رأي الناس

الاتحاد

تهويد القدس (1 - 2)

يحتفل الاحتلال الصهيوني هذه الأيام بذكرى استلاب شرقي القدس، العام 1967. وهو يحاول ضمن حساباته، وضعها خارج معادلة التقسيم، سعياً لإقامة ما يسمى «القدس الكبرى» التي تضم ما بين 2- 3 ملايين مستوطن يهودي، وفق مخطط 2050، الذي يقضي بإقامة أكبر مطار إسرائيلي في منطقة البقيعة/‏ النبي موسى، وتوسيع المستوطنات حتى البحر الميت، وإقامة السكك الحديدية لربط القدس بالأغوار لاستقطاب 12 مليون سائح.
خلال نصف قرن من انتزاعها كاملة في عدوان حزيران/‏ يونيو 1967، تعمد الاحتلال الإسرائيلي إلحاق ضرر فادح بمعالم القدس، حيث لم يترك للفلسطينيين، بفعل مخططات التهويد الممنهج، سوى 13 % من مساحتها، ما يجعل إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة أمراً شبه مستحيل.
ونشطت معاول سلطات الاحتلال، منذاك، لقلب موازين القوى الجغرافية والديمغرافية في القدس المحتلة، بهدف رسم مصيرها بسياسة استباقية بديلة عن الوضع النهائي، وليس حلاً يدرج في إطار تسوية شاملة للصراع العربي - الإسرائيلي تحت مزاعم العاصمة الأبدية والموحدة لدولة إسرائيل، فاستهدفت، عبر الاستيطان وقضم الأراضي وهدم المنازل وتهجير السكان وعزل القدس عن بقية أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتشتيت نسيجها المجتمعي، وتقطيع أوصالها بجدار الفصل العنصري والحواجز العسكرية، وتفريغها من مواطنيها، إلى طمس هويتها ومعالمها العربية الإسلامية. كما اتخذت من البعدين التعليمي والاقتصادي سنداً للتغلغل بين مفاصل المجتمع المقدسي العربي المقاوم، وخلخلة نظامه التعليمي ومنع مساعي تحسينه وانتشاره، ومحاولة إغفال الوعي المجتمعي بالإغراق في إرهاصات الوضع الاقتصادي المتدهور على حساب المطالبة الحقوقية الفلسطينية.
على الرغم من محاولة الحكومة الفلسطينية دعم مدارس شرقي القدس العربية، حيث يوجد 230 مدرسة، باستثناء المدارس التي تشرف عليها وزارة المعارف والبلدية الإسرائيلية، تضم 68661 طالباً وطالبة، وفق المعطيات الفلسطينية، فإنها تصطدم، دوماً، بتحديات قطاع التعليم الناجمة أساساً عن سياسة الاحتلال الرامية إلى بسط السيطرة عليه وتطويعه في خدمة مصالحها التهويدية. وقد طالت السيطرة الإسرائيلية عناصر التدخل في مناهج التعليم بالمدارس العربية، وحذف أية إشارة معادية للحركة الصهيونية، ومنع تداول الكتب التي تتحدث عن المجتمع العربي في فلسطين، وعرقلة تنظيم الأنشطة المدرسية، ومنع الاجتماعات والفعاليات الثقافية والرياضية، وإغلاق المدارس والجامعات، واللجوء إلى استخدام القوة لقمع أي محاولة اعتراض من قبل الطلبة. فيما أقعدت سياسته العنصرية نحو 10 آلاف طالب مقدسي عن الدراسة، من إجمالي 93 ألف طالب يتلقون تعليمهم في مدارس شرق القدس، وأنهت مسار التعليم الثانوي لنحو 40% منهم للالتحاق مبكراً بسوق العمل، إزاء الوضع الاقتصادي الخانق الذي أوجد نحو 95 ألف طفل مقدسي تحت خط الفقر.
كما اعتمدت سلطات الاحتلال منذ العام 1967، على إقامة البؤر الاستيطانية حتى وصل تعداد المستوطنين زهاء 650 ألفاً في الضفة الغربية فقط. كما تم استهداف البنية التحتية الفلسطينية، وبناء السكك الحديدية والطرق الالتفافية لربط المستوطنات بالمدينة المحتلة، بحيث لم يتبق من مساحتها بيد الفلسطينيين سوى 13%، بعدما قضمت المستوطنات 87% من أراضيها، بشكل مباشر وغير مباشر.
أما جدار الفصل العنصري الذي يلتف حول القدس بطول 142 كم، مسنوداً بنحو 12 حاجزاً عسكرياً، فقد أقيم لتعقيد حياة المقدسيين وفصلهم عن نسيجهم المجتمعي الفلسطيني على ثلث مساحة الأراضي التي تمت مصادرتها منذ العام 1967، فضلاً عن طرد أكثر من 100 ألف مواطن فلسطيني خارج الجدار. وزاد الجدار العنصري من ثقل التحديات المضادة للنمو الاقتصادي المقدسي، إزاء عزل التجمعات السكانية عن مركز نشاطها في القدس، وإلحاق الضرر الجسيم بالمقدسيين بخسارة مباشرة للمداخيل تتجاوز قيمة مليار دولار، مرشحة للزيادة إلى نحو 194 مليون دولار سنوياً.
نصّار وديع نصّار

اقرأ أيضا