الأربعاء 7 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

عشائر الأنبار... وضغوط ما بعد «الانسحاب»

عشائر الأنبار... وضغوط ما بعد «الانسحاب»
5 أكتوبر 2009 23:52
ذات يوم كان «رائد صباح» الذي يقاتل المتمردين، رجلا يحيط نفسه بمظاهر الوقار والهيبة». وكذلك كان مقاتلوه الذين انضموا للأميركيين وساعدوهم على سحق التمرد في مقاطعة الأنبار. وبعد أن بدأ الأميركيون ينسحبون من غرب العراق فقد «رائد صباح» الكثير من نفوذه، ووصل به الحال إلى ظروف صعبة. ويقول «صباح» وهو يجلس في فيلته في مدينة الرمادي التي كانت ذات يوم وكراً للتمرد: «لقد غادر الأميركيون دون أن يلقوا علينا حتى تحية الوداع. وليس هذا فحسب بل إننا عندما نتصل بهم نتلقى رسالة على الهاتف تفيد بأن الخط قد قُطع». وليس هناك مكان في العراق يدل على حجم الانسحاب الأميركي أكثر من الأنبار. فبعد أن كان عدد القواعد العسكرية والمراكز الاستطلاعية المتقدمة في محافظة الأنبار يزيد عن 27 منـذ عام واحد فقط، تقلص هذا العدد الآن إلى 3 حسب. وخلال الفترة من نوفمبر الماضي وحتى اللحظة الحالية غادر ثلثا عدد القوات الأميركية التي كانت متمركزة في هذه المنطقة، مخلفةً وراءها مشاعر مختلطة من المرارة واليأس والإحباط والخوف لدى العديد من زعماء العشائر الذين حاربوا إلى جانبهم ضد المتمردين. ويصف الأميركيون رحيلهم عن المنطقة بأنه «براجماتي» في حين يصفه حلفاؤهم السابقون بأنه «تخلٍّ» عنهم. ويعترف العقيد «ماتيو لوبيز» قائد قوات المارينز في المنطقة بذلك ويقول: «عندما تترك القوات الأميركية المنطقة فمن الطبيعي أن يكون هناك أفراد غير سعداء بذلك». ويعترف «صباح» بأنه واحد من هؤلاء، ويفسر عدم سعادته بقوله: «لقد وقفنا إلى جانبهم، ونفذنا ما يريدونه منا من طلبات، ومنعنا الآخرين من إلحاق الأذى بهم. ولم يكن من المفترض أن يتخلوا عنا بهذا الشكل». وعلى رغم أن أهل الأنبار المعروف عنهم التمسك بتقاليد الفخر والكرامة والشرف البدوية لا يختلفون على أن الاحتلال بكافة أنواعه ليس بالشيء الجيد، إلا أنهم يتفقون مع ذلك على أن البريطانيين أفضل من الأميركيين في التعامل مع الشعوب التي يحتلونها، فهم كما يقول علي حاتم سليمان، حفيد الشيخ علي السليمان، الذي كان له دور مشهود في الكفاح الوطني عندما احتل البريطانيون العراق بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى: «إن البريطانيين أكثر بصيرة وأكثر صبراً، وعلى استعداد لأن يقضوا وقتاً طويلا حتى يكسبوا الناس إلى جانبهم، على العكس من الأميركيين الذين يفتقرون إلى الصبر والدبلوماسية، فهم إما أن يستأجروا السكان أو يضربوهم، وإما أن يعطوك نقوداً أو يطلقون عليك النار»! ويعترف العقيد «لوبيز» بأن مغادرة محافظة الأنبار كان لابد وأن تعني انشغالا أقل بشيوخ المنطقة، ولكنه أكد كذلك أن إقامة العلاقات مع شيوخ العشائر كانت من الدروس المهمة التي تعلمتها قواته أثناء وجودها في العراق. وأن تعاون هؤلاء الشيوخ هو الذي مكن من القضاء على التمرد وأعاد الحياة في هذه المحافظة إلى سابق عهدها. ولكن «لوبيز» يعتبر مع ذلك أن العراق «لا يمكن أن يستعيد حياته الطبيعة إلا إذا خرجنا نحن من المعادلة». ولكن الوضع الحالي في الأنبار ما زال أبعد ما يكون عن الأوضاع الطبيعية، فالمال، والسلاح الذي استخدمه الأميركيون، والحماية التي أسبغوها على أصدقائهم أثناء وجودهم هناك، غيرت من المشهد في محافظة الأنبار. فأحمد أبوريشه مثلا، وهو شيخ عشيرة كانت محدودة الشهرة قبل الاحتلال الأميركي، أصبح الآن هو أقوى رجل في الأنبار. وهناك أيضاً حلفاء جمعوا ثروات طائلة، وهناك آخرون ذهبوا في التعاون مع الأميركيين إلى حد بعيد مما أفقدهم الكثير من الأصدقاء وجعلهم هدفاً للانتقام بعد أن انحسرت عنهم أضواء الاهتمام الأميركي. ومن الأشياء الثابتة التي بقيت على حالها في محافظة الأنبار ذلك القدر الكبير من التنافس والكراهية بين شيوخ العشائر المختلفين الذين يندر أن يتحدث أحد منهم عن الآخر إلا بكل سوء، وعادة ما يكيل له أقذع أنواع السباب والشتائم عندما يذكر اسمه أمامه. ومن الأشياء الأخرى الثابتة ذلك الشك الذي ينظر به شيوخ العشائر، إلى حلفائهم السابقين. وأحد هؤلاء هو الشيخ البراجماتي عفان العيسوي، الذي يصفه «لوبيز» بأنه واحد من أصدقائه المقربين. ويقول العيسوي معلقاً على رحيل الأميركيين وتركهم الشيوخ دون حماية: «إنني أعرف تاريخهم جيداً، لقد فعلوا الشيء ذاته من قبل في فيتنام. لقد تركوا البلد هناك في ليلة واحدة فقط، وتركوا حلفاءهم وأصدقاءهم وراءهم دون أن يأبهوا لمصيرهم، وكنت أعرف أنهم سيتركوننا يوماً ما». ويقول بعض الشيوخ إنهم كانوا يتوقعون أن يمنحهم الأميركيون الجنسية الأميركية مكافأة لهم على خدماتهم، كما أمل آخرون ممن انتابهم الخوف على حياتهم بعد أن وجهت لهم تهم الخيانة بأن يقدم لهم الأميركيون يد المساعدة في الاستقرار في دولة من الدول المجاورة وخصوصاً الأردن وسوريا، في حين كانت الأموال الأميركية هي الدافع المحرك لعدد كبير منهم عندما كانت متوافرة. وهؤلاء أصبحوا في حاجة ماسة إلى تلك الأموال لكي يظلوا على قيد الحياة في تلك المحافظة التي اقترنت أجهزتها الحكومية -ربما أكثر من أي مكان آخر في العراق بممارسات الفساد. وفي مقابلة أجريت معه مؤخراً قال العقيد «لوبيز» إنه متأكد من أن الولايات المتحدة ستظل تفخر بأصدقائها في الأنبار خلال السنوات الخمس القادمة، ولكن «صباح» الذي لم يعد أحد يطلق عليه كثيراً لقب الشيخ كما كان الحال في الماضي، يبدي تشككاً في ذلك ويقول: «ربما يعود الأميركيون إلى هنا يوماً ما، ولكنهم لن يجدوا أصدقاء. فمن ذا الذي سيجرؤ على الوقوف معهم مجدداً؟ بعد ما حدث لن يقبل أحد بذلك». أنتوني شديد - الرمادي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©