجبتهم هذه الأرض، هي كل تلك الذكريات الجميلة المختزنة في ذاكرتي، والتي جعلتني ا?عرف تفاصيل هذا البلد وا?رنو اليه قبل ا?ن تطا?ه قدمي، ازدحمت بحذافيرها وا?زهرت ذات يوم شتوي دافي? والطاي?رة التي تقلنا من باريس فبيروت على وشك ان تحط بنا في مطار القاهرة الدولي.
من هنا تبدا? الرحلة.
ها ا?نا ا?جد نفسي ماخوذة في ضوضاء ا?حد الاحياء الشعبية المجاورة لفندقي في شارع الهرم. تختلط الالوان والاضواء مع الغبار مع ا?صوات السيارات مع نهيق الدواب وصهيلها مع صرير عجلات التوك توك وهي تخوض غمار الأوحال وطرقات الطالبية غير المعبدة وتزمر لتلفت انتباه الراكبين فيركض نحوها شخص فاثنان ثم يدور نقاش سريع مع الساي?ق ليتم الاتفاق على السعر "01 جنيه يا ست هانم تفضلي". الفندق الذي اقطنه في الشارع المجاور يرفض الساي?ق، ذلك الشاب النحيف الذي ترتسم علامات الطيبة على
وجهه، ا?ن يستلم ا?جرته، ا?صر فيا?خذها والحياء يعتصر محياه.
في الصباح زيارة لمقام سيدنا الحسين. الإكتظاظ ينم عن الإيمان الفطري لهذا الشعب البسيط في حياته والعظيم بتاريخه : قاهرة المعز، قلعة صلاح الدين فحديقة الأزهر الخضراء المترامية الأطراف تشرف على المدينة المتهالكة الغارقة في غبارها وضجيج متساكنيها.
في ا?عماق القاهرة
تشارف الشمس على الغروب فنعود ا?دراجنا تلقاي?يا نحو خان الخليلي ا?لى قهوة الفيشاوي، شيشة وكركديه و ا?نغام على العود والربابة حسب الطلب. تصدح الأصوات بطرب مصري عربي ا?صيل مبددة كل شك ا?نك في قلب الشرق الأوسط، في قلب القاهرة !
وجهتنا هذا الصباح ساحة التحرير ووسط البلد. نتخلى عن سيارة الأجرة ونختار ركوب المترو. مترو ا?نفاق القاهرة عالم بحد ذاته، الممرات واسعة ونظيفة ولا تعتريها تلك الراي?حة الكريهة التي غالبا ما نجدها
في مترو باريس. سعر البطاقة جنيه واحد لا غير. على الرصيف مكان مخصص لعربات النساء، الاكتظاظ سيد الموقف، يقابله ا?حترام الناس لبعضهم البعض فلا تدافع ولا عدوانية. من حسن الحظ نجد مكانا شاغرا للجلوس، تصعد معنا باي?عة متجولة وتصدح بصوتها الجهوري ولهجتها المصرية المحببة "عرض السويت السوري" كل ما هو "سوري" هنا مرغوب فيه، تسرع النسوة في شراء ما تحتجنه منها، وتنتقل الباي?عة ا?لى العربة المجاورة في المحطة التالية فيصعد شاب عشريني محمل ببضاي?عه الكثيرة ويعلو صوته بنغمة مختلفة "قربي يا ا?بلة، قربي يا ا?بلة، الشرشوبة العجيبة يا ا?بلة". كل يحاول ا?ن يكد ويجتهد لتحصيل قوته اليومي لا وقت كاف للتذمر والشكوى بل كل دقيقة يحولها المصري لفرصة سانحة للعمل وكسب الرزق. ساي?قي الذي ا?قلني ا?لى الأهرامات ستيني يقود سيارة جيب رباعية الدفع من السبعينات بالكاد تعمل. النادل في مطعم الكشري رب عاي?لة يعمل في الدواي?ر الحكومية في الصباح ويشتغل في المطعم مسا ًءا. باي?ع الكتب المتجول في خان الخليلي يحمل رزمة من الكتب مرصفة فوق بعضها البعض فتذهلك قدرته على الحفاظ على تووازنها وتوازنه في ا?ن لكنه يركض بحيوية بين زباي?ن المقاهي والبسمة لا تفارق عيناه. ا?ما
الفتاة الصغيرة فتحاول ا?ن تبيعك المناديل وتليها ا?خرى تحمل فتسقا ولوزا تعدد مناقبه وتدعوك لشراءه فثالثة تعرض عليك مجوهرات وحلي مقلدة كل يحاول بقدر ما ا?وتي من جهد ا?ن يعتمد على نفسه وا?ن يتحدى الركود الاقتصادي الذي يغرق فيه البلد.
هذه هي حكايتي القصيرة مع القاهرة، ا?ضعها برسم القاري? العربي قبل الغربي. فهل تجرو?ون على دخولها بسلام ا?منين؟

اقرأ أيضا