صحيفة الاتحاد

مقالات

الأزمة السورية بين المنظارين المشرقي والمغاربي

دخلت الأزمة السورية سنتها السادسة منذ ما يناهز عن الشهرين وا?صبحت حصيلة القتلى تتعدى عشرات الآلاف وتخطى عدد اللاجي?ين السوريين الخمسة ملايين حسب ا?خر إحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشو?ون اللاجي?ين موزعين بطريقة غير متكافي?ة على دول الجوار، ا?ي مصر وتركيا والأردن ولبنان، ناهيك عن ما سببه ذلك من ا?زمة لجوء في الدول الأوروبية والغربية عامة والتي كانت السبب غير المباشر في صعود اليمين المتطرف الشعبوي وتسلمه مقاليد الحكم في بريطانيا والولايات المتحدة بينما تنفست فرنسا الصعداء عند انتخاب الري?يس ايمانويل ماكرون وقد جاء ذلك منعاً لوصول مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان للحكم فقد برهنت صناديق الاقتراع في فرنسا ا?ن الغالبية الشعبية تو?من بوجوب استقبال اللاجي?ين كضرورة إنسانية بحتة محافظة إجمالاً على حيادها تجاه الأزمة السورية ككل. لكن الأمر
يختلف في المنطقة العربية ا?ذ نلاحظ تباينا كبيرا في المواقف الشعبية من الازمة السورية بين المشرق والمغرب. هل قلنا «الأزمة السورية»؟ ا?جل، هذا ما يمليه علينا الحياد الصحفي ا?ما المعارضون لنظام بشار الأسد فهم يطلقون عليها اسم "الثورة السورية" وبالنسبة للموالين له فهم يلقبونها ب"الحرب السورية ."واذا
اردنا الغوص اكثر في هذا الموضوع لتبيان ا?سباب هذا الاختلاف الجذري في المواقف فنرى ا?نه في لبنان مثلا، البلد المجاور، حيث من المفترض ا?ن يعي الشعب اكثر حقيقة ما يجري في سوريا بفضل التقارب الجغرافي والثقافي، فقد اختار معظم اللبنانيين موقفهم نسبة لانتماي?هم السياسي الوطني. فالفريقان السياسيان الأهم في لبنان هما من جهة الفريق الموالي للنظام السوري ا?و ما ا?صبح يعرف منذ عام 2005 بفريق 8 ا?ذار ،ويضم حزب الله الشيعي الى جانب الأطراف المسيحية والمسلمة، ومن جهة ا?خرى الفريق المعارض للنظام البعثي والمكون من عدة ا?طراف وعلى را?سها تيار المستقبل السنّي وحزب القوات اللبنانية المسيحي المعروف تاريخيًا بمعارضته لنظام دمشق ا?و ما ا?صبح يعرف منذ سنة ال2005 بفريق 14 ا?ذار نسبة لشهر مارس الذي خرجت خلاله جموع من اللبنانيين للشارع لإعلان موقفها، ان بالتا?ييد ا?و بالمعارضة، من الوجود السوري في لبنان وذلك اثر اغتيال ري?يس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وبغض النظر عن تعقيدات التركيبة السياسية لكلا الفريقين اللبنانيين، سواء اكان فريق 8 ا?و 14 ا?ذار، تبقى ا?غلبية المواقف الشعبية في لبنان رهينة انتماء المواطنين الى هذا الفريق ا?و ذاك وتبدو معالمها واضحة للمراقب للساحة اللبنانية عن كثب فلم تنطو على مفاجا?ت اثر اندلاع الأزمة في سوريا بل واصل كل فريق مساندته لفريقه .لكن الامور في المغرب العربي تختلف عن ذلك. ففي تونس مثلا حيث انطلقت ا?ول مظاهرات المطالبة باسقاط النظام في بلد عربي، وعلى الرغم من رغبة التونسيين في الاهتمام بالوضع بسوريا فيبدو انهم لا يمتلكون المعطيات اللازمة التي تسمح لهم بفهم ما يجري فيها، فسوريا بعيدة جغرافيا وثقافيا عن هذا البلد المغاربي الصغير الذي كان اقتصاده قاي?ما على السياحة القادمة من ا?وروبا قبل التحركات التي اجتاحته في يناير من العام 2011 والتي جاءت بحزب حركة النهضة الإسلامي المتطرف التابع لتنظيم الاخوان المسلمين على را?س الدولة اثر انتخابات لا تزال تلاقي استنكارات عديدة من قبل شريحة واسعة من الشعب التونسي لا سيما اليساريين والعلمانيين منهم على الرغم من الإشادة بنجاح التجربة التونسية خارجيا والتي تعتبرها هذه الشريحة من التونسيين دليلا على سطحية مصدرها وعلى جهل عميق بالواقع التونسي.

غذى الفشل الذريع الذي حققته حركة النهضة منذ وصولها الى الحكم في تونس بتسجيلها نتاي?ج كارثية على النطاقين الاقتصادي والأمني، حقد العديد من التونسيين على هذا الحزب والاحزاب الاسلامية عامة وبما ا?ن حزب النهضة متهم بمساندة الجهاديين وقد صنفت تونس كا?ول بلد يصدر ارهابيين ا?لى سوريا، فقد اختار العلمانيون دعم بشار الأسد تحت ذريعة ا?نه حامي العلمانية والأقليات وا?نه يحارب الإرهاب الإسلامي رغم ا?ن هذا الأخير لم يهاجم يوما داعش مباشرة. لكن الحقيقة الجغرافية وبُعد هو?لاء التونسيون عن سوريا جسديا وثقافيا يحجب عنهم رو?ية ا?هوال ما يسلطه النظام السوري على معارضيه خاصة وا?ن ا?دوات البروباغندا الروسية الداعمة لنظام دمشق تشكل موسوعة ينهلون منها ما لذ وطاب من حجج وبراهين جاهزة للاستعمال ومفصلة حسب نظرية المو?امرة. يجهل ا?و ربما يتجاهل العلمانيون في تونس ا?ن النظام السوري اخترع ا?ساليب تعذيب لم تسبقه لها ا?بشع الأنظمة الفاشية على مر الازمان. ويبرر هو?لاء التونسيون موقفهم بقولهم إن الأنظمة الديكتاتورية هي شر لا بد منه في البلدان العربية وا?ن على الشعب السوري ا?ن يرضخ لهذا الواقع وا?ن يحافظ على جلاده بناءً على هذا التفكير الاستسلامي. لكنهم يتغاضون عما يتفق على قوله المحللون المختصون في شو?ون المنطقة وما جاءت به الشهادات التي ادلى بها معتقلون سابقون، ا?ن في "سوريا الأسد" يُعذب السجناء السياسيون وسجناء الرا?ي لإجبارهم على الاعتراف بذنوب لم يرتكبونها، ويمسي التعذيب على الأجساد ويتلذذ به الجلادون فيتفانون فيه بحثا عن الشعور باللذة والانتشاء موغلين في نزعتهم السادية المفرطة. فقد قصف بشار الاسد قرى سورية بصواريخ سكود الروسية الصنع في حادثة ليس لها مثيل اذ لم يسبق ا?ن قصف نظام شعبه بنفسه كما ا?نه متهم بالعديد من الهجومات بالأسلحة الكيمياي?ية ضد شعبه. ويصنف العلمانيون التونسيون هذه
المعلومات ضمن الدعايّة الاعلامية التي يسوقها مناهضو النظام. وبعكس اللبنانيين الذين عانوا ومن دون استثناء من الاحتلال العسكري السوري، فالتونسيون لم يتذوقوا شتى ا?لوان التعذيب من النظام الأسدي ويبقى حكمهم على الأزمة حكم المراقب الأجنبي حتى وان اشتركوا مع السوريين قليلا في لغة الضاد ويكاد ا?ن يكون هذا القاسم المشترك الوحيد بينهم اذ يبقى المثقفون التونسيون بعيدون كل البعد عن المثقفين السوريين الذين تحملوا العذاب والابعاد القسري والغربة بعيدا عن وطنهم جراء ا?حكام تعسفية ا?صدرها بحقهم النظام البعثي بعد ا?ن قضوا سنين من عمرهم في ردهات سجون النظام يساندون ثورة شعبهم وينتظرون بفارغ الصبر سقوط طاغية دمشق ولا يترددون في الافصاح عن ذلك في مقالاتهم وعلى
صفحات التواصل الاجتماعي التي تعج بالشهادات الحية لهو?لاء.
بعد ان فهمنا طريقة الاستيعاب المغلوطة للتونسيين حيال الأزمة السورية وموقفهم العاطفي الثناي?ي الذي تغذيه ادوات البروباغندا الروسية مستعينة بنظرية المو?امرة لم يعد اذن من الغريب ا?ن نرى العلمانيين التونسيين يرفعون علم سوريا البعثية خلال مراسم دفن السياسي التونسي اليساري شكري بلعيد في فبراير 2013 والذي ا?شارت ا?صابع الاتهام في مقتله الى حزب النهضة الاسلامي المتطرف وفي
المقابل يصبح بديهيا ا?ن نرى الإسلاميين التونسيين يرفعون علم الثورة السورية في مظاهرتهم المضادة ويصورون بشار الأسد على ا?نه كافر وعدو للإسلام مخاطبين القاعدة الشعبية ناجحين في استمالتها في بلد تسجل فيه الأمية ا?حد ا?على نسبها في العالم العربي رغم انها تظل مرتفعة نسبيا مقارنة بالجزاي?ر والمغرب. فشكري بلعيد كان يدافع بشراسة عن النظام الأسدي على شاشات التلفزة التونسية معتبرا اياه " نظام مقاومة وممانعة ضد اسراي?يل وضد الامبريالية " رغم ا?ن الحقيقة الميدانية تبين ا?ن جبهة الجولان لم تشهد اضطرابا ولا رمي حجرا واحد منذ ا?يام الأسد الأب ولم يساند النظام السوري حليفه حزب الله على الأرض خلال مواجهته الأخيرة مع اسراي?يل كما لم يكلف النظام نفسه الرد على الاعتداءات الاسراي?يلية المتتالية على دمشق وعلى مناطق ا?خرى من الأراضي السورية منذ اندلاع الأزمة هناك.
كل هذه الأسباب وغيرها من التي لم يتسن لنا ذكرها جعلت القراءات مختلفة بين المشرق والمغرب وا?حدثت شرخا واضحا في المواقف الشعبية فكل يغني على ليلاه مغدقين بالشتاي?م والتهكمات العنصرية على بعضهم البعض في صفحات التواصل الاجتماعي وذلك على لسان ما يسمى بالنخبة من الطرفين مقابل غياب تام لمحاولات الفهم والاقناع بالحجج والبراهين الدامغة داحضين مقولة تقديم العالم العربي ككيان متناسق تجمعه رو?ية موحدة وان اختلفت وجهات النظر.