الاتحاد

دنيا

السياب بدر الشعر الذي لا ينطفئ

وفاء محمود العلي:
في هذه الدراسة محاولة لاستقراء أسلوب بدر شاكر السياب (1926 - 4691( ولغته، باعتباره رائدًا من رواد الشعر الحر، ترك أثره في التجديد الشكلي والمضموني الذي تناولته دراسات كثيرة، لكن هذه الدراسة تتميز بالجدة - طريقة ومنهجًا- حيث يتقصى الكاتب الظواهر البارزة في استعمالات السياب اللغوية - كما هي - مفترضاً أن الشاعر يكرر ظواهر معينة هي بمجموعها تكوّن أسلوبه، وأنه يحاول المزج بين العناصر القديمة والجديدة·
ومن مميزات هذه الدراسة التي حملت عنوان: 'لغة الشعر عند بدر شاكر السياب
وصلتها بلغة المصادر العربية القديمة' للباحث والشاعر فاروق المواسي أنها جمعت بين الجانبين النظري والتطبيقي وخرجت بالكثير من الملاحظات التي تستحق القراءة فعلاً لقيمتها البحثية والعلمية والفنية، ولما تلقيه من الضوء على شعر السياب وأسباب تميزه·
في دراسته للسياب عرض الباحث فاروق المواسي لكل العناصر التي أثرت في شعر السياب، ومنها العناصر القديمة والمتمثلة في تأثره بالقرآن والشعر واستعماله اللفظة المعجمية الغربية، واستفادته من القرآن والشعر القديم - بشكل لا يضاهيه شاعر قديم أو محدث من ناحية، والعناصر الجديدة وهي الظواهر غير المألوفة على اللغة القديمة، ولكن الكثير منها مألوف في لغة الأدب الحديث من ناحية ثانية·
وفي تقديمه للكتاب يوضح المؤلف ما يرمي إليه حيث يقول: '··· وليس في وسعنا أن نؤكد ميزة لغوية خاصة بالشاعر مقصورة عليه، بل نرى الظواهر البارزة والمتكررة كالجمل الإنشائية والاعتراضية وجمل التشبيه - مثلا - صورة واحدة هي صورة لغة السياب، فإذا ما استقصينا الجمل الإنشائية ودللنا على بروزها عند السياب فهذا لا يعني أن الجمل الخبرية أقل، وأن غيره من الشعراء لا يستعملها، فالجمل الإنشائية من طبيعة الشعر، وإنما بتراكم هذه الجمل وتكرار أدوات الاستفهام والتمني والنداء وغيرها يؤكد المؤلف أن هذه سمة من سمات شعر السياب، وليس من سبيل أن يملك المرء الحكم والتقرير إلا إذا ملك اطلاعًا كافيًا على قديم الشعر وحديثه·
يسلك الباحث في هذه الدراسة منهجاً يعتمد على استقصاء الظواهر البارزة في استعمالات السياب اللغوية - كما هي - مفترضاً أن الشاعر يكرر ظواهر معينة هي بمجموعها تكوّن أسلوبه، وأنه يحاول المزج بين العناصر القديمة والجديدة·
الجملة الشعرية القديمة
ويفصل المؤلف وجوه التأثر هذه متناولاً إياها واحدة تلو أخرى، ففي القسم الخاص بتأثر السياب بصياغة الجملة الشعرية القديمة يورد التالي:
لا نستطيع أن نزعم أن باستطاعتنا حصر كل الأساليب التي تأثر بها الشاعر، فربما يكون بعض هذه الأساليب من القرآن أو الحديث، ولكن سبيلنا أن نقف عند بعض الأساليب البارزة في الشعر وهي:
؟ أسلوب التفريع أو ما أصطلح عليه أسلوب: ما··· بـ: وهو الابتداء بما التي تعني ليس، والتي يتأخر خبرها وهو مسبوق بالباء- حرف الجر الزائد-، فالأعشى مثلاً يقول:
ما روضة من رياض الحزن معشبة
خضراء جاد عليها مسبل هطل
يومًا بأطيب منها نشر رائحة
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
وها هو السياب يستعمل هذا الأسلوب المتوافر في الشعر القديم فيقول:
فما مذهب من شعور الحسان
تراخى على كتف واستراح
بمشبه منديلها فتنة
وسحرًا إذا جاذبته الرياح
؟ أسلوب الاستفهام في اصطلاح البلاغيين تجاهل العارف: والمقصود منه تهويل الموقف، ومن ذلك ما تقول الخنساء:
قذى بعينك أم بالعين عوّار
ويقول السياب:
أنار البرق في عينيه أم شعار المعبد
؟ استعمال ما الزائدة بعد إذا: يقول النابغة: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم
والسياب يكثر من مثلها كقوله: 'إذا ما راح يطوي إليهم نحو الشاطئ الخصب'، 'إذا ما اهتزت الزهرة ألقت بالندى العذب'·
؟ استعمال المدح بما يشبه الذم
يقول السياب:
فتى ما جنى ذنبًا سوى أنه انتضى
حسامًا بوجه الظلم ما لان جانبه
وصيغة هذا القول تذكرنا ببيت النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب
؟ استعمال أنماط صياغة قديمة، ففي قول المتنبي:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي
نجد أن قول السياب:
لغيرك لم يخفق فؤادي ولا هفا، مشابهًا له، إذ أن البيتين يبدآن بحرف جر، فاسم مضاف إلى الضمير، فحرف نفي، ففعل، فحرف عطف، فحرف نفي، ففعل·
ونظرة إلى مطولة بور سعيد في قصائدها العمودية الثلاث، فإننا نستوحي الأجواء الشعرية لجرير وأبي تمام والمتنبي في كل قصيدة على التوالي، ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك بقوله:
يقول السياب: إيماضة البرق إلا أنها حقب، ويقول المتنبي: هذا عتابك إلا أنه مقة، وغيره كثير· ولو أمعنا النظر في أبيات السياب التي دللنا على تأثرها لألفينا أكثرها من مجموعة البواكير (أول ديوان للسياب) غير أن هذا لا يعني أن السياب لم تتأثر صياغته في سائر الدواوين، ففي أنشودة المطر مثلاً يقول:
عصافير أم صبية تمرح
أم الماء من صخرة تنضح
تراكيب من الشعر القديم
وإفادة السياب من الشعراء السابقين تبرز كذلك في تضمين بعض التراكيب كما هي، فالدعاء بالسقي مثلاً كان يلائم طبيعة الصحراء، وقد أكثر منه الشعراء، وكما كان الشاعر القديم يدعو بالسقي على الأطلال، فها هو شاعرنا يستوحي السقي على منزل الأقنان: ألا يا منزل الأقنان سقتك الحيا سحب·
ودعاء السقي في الشعر القديم يأتي كذلك بصورة سلبية كقول المتنبي مستعملاً لا الدعائية: فلا سقاها من الوسمي باكره، وهذا التركيب نجده- قريبًا من الأصل- عند السياب في قوله: فلا سقيا؛ فالتراكيب القديمة التي استخدمها السياب كثيرة، وقد حصر منه المؤلف الكثير منذ بداية الشعر الجاهلي ومنها: رعي النجوم، تعبير وارد في شعر النابغة: وليس الذي يرعى النجوم بآئب ومعنى رعي النجوم مراقبتها، وها هو السياب يقول كذلك: وأرعى نجوم الظلام العميق·
كما أن ترديد السياب لـ (حُييت من···) في قصيدة بور سعيد تذكرنا بعنترة في ابتدائه: 'حييت من طلل تقادم عهده'، والبنان الرخص وارد في الشعر القديم، يقول النابغة:
بمخضّب رخص كأن بنانه
عمن يكاد من اللطافة يعقد
ويقول عمر ابن ربيعة: 'ومخضب رخص البنان كأنه عنم'، وإذا ترددت كلمة عنم عند الشاعرين فإن السياب أغفلها لتوغلها في البعد عن الطبيعة الحضرية، فهو يقول جاءتك ظمأى بالبنان الرخص تغترف المياه·
ومن الشعر العباسي استعار السياب الكثير من مثل هذه التركيبات كما هي:
يقول أبو تمام في بائيته المشهورة: 'كأس الكرى ورضاب الخرد العرب'، ويقول السياب: والنار أعراض كل الخرد العرب، ويقول أبو تمام: قاني الذوائب من آني دم سرب، ويقول السياب: حتى جبى قدر ماء من دم سرب، ويقول أبو تمام: للنار يومًا ذليل الصخر والخشب، ويقول السياب: ما ذل غير الصفا للنار والخشب·
والبحتري يقول: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا، فيستعمل السياب نفس التعبير والربيع الطلق، وكذلك فإن البحتري يقول: يفتقها برد الندى··· فيستعمل السياب: كما تنفض الريح برد الندى·
ويقول المتنبي: ويلمها خطة ويلم قابلـها
ويلم كلمة تقال للتعجب، وأصلها: وي لأمها، ثم حذفت الهمزة، واللام تكسر على الأصل، وتضم على حذف حركتها، والقاء حركة الهمزة عليها، تقول العرب: ويلمه مسعر العرب، فيستعمل السياب هذا التعبير متعجبًا:
ويلم سازاك كيف اندك حائطه
حتى تعرى لي السهل الذي حجبا
فهو يستعمل نفس التركيب القديم، ويعجب لمصير مستشفى الصليب الأحمر حيث يعمل الطبيب سازاكي، وفي قرن الكلمة الأجنبية بكلمة ويلم - إثارة وجدّة·
وكذلك نحس أن بعض التضمينات ترد لإشاعة الحنين -المستمد من الشعر القديم- كاستعماله يا حادي العيس و نعمت الدار، وهما مثلان من عدة يستفيد منهما الشاعر لتجسيم ألـمه·
تضمين أبيات شعرية في سياق جديد
فالسياب يضمن في قصيدة ليلى أربعة أبيات متفرقة قيلت على لسان قيس:
ليلى مناد دعا ليلى فخف له
نشوان في جنبات الصدر عربيد
كسا النداء اسمها سحرًا وحببه
حتى كأن اسمها البشرى أو العيد
هل المنادون أهلوها وإخوتها
أم المنادون عشاق معاميـد
إن يشركوني في ليلى فلا رجعت
جبال نجد لهم صوتًا ولا البيد
وشاعرنا إذ يستوحي الجو القديم وقد قدم له بقوله:
ما كان أحلى حبنا العربي حب كثير وجنون قيس فإنه يتابع غزليته على طبيعته الخاصة البعيدة عن الروح القديمة:
وأظل طول الليل
أحلم بالزنابق والعبير
وحفيف ثوبك والهدير
يعلو فيغرق ألف زنبقة
وثوب من حرير
وعندما يقول السياب:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
ويبقى اليتامى بعدنا والمصانع
فهو قد لجأ إلى بيت لبيد بن ربيعة:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
فالسياب يستعمل المصدر الذي استعمله لبيد، ولكنه في عجز البيت استبدل كلمة بكلمة (كلمة الجبال بكلمة اليتامى)، أما سبب ذلك فهو أن المعنى الذي يرمي إليه السياب من كلمة المصانع هو معنى مستحدث يدل على مكان الصناعة والعمل، بينما كان مقصود لبيد من كلمة المصانع: ما يجمع فيه ماء المطر كالحوض (القرى، الحصون)، فالجبال تتلاءم والمصانع في مفهوم لبيد··· وبما أن كلمة المصانع لها دلالة جديدة في عصرنا لذا فقد كان حتميًا أن يستبدل السياب كلمة الجبال بكلمة أخرى موافقة، فجاء بكلمة اليتامى ليدلل على مصير أولاد العمال من اثر مصانع الأسلحة·
ويقول السياب:
عيون المها بين الرصافة والجسر
ثقوب رصاص رقشت صفحة البدر
وهذا البيت استعادة لبيت علي بن الجهم:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري·
فالصدر في البيتين لم يتغير، أما العجز فقد لجأ فيه الشاعر إلى معنى جديد مستعملاً التورية في كلمة بدر، ويرى البروفيسور موريه أن هذا الاستعمال جاء ليخلق أسلوبًا ساخرًا على ضوء الحوادث التي لقي فيها بعض الطلبة حتفهم وذلك في فترة الملكية ·
تطوير تعابير الشعر القديم
كثيرًا ما نقع على كلمات في شعر السياب توحي لنا بتأثره واستفادته من الشعر القديم، وقد أجرى الشاعر بعض التغيير على الأصل، لكن الروح القديمة والمعنى القديم بقيا ظاهرين على حد تعبير مؤلف الكتاب:
يقول السياب:
الليل طال، وما نهاري حين يقبل بالقصير
ويقول في مكان آخر:
تبرمت يا ليل بالبائسين
فزُلْ واترك الصبح يأسو الجراح
وفي قوليه يذكرنا بامرئ القيس عندما طال عليه الليل وقال:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فامرؤ القيس يتبرم من الليل ويطلب منه أن يزول، وعنده أن الصباح ليس بأفضل من الليل، فالهموم تفترسه ليل نهار· وفي قول السياب الأول يذكرنا بتساوي النهار والليل في الطول أي في الهم، بينما في قوله الثاني يتبرم بالبائسين ويطلب منه أن ينجلي ويزول، فالصباح سيأسو الجراح ويريحه كما أراح النابغة·
كما يستخدم السياب بعض التعابير من معاني الحطيئة في اعتذاره لعمر:
ماذا تقول لأطفال بذي مرخ
زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
فيقول السياب:
لأطعم منه زغبًا يطلبون الزاد في قر
العشيات الشتائية
والجو الذي وصفه الحطيئة: بين الاباطح يغشاهم بها القرر كان السياب قد ذكره في استعطافه، بل إن كلمتي زغب و قر مشتركتان، ويبدو أن كلمة زغب ألحت على السياب فاستعملها في مكان آخر، وهو إذ يشبه نفسه بطير رميّ يجر الجناح عشه، سجا وفيه زغب جياع ويعني بهم أولاده، يعود ويقول عنهم:
وزغب جياع يصرخون على بعد
ومن أبي تمام كذلك يستفيد السياب في قوله:
إذا ذكروا في جحفل الحرب يونسا
وأسيافه حمر وأرحامه حمر
ثم إن كلمة سبائب الواردة في بيت السياب وردت في مكان آخر من قصيدة أبي تمام التي اقتبسنا منها، وهذا يجعلنا نميل إلى القول أن جو البيت القديم يبقى له أثره·
توظيف تعابير الشعر القديم
لغاية جديدة مغايرة
يقول المثقب العبدي متغزلاً:
فـإني لو تخالفني شمالي
خلافك ما وصلت بها يميني
فيأتي السياب على بعض ألفاظه مبتعدًا عن النص والروح القديمين:
أيها القلب هل تلام شمالي
والتي تفعل الذنوب يميني
فالشاعر القديم يخلص لحبيبته، بينما السياب لا يلوم يدًا من يديه بجريرة الأخرى، وهناك أمثلة أخرى على ترديد كلمات قديمة مع اختلاف المضمون- مما ورد في شعر السياب:
خذي الكأس إني زرعت الكروم
على قبر ذلك الهوى الخاسر
فأعراقها تستعيد الشراب
وتستفِهِ من دم العاصر
فهو يذكرنا بقول أبي محجن الثقفي:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ونرى هنا أن الشاعرين استعملا كرمة و عروق، وجملة السياب يستعيد الشراب فيها صياغة جديدة لقول أبي محجن تروي عظامي، لكن السياب يتحدث عن الشراب وسيلة لغاية، بينما الشراب عند الشاعر القديم غاية بحد ذاته، وانظر أيضًا إلى إخفاء المعنى والابتعاد عن جو أبي محجن في قول السياب فيما بعد: وعصرت السحب أعراقها·
ويصل الباحث بعد هذا العرض التفصيلي والنماذج الكثيرة إلى ان السياب حفظ الكثير من الشعر القديم وهضمه ورصع به ديباجة شعره بصورة مباشرة وغير مباشرة· حيث برز تأثره بالأسلوب واضحاً في مجموعة البواكير، أما على مستوى التراكيب فمعظمها من الشعر العباسي، في حين وردت أغلب التضمينات الشعرية والاقتباس في ديوانيـه: أنشودة المطر و شناشيل ابنة الجلبي، وهذا يعني أن الشاعر في نضجه الأدبي كان مقتنعًا بالتضمين -على طريقة إيليوت- بل يفعل ذلك عن قصد، فالتضمين عنده له علاقة واعية مع القديم، وفيه إثراء للتجربة وتعميق للمعنى·
وفي تطوير المضمون لاحظ المؤلف الأثر القديم، لكنه توسع أو عارض، وفي كلتا الحالتين كان يشحن معانيه الجديدة بطاقة لها جذور قوية في التراث·
ويلاحظ الباحث أن استفادة السياب لم تقتصر على الشعر القديم، بل إن فيها صدى الشعر المعاصر (الكلاسيكي)·
ويؤكد الباحث أن السياب يمزج بين القديم والحديث، فهو إلى جانب استفادته من القرآن يستفيد من الأغنية الشعبية ويضمنها، وإلى جانب الكلمة الصعبة القاموسية يستعمل الكلمة العامية·
وهذه النقاط البارزة وغيرها مما ألمح إليه في ثنايا الدراسة تشكل معًا أسلوب السياب الشاعر الحديث، الذي امتص البنى القديمة في اللغة وجعلها تتعايش والكلمات البسيطة المباشرة·
ومن الملاحظات المهمة التي يوردها الباحث أن هناك علاقة متينة بين أسلوب السياب وواقع حياته، فكثيرًا ما كانت أمثلة التكرار والاستفهام والنداء والتشديد على اللفظ وحتى الأصداء القرآنية شعرًا مشبعًا بالألم·

اقرأ أيضا