الاتحاد

دنيا

مزاج السيدة

يمكنني معرفة مزاج سيدتي من شكلها العام، وعليه، أعرف نوعية اليوم الذي ينتظرني، فإذا خرجت من غرفتها وكانت تلبس ثوباً زاهياً وقد وضعت ''الميك آب''، وكان شعرها مُسرحاً، عندها أتنفس بارتياح شديد، لأن هذا معناه بأنها ستكون رائقة المزاج، وأنني أستطيع أن أتعامل معها وأن أسألها بعض الأسئلة وأطلب منها بعض الطلبات، أما عندما تخرج من غرفتها منكوشة الشعر، ترتدي ثيابا كالحة و وجهها يتطاير منه الشرر، عندها أبدأ بالتعوذ من الشيطان مما سيجره عليّ ذلك اليوم المنحوس·
أول شيء تفعله في ذلك اليوم هو أنها تجلس على الأريكة متربعة وتبدأ بالصراخ: أنت لا تنظفين جيداً، هيا أحضري السطل وامسحي الأرضية أيتها الكسولة فالأرض لا تلمع جيداً كما يجب، فأبدأ بالتنظيف ولا أتوقف حتى تصدر لي أمراً آخر بينما هي تمد أصابعها للبحث عن الغبار فوق سطح المكتبة والثلاجة، وفوق الأرفف وفوق الجدار ثم تبدأ بتوبيخي لأنني كسولة ولا أعمل بضمير·
بعد الانتهاء من هذه التمثيلية المتعبة تأمرني بالبحث عن شيء مفقود، فأبدأ في البحث لفترة طويلة دون أن أعرف ما هو الشيء الذي أبحث عنه· بصراحة، أخاف أن أسألها لأنني تجرأت وفعلت ذلك في إحدى المرات فنظرت إليّ نظرة مخيفة ارتجفت أوصالي من شدتها، ثم قالت: أنت تعلمين جيداً ما هو، اذهبي وابحثي عنه جيداً ولا تريني وجهك حتى تجديه·
أحاول أن أحدث ضجة كافية بين الأغراض لتقتنع بأنني جادة في عملية البحث فيمر الوقت على خير حتى تنسى سيدتي كل شيء فأرتاح من هذه المهمة العقيمة·
أدركت مع الوقت بأن سلوك سيدتي وعصبيتها مرتبط بعلاقتها بزوجها، فعندما يكونان منسجمين تبدو سعيدة ومنشرحة، تمشط شعرها، وتضع المساحيق، وترتدي ثياباً زاهية ثم تعد له الطعام بنفسها وتنتظره بشوق شديد، أما عندما تحدث بينهما خصومة فإنها تنقلب رأساً على عقب ولا تجد غيري في المنزل فتصب غضبها عليّ·
كم يريحني وجود سيدي في المنزل، فهي تكون مشغولة به طوال الوقت فتنسى أمري تماماً· تحب أن تخدمه بنفسها، طعامه، قهوته، ثيابه، جريدته كل ما يحتاج إليه تشرف بنفسها على تحضيره، حتى أنها لا تسمح لي بمجرد الظهور أمامه، فتكون أوقاتي مريحة أثناء تواجده، حتى صرت أتمنى أن يقضي كل أمسياته في المنزل ولا يخرج منه أبداً·
في أحد الأيام حدثت معركة كبيرة بينهما، وصلتني أصوات مختلفة، وأشياء ترتطم، وأشياء تتكسر، وضعت يدي على قلبي، ماذا سيحدث؟
حمل سيدي ثيابه وخرج من المنزل صافقاً الباب خلفه وسيدتي منهارة تولول وتبكي مرددة: طلقني النذل، طلقني الحقير·
يا إلهي·· ماذا سيحدث؟ ماذا سيكون مصيري؟ هل ستترك سيدتي المنزل أيضاً؟ هل ستأخذني معها إلى بيت أهلها؟ لقد تعودت أن أرى المرأة تخرج من بيتها عند الطلاق، فلماذا حدث العكس هنا؟ آه تذكرت·· هذا البيت ملك لسيدتي، فهي من عائلة غنية، وكانت قد أحبت سيدي ووقفت ضد رأي أهلها لتتزوجه، فهو من عائلة فقيرة وقد رفضوه لهذا السبب· لكنهم بسبب إصرارها وافقوا على ذلك الزواج وهم مكرهين وقاطعوها بعد الزواج مباشرة·
كانا يبدوان في غاية السعادة· كنت وأنا أعمل في المطبخ، استمع لضحكاتهما ومرحهما·· كانا يغنيان ويرقصان، ويلاحق أحدهما الآخر مثل الأطفال·
مرت الأشهر وبدأت الأمور تتغير، أيام تمضي دون أن يتحدثا وكأن بينهما قطيعة؛ هي تصبح مخيفة وأنا في وضع لا أحسد عليه· ثم تعود المياه لمجاريها فيتحسن مزاج سيدتي ويتحسن سلوكها معي، للأسف فإن هذه السعادة لا تدوم كثيراً خصوصاً في الفترة الأخيرة، فلا تنقضي أيام حتى تعود الأمور إلى التعكير والنكد·
السبب الرئيسي في خلافاتهما كما أعتقد هو غيرتها الشديدة عليه، فهي تقضي معظم الوقت في البحث والتقصي عنه مما يسبب له الكثير من الإحراج في عمله ومع أصدقاءه وأهله ومعارفه· لقد تركت نار الغيرة العمياء تنهش صدرها ولم ترحم نفسها حتى نفد صبر الرجل ووصل معها إلى نفق مسدود، وها هي تصل إلى الطلاق، فماذا ستفعل الآن؟ لا أعتقد أنها تفكر بالعودة لأهلها فيشمتوا بها، ماذا ستفعل إذن؟
أنا أعتقد بأن السبب الرئيسي فيما تفعله هو حبها الشديد لزوجها، كما أنها تشعر بالملل لأنها منعزلة عن العالم وليس لديها أطفال تشغل نفسها بهم· لا أدري لماذا لم تحمل مع أنها متزوجة منذ أكثر من سنة ونصف·
مرت أيام كئيبة، حبست سيدتي نفسها في غرفتها وصارت تبكي طوال الوقت، خفت أن يصيبها مكروه فحاولت أن أخفف عنها وأقنعها بتناول الطعام، لم تكن شرسة كالعادة، صارت ضعيفة ومنكسرة جداً·
ازدادت حالتها سوءاً مع الوقت حتى خشيت أن تموت، فماذا أفعل معها وأنا وحدي؟ عندها اضطررت للاتصال بسيدي، واستنجدت به ليفعل أي شيء من أجلها·
عاد مسرعاً وأخذها إلى المستشفى، بقي معها لفترة ثم عادا إلى المنزل وقد تصالحا، فاستبشرت خيراً خصوصاً وأنها أخبرتني بأنها حامل· حمدت ربي فهي ستكون مشغولة بحملها ولن تعود لخلق المشاكل بينها وبين زوجها·
استقرت الأمور جداً عندما جاء الطفل، وقد تصالح معها أهلها وصاروا يزورونها، وكفت عن الغيرة وصارت علاقتها بزوجها على أحسن حال·

اقرأ أيضا