الاتحاد

الاقتصادي

«المركزي المصري» يتدخل لمواجهة المضاربة على الدولار

رجل أمام فرع لشركة صرافة بالعاصمة المصرية القاهرة (أ ف ب)

رجل أمام فرع لشركة صرافة بالعاصمة المصرية القاهرة (أ ف ب)

محمود عبدالعظيم (القاهرة)- يستعد البنك المركزي المصري للتدخل المباشر في سوق الصرف خلال الأيام القليلة المقبلة لمواجهة عمليات مضاربة واسعة على العملات الأجنبية- خاصة الدولار واليورو- وتهدئة السوق بعد تزايد المخاوف من عودة توحش السوق السوداء وسيطرتها على سوق صرف العملات الأجنبية.
ويأتي هذا التدخل بعد أن شهدت هذه السوق عمليات مضاربة كبيرة استمرت لأكثر من أسبوعين تسبب عنها ارتفاع كبير في سعر الدولار ليتجاوز حاجز 750 قرشاً للمرة الأولى منذ عمليات تحرير سعر الصرف الثاني في ديسمبر 2012 ويظل هذا السعر يراوح مكانه لمدة خمسة أيام متتالية قبل أن يحدث انخفاض طفيف ليستقر سعر العملة الخضراء عند 745 قرشاً في السوق الموازية، وهو السعر الذي أجبر السوق الرسمية على تحريك سعر الدولار لأعلى ليقفز في غضون أيام قليلة من 688 إلى 698 قرشاً وبنسبة ارتفاع 1.5% وهي النسبة الأعلى منذ يوليو الماضي.
وأسفرت عمليات المضاربة المتتالية على الدولار عن أن يحقق ارتفاعاً في سعره قدره 60 قرشاً على مدار العام 2013 رغم التدفق الدولاري الكبير الذي شهدته البلاد بعد ثورة 30 يونيو والإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين والذي شهدت خلاله سوق الصرف- لاسيما في النصف الأول من العام- حالة من الذعر الشديد بعد أن هبط الاحتياطي النقدي الدولاري للبلاد إلى ما دون 13 مليار دولار قبل أن يعاود هذا الاحتياطي ارتفاعه ليدور حالياً حول 17 مليار دولار بفضل عمليات الدعم والمساندة المالية العربية لمصر خاصة من السعودية والإمارات والكويت.
آليات موازية
ويأتي تدخل البنك المركزي هذه المرة عبر ثلاث آليات موازية لمواجهة “مافيا” المضاربة على الدولار وتحجيم سطوة هذه المافيا في تسيير سوق الصرف الأجنبي وتتمثل الآلية الأولى في إجراء مزاد لطرح الدولار للبيع للبنوك عبر نظام FX Action- المزادات الدولارية- بهدف توفير الدولار للبنوك لتغطية المراكز المالية المكشوفة لعملائها، حيث من المنتظر طرح نصف مليار دولار كمرحلة أولى خلال الأسبوع الجاري في رسالة طمأنة من البنك المركزي مفادها توافر الدولار عند الحاجة بهدف تهدئة السوق.
أما الآلية الثانية فسوف تتمثل في حث البنوك على فتح الاعتمادات المستندية المطلوبة من قبل العملاء لإشاعة مناخ من الثقة خلال فترة الأحداث السياسية المرتقبة والتي ستبدأ بإجراء الاستفتاء يومي 14 و15 يناير الجاري، حيث يهدف البنك المركزي إلى القضاء المبكر على الشائعات التي يمكن أن تصاحب الاستحقاقات السياسية وتنعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية بالبلاد والمنتظر قيام البنوك بفتح اعتمادات مستندية لاستيراد السلع الضرورية وكذلك السلع الوسيطة والمواد الخام التي تغطي احتياجات البلاد لمدة ثلاثة شهور قادمة مع إتاحة الفرصة أمام العملاء لتدبير جزء من احتياجاتهم الدولارية.
بينما تتمثل الآلية الثالثة في سرعة طرح السندات دولارية في السوق الدولية لجمع نحو ثلاثة مليارات دولار سوف يستخدم- حسب معلومات صادرة عن وزارة المالية المصرية- نصفها في استيراد المكونات الخارجية لمشروع محطة الضبعة النووية بينما يتم استخدام النصف الثاني في تعزيز ودعم الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي.
مواجهة المضاربين
ومن المأمول أن تسفر هذه التحركات من جانب البنك المركزي المصري عن استعادة السيطرة على سوق الصرف الأجنبي بالبلاد وقطع الطريق على المضاربين ومروجي الشائعات الذين يمارسون عمليات انقضاض مخططة على السوق من حين لآخر استغلالاً لظروف سياسية أو اقتصادية عابرة، الأمر الذي يسفر عن تحقيق أرباح هائلة غير مشروعة لهؤلاء المضاربين على حساب بقية أطراف السوق وفي مقدمة هذه الأطراف المستهلك النهائي للسلع المستوردة التي ترتفع أسعارها باستمرار في السوق المصرية.
وكان المضاربون قد استغلوا سلسلة من الأحداث الاقتصادية خلال شهر ديسمبر الماضي في تغذية الاتجاه المضارب على أسعار الد ولار واليورو وفي مقدمة هذه الأحداث قيام البنك المركزي المصري برد ثلاث ودائع قطرية تبلغ قيمتها الإجمالية ملياري دولار وكذلك تدبير 750 مليون دولار لسداد قسط يناير من مستحقات الديون الخارجية لنادي باريس وتلبية احتياجات المستثمرين الأجانب المتعاملين في البورصة المصرية من عمليات تحويل الأموال إلى خارج البلاد مع نهاية العام لأغلاق مراكزهم المالية، وكذلك تلبية احتياجات المستوردين المصريين الذين يفضلون إتمام صفقاتهم الاستيرادية الكبيرة قبل نهاية العام.
إلى جانب ذلك سمح البنك المركزي للأفراد بزيادة تحويلاتهم الشخصية إلى خارج البلاد من 100 إلى 200 ألف دولار للشخص سنويا، الأمر الذي شكل في مجموعه سلسلة من الضغوط على الموارد الدولارية للبلاد، ما أتاح الفرصة لهؤلاء المضاربين للعودة مجدداً إلى السوق.
ويرى خبراء اقتصاديون أن التدخل المرتقب خلال أيام للبنك المركزي لتهدئة سوق الصرف ضروري، خاصة مع بدء الدخول في استحقاقات سياسية لمنع تأثير المضاربة على المسار السياسي المعتمد وبالتالي خفض مخاوف الأفراد من أن ثمة أوضاعاً اقتصادية صعبة في الطريق.
تراجع الأسعار
وقال الخبراء: إنه وللمرة الأولى يعتمد البنك المركزي ثلاث آليات متوازية لمواجهة هذه العمليات والسيطرة على ما يجري في سوق الصرف، مما يوجه ضربة قاصمة لهؤلاء المضاربين ويفوت الفرصة عليهم، حيث من المنتظر أن ينخفض السعر سريعاً ليدور عند 710 إلى 715 قرشاً على أقصى تقدير.
وأشاروا إلى أن سعر الدولار في مصر لم يعد سعراً اقتصادياً، بل يعتبر سعراً سياسيا أي يرتبط بالعوامل السياسية إلى حد كبير، ومن ثم فإن قيمته الحالية ليست هي القيمة العادلة له أمام الجنيه، لاسيما في ظل تدفق دولاري لا بأس به، سواء من السياحة أو الصادرات أو رسوم المرور في قناة السويس أو تحويلات المصريين العاملين في الخارج، إلى جانب تدفقات الاستثمار الأجنبي التي لم تتوقف حتى في أصعب الظروف، الأمر الذي يعني أن موارد البلاد من النقد الأجنبي لا تنضب ولن تنضب، وبالتالي لا توجد مخاوف أو مبررات حقيقية من إمكانية حدوث أي درجة من درجات التوقف عن سداد الالتزامات الخارجية، وهو ما يراهن عليه المضاربون، لأن هذه الالتزامات الخارجية مؤمنة تماماً عبر سياسات إدارة الاحتياطي النقدي التي ينفذها البنك المركزي بضوابط مشددة، كما أن الواردات مهما كان حجمها يمكن التحكم فيها في أي وقت عبر حظر استيراد سلع كمالية أو غير ضرورية، وبالتالي يمكن بسهولة خفض فاتورة الواردات التي تتسبب في صداع دائم لصانع السياسة النقدية.
أزمات مفتعلة
ويؤكد هاني توفيق، رئيس الاتحاد العربي للاستثمار المباشر، أن أزمات الدولار في مصر على مدار الفترة الأخيرة كانت أزمات شبه مفتعلة، صحيح أنه مرت على البلاد فترات كانت تعاني خلالها نقصاً حاداً في العملة الأجنبية، إلا أن المسألة كانت في حدود الأزمات الطبيعية التي يمر بها أي اقتصاد في بلد يواجه تغيرات سياسية طارئة، بالإضافة إلى أن تأثر العملية الإنتاجية في البلاد لعب دوراً محورياً في نقص الموارد، لكن كل ذلك كان تحت السيطرة بدليل عدم حدوث أي أزمات حادة في السلع الرئيسية باستثناء بعض الأزمات الخاصة بمنتجات الوقود وكانت بسبب فساد منظومة التوزيع وعمليات التهريب أكثر منها بسبب نقص الكميات المتاحة أو الواردة من الخارج.
وقال: إن تدخل البنك المركزي في سوق الصرف الأجنبي يأتي في الوقت المناسب تماماً، لأنه يبعث برسالة طمأنة للأطراف المختلفة ويضع حداً لأي عمليات مضاربة، بل في أحيان كثيرة يتعمد البنك المركزي إلحاق الضرر بهؤلاء المضاربين، حيث يتعرضون لخسائر بعدما يقومون بشراء الدولار بأسعار مبالغ فيها وتخزينه تحسبا لمزيد من ارتفاع السعر ثم يفاجأون بعمليات طرح من البنك المركزي تلبي احتياجات البنوك، بل وتزيد عليها في بعض الأحيان فتكون النتيجة هبوطاً سريعاً في السوق السوداء، وبالتالي تسقط كل رهانات المضاربين.
ويؤكد الخبير المصرفي أحمد قورة أن السعر الحقيقي للدولار في مصر لا يزيد على ستة جنيهات، بينما فارق السعر هو صناعة المضاربين على مدار العام الماضي بدليل أن السعر ارتفع خلال عام 2013 بمقدار 59 قرشاً وكان هؤلاء يريدون إحداث قفزة أخرى في سعره مع بداية العام استغلالاً للأوضاع السياسية، خاصة مرحلة ما قبل الاستفتاء على الدستور خلال أيام.
وقال: إن هناك اتجاهاً لتحديد سعر العملات الأجنبية المتداولة في مصر بالاعتماد على قيمة هذه العملات أمام الدولار في السوق الدولية، وذلك كمرحلة أولى للوصول إلى تسعير حقيقي للنقد الأجنبي بدلًا من ترك السوق لآليات عرض وطلب غير حقيقية يقف وراءها المضاربون في كثير من الأحيان، الأمر الذي يعني أن السوق في طريقها للانضباط عبر آليات اقتصادية متعارف عليها في كل العالم، وبالتالي من المتوقع أن تستعيد سوق النقد الأجنبي استقرارها قريباً، خاصة بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة، حيث إن قواعد الاقتصاد الكلي لا تزال راسخة ولا يزال قادراً على توليد موارد وفرص ومصادر للنمو، وبالتالي سوف يستمر التدفق الدولاري على البلاد ويزداد في الفترة القادمة بما ينهي تماما أزمات الدولار المفتعلة.

اقرأ أيضا

«أوبك+» تبحث عقد الاجتماعات الوزارية في 10-12 يوليو