الخميس 29 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

صناعة الفخار وحيدة تعاني الغربة والغياب

صناعة الفخار وحيدة تعاني الغربة والغياب
5 أكتوبر 2009 23:51
تذهب الحكمة الصينية إلى تعويد الفرد الاعتماد على النفس بدلاً من الغير، وجاءت تلك المقولة الشهيرة القائلة: «لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد»، وهي مقولة واسعة الدلالات عميقة المعاني، لتسير في الدرب نفسه، فإذا أراد المرء أن يحقق شيئاً ما عليه أن يعرف كيف يمكن تحقيقه بالاعتماد على ذاته، لا من خلال الآخرين، ولمزيد من توضيح الصورة، يمكن تسليط الضوء على مصنوعات كثيرة في أسواق الدولة، كتب عليها «صنع في الإمارات»، والانطلاق من ذلك نحو طرح السؤال :ما مدى واقعية هذه العبارة؟ ليكون الجواب أنَّ وراء هذه الصنعة أو تلك الحرفة أيادي أجنبية. يبدو هذا المدخل ضرورياً لمن يتجول في ورش صناعة الفخار في الساحل الشرقي، وهي حرفة عرفها أهل المنطقة من القدم، وأبدعوا فيها، وبمرور الأيام والسنين تراجع أصحاب هذه المهنة إلى الصفوف الخلفية، وهجروها لتمتد إليها الأيادي الأجنبية، ويصبح دور المواطن صورياً، يقتصر على كفالة المصانع والعاملين فيها، وعندما نتساءل عن سر هذا التراجع، يقولون إنَّ الزمان غير الزمان، شراكة ظاهرية الأشخاص مشغولون بوظائفهم وهمومهم اليومية، وليس لديهم الوقت للإشراف ومتابعة المهنة والمشاركة الفعلية في تفاصيلها، كما أن توافر اليد الأجنبية يكفل استمرار هذه الصناعة، فيما يكتفي المواطن بالشراكة غير الفعلية، والكفالة مقابل حفنة من الدراهم، منصرفاً عن مواصلة الاستمرار في المهنة، خاصة أنَّ صناعة الفخار من المهن الشاقة التي تتطلب طول بال وصبراً وكفاءة مهنية. عندما زرت مصانع الفخار في منطقة مسافي، وجدت أنَّ معظم العاملين من الباكستانيين، هناك 5 معامل صغيرة يعمل في الواحد منها ما بين 2 إلى 3 أفراد، وهي ليست مصانع بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما عبارة عن ورش أو غرف من الإسمنت لا يزيد طولها عن 9 أمتار، تنتج كميات من الفخار، وخلف هذه الغرف أكوام من الخشب والطين وأفران كبيرة . مراحل متتالية يقدم لال خان، أحد المشرفين على واحدة من هذه الورش، شرحاً لخطوات العمل داخل ورشته، فيؤكد أنَّ المرحلة الأولى تبدأ بتوفير طين خاص يميل إلى اللون الرصاصي، ويتم جلبه من مناطق رأس الخيمة وعجمان، وعلى الرغم من أنَّ الورش تحيط بها السهول المليئة بالطين، إلا أنَّ صناعة الفخار تحتاج إلى نوع خاص من الطين، تساعده على البقاء لأكثر من خمس سنوات، وهذا لا يتوفر إلا في عجمان ورأس الخيمة، كما يتم استيراد كميات من باكستان حيث يتراوح سعر الطن من 600 إلى 900 درهم. وبعد أن تجلب الكميات المطلوبة بواسطة سيارات شحن مقابل 300 إلى 500 درهم لحمولة السيارة، يتم دقه وتهشيمه ونخله وتنقيته من الشوائب، ويصب عليه بعد ذلك الماء، ويجمع على شكل قطع تناسب الفخار المراد صنعه، ثمَّ يقوم الصانع بتدوير المرحاة (الدولاب) برجله، فيما تتعامل أصابع اليد مع طين المعجون أثناء دوران الدولاب، ليتحكم العامل بشكل وحجم الفخار. وبعد أن يكتمل بناؤه يعرض لأشعة الشمس لمدة يوم كامل، وينقل بعد ذلك إلى الموقد (الفرن)، وهو كبير الحجم يتسع لأكثر من 40 قطعة من الفخار متعددة الأحجام، حيث تبقى النار مشتعلة فيه قرابة الساعة والنصف، وبعد أن تطفأ النار يبقى الفخار في الموقد لمدة 24 وعشرين ساعة أخرى، يكون بعدها قد استوى وأصبح متماسكاً، ليتم إخراجه وتسويقه للبيع. وتوجد أنواع كثيرة ونماذج جديدة من الأواني الفخارية كانت تستخدم في الماضي في طهي الطعام، وتخزين وحفظ المواد الغذائية والمؤن والماء، وكان الفخار في متناول الجميع لرخص سعره، وكثرة انتشاره ولحاجة الناس الماسة إليه. معطيات مستجدة نظراً لعدم وجود منافسة من المصنوعات الأخرى، ومع التطور الذي طرأ على المجتمع، انصرف الناس عن هذه الصناعة كما يقول حسن بن أحمد بن شرار، أحد الذين عاصروا ازدهار الفخار الذي حلت مكانه في الوقت الراهن الأواني الحديثة. والزائر لورش الفخار حالياً يلاحظ الإقبال على بعض أنواع الفخار مثل (المجمر)، (الأسطواني الشكل)، (المزخرف) والذي يستخدم لحرق البخور والزهرية المستخدمة لوضع نباتات الزينة في المنازل والقدر ذات الشكل البيضاوي، والتي كانت تستخدم في الماضي للطهي، أما الآن فتستعمل لتقطير ماء الورد. وأصبح الإقبال على الجحال والجرار ضعيفاً، بعد استخدام البرادات الكهربائية، كما كانت هذه الأواني تستخدم لتبريد الماء، وهناك أوان أخرى توارت من هذه المصانع، مثل الخرس الذي يستعمل لحفظ المواد الغذائية وخاصة التمر والماء والحب، الذي كان خير وسيلة لتبريد الماء خاصةً في أيام اشتداد الحر خلال فصل الصيف. ويزخرف الفخار حالياً بزخارف في غاية الروعة والجمال، وهي عبارة عن خطوط نباتية وهندسية مستقيمة ومتعرجة متداخلة بسبب أسنان المشط المستخدم في عملية الزخرفة. المرأة أيضاً كانت هناك كان للمرأة دور كبير في صناعة الفخار، كما تقول عفرة بنت راشد، لأن الحرفي في الماضي كان يقوم بهذه الصناعة في بيته، وتقوم الزوجة أو البنت بمساعدته في أعمال التوليف والتشطيب للأوان قبل إدخالها إلى الفرن، والمساعدة في نقلها من البيت إلى السوق، كما كان معظم النساء يشرفن على أعمال البيع والترويج للسلعة. وبالطبع فقد انصرفت النساء عن هذه المهنة، واقتحمن ميادين أخرى مثل العمل في الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية، فتركن هذه المهنة بشكل كامل للأيدي الأجنبية. الورش في مسافي وفق، لال خان تقوم الواحدة منها بإنتاج ما بين 30 إلى 120 قطعة من الفخار يومياً، ويتراوح سعرها، مع فارق الحجم، بين 40 إلى 140 درهماً للدرزن الواحد، فيما تتراوح أرباح الورشة شهرياً ما بين 3000 إلى 4000 درهم يتقاسمها العامل مع الشريك.
المصدر: الفجيرة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©