الاتحاد

الاقتصادي

أيرلندا تسعى لإنعاش قطاع شركات التكنولوجيا الناشئة

مقر شركة «آبل» جنوب أيرلندا (رويترز)

مقر شركة «آبل» جنوب أيرلندا (رويترز)

يبدو «ذي جراند كنال دوكس» حي الأعمال الكبير الواقع في وسط مدينة دبلن عاصمة أيرلندا، كما لو كان موطناً ثانياً لكبريات شركات وادي السليكون، من أمثال «جوجل» و«فيسبوك» و«آبل». لهذه الشركات الدولية العملاقة المستفيدة من انخفاض ضريبة الشركات الأيرلندية، حضور كبير في دبلن، وبما لديها من آلاف العاملين والمكاتب النشطة طالما قزمت من أوضاع الشركات الناشئة المحلية.
غير أن أيرلندا أضحت في شهر ديسمبر الماضي، أول دولة أوروبية محملة بالديون تتفادى حزمة إنقاذ دولية، والآن يتوجه مسؤولو الحكومة الأيرلندية من خلال منح طويلة الأجل وإعفاءات ضريبية إلى تشجيع الشركات الصغيرة المحلية، ويتعلق الأمل بأن يكون في مقدور قطاع تكنولوجيا قوي التعجيل بتعافي أيرلندا اقتصادياً.
ولا يبدو الأمر سهلاً، ذلك أن مجتمع الشركات البادئة الأيرلندي لا يزال صغيراً نسبياً إذا قورن بالمراكز الأوروبية الأخرى مثل لندن وستوكهولم، وفي الأشهر التسعة الأولى من عام 2013، لم تحصل الشركات الأيرلندية الناشئة سوى على استثمارات رأسمالية قدرت بحوالي 65 مليون دولار بانخفاض نسبته 28% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2012، وهذا الرقم لا يبلغ سوى أقل من 10% مما حصلت عليه الشركات الناشئة في بريطانيا في الفترات الربعية الثلاث الأولى من عام 2013، بحسب بيانات مؤسسة دي جي إكس فنتشير سورس.
وفي السباق إلى اجتذاب أعلى المواهب الهندسية بصفتها قاطرة الشركات البادئة، من الصعب منافسة الكبار من أمثال جوجل وغيرها من الشركات العالمية التي في مقدورها تقديم رواتب ومزايا مغرية، فضلاً عن السمعة والشهرة.
ومع ذلك هناك بشائر من الأمل في أيرلندا، ذلك أن صناعة التكنولوجيا المحلية تدر قرابة 70 مليار يورو أو 95 مليار دولار أو 40% من صادرات أيرلندا السنوية، ويعمل بها أكثر من 100 ألف شخص، حسب إحصائيات الحكومة الأيرلندية.
ويمكن مشاهدة هذا النشاط في حي «ذي جراند كنال دوكس» الذي يتبادل فيه شباب المبرمجين والمطورين متعددي اللغات أحاديث المكاتب في مقاهٍ أنيقة على جانبي النهر، بينما يسرع عمال البناء في تشييد الأبراج التجارية الشاهقة لاستيعاب الشركات الدولية والمحلية القادمة إلى هذا الحي.
الاختراع والابتكار
وقال ستيفان وايتز مدير البحوث في مايكروسوفت الذي يتردد بانتظام على عمليات الشركة في أيرلندا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية: «يتميز هذا المكان بأنه يجمع ما بين طموح الشباب ورغبتهم في الاختراع والابتكار».
يأمل العديد من شركات التكنولوجيا الناشئة في أيرلندا في النمو والتوسع خارج سوقهم، ويعتمد بعضها على المنح الحكومية والتسهيلات الضريبية مثل الإعفاء الضريبي الذي تحظى به أعمال البحث والتطوير التي تجري في أيرلندا، ويتاح مثل هذا الدعم لشركات التكنولوجيا الكبيرة والصغيرة على السواء.
يتيح هذا النهج للشركات توظيف مزيد من المهندسين والمطورين بسبب أنه في إمكانه تقليص جزء من التكاليف التي تتحملها شركات في دول أخرى.
ومن أجل مضاعفة المكاسب، تحتفظ شركات التكنولوجيا الأيرلندية بمراكز تطويرها في الدولة، ولكنها تنقل كبار المديرين إلى الخارج، خصوصاً الولايات المتحدة، لكي يكونوا أقرب إلى عملائهم ومستثمريهم.
على سبيل المثال، «موفيديوس» شركة أشباه الموصلات الأيرلندية التي جمعت حوالي 50 مليون دولار في صناديق مشاريع، لديها فريق مؤلف من 12 شخصاً في دبلن، ولكن رئيسها التنفيذي متمركز في كاليفورنيا، كما أن للشركة البادئة «داتاهج» المتخصصة في شبكات الأعمال على الإنترنت، مكتب مبيعات في نيويورك، مع احتفاظها بمهندسيها ومطوريها في أيرلندا.
وقال راي سميث البالغ من العمر (33 عاماً) وأحد مؤسسي «داتاهج» الذي يقضي نصف وقته في الولايات المتحدة: «التكاليف هنا أقل ولكن يجب أن نكون قريبين من عملائنا، لأنه لكي تنجح لابد أن تكون في أميركا».
وادي السليكون
ويلاحظ أن أحد جوانب ثقافة وادي السليكون موجود في هذا الحي، وهو الصراع على انتقاء أفضل المواهب والاحتفاظ بهم، إذ كثيراً ما يشكو رواد الأعمال المحليون من صعوبة توظيف مهندسين ومطورين أيرلنديين ذوي مؤهلات ومهارات عالية، رغم نسبة بطالة أيرلندا العالية وسط الشباب البالغة حوالي 30%.
وقال بيتر ميد صاحب الجنسية السويدية وأحد مؤسسي شركة تسديد المدفوعات البادئة «سام اب» الذي يشرف على فريق مؤلف من 35 شخصاً في دبلن يضم عدداً قليلاً من المطورين الأيرلنديين: «لا توجد مواهب محلية كافية».
كما قال بعض مؤسسي شركات بادئة محلية، إن الشركات الدولية مثل «فيسبوك» و«جوجل» تجتذب أفضل خريجي علوم الحاسوب الأيرلنديين من خلال الرواتب الكبيرة ومزايا أخرى مثل صالات الألعاب جيدة التجهيز والمطاعم عالية المستوى.
ولا يميل سوى القليل من المطورين الأجانب المنقولين إلى دبلن للعمل لحساب شركات كبرى إلى البقاء لبدء أعمالهم هنا، بل يفضلون العودة إلى بلادهم.
وقال شون بلانشفيلد البالغ من العمر (35 عاماً) ورائد الأعمال الأيرلندي: «في العادة لا يكون لدى العاملين في الشركات الكبيرة علاقات محلية»، وكان بلانشفيلد قد باع شركة البرمجيات الناشئة التي يملكها لعملاقة الألعاب أكتيفيجن بليزارد في عام 2007 وهو الآن يدير برنامج انتقاء طلاب من كلية ترينتي دبلن من أجل إقناع الطلاب الأيرلنديين بالبدء في إنشاء شركات خاصة بهم، كما أن لديه شركة تكنولوجيا إعلانات جديدة.
ومن أجل النهوض بالعلاقات بين الشركات البادئة والشركات العالمية، بدأت بعض كبريات الشركات في نشر مكاتب لها في مناطق مختلفة.
وقال ويل بريندرجاست أحد شركاء شركة تمويل المشاريع المغامرة المحلية في دبلن: «لم يكن هناك علاقة تذكر بين الشركات الكبيرة وشركات التكنولوجيا المحلية، ولكن ذلك بدأ الآن في التغير».
رواد الأعمال
وأنشأت «جوجل» البالغ عدد موظفيها في دبلن حوالي 2500 موظف، ورش عمل لرواد الأعمال المحليين عن موضوعات مثل كيفية تحسين نتائج البحث، والهدف من ذلك هو مساعدة شركات التكنولوجيا الأيرلندية على ترويج أعمالها على الإنترنت، وكذلك تشجيع الشركات البادئة على استخدام عروض «جوجل».
كما تقدم «جوجل» برامج تدريب تجمع موظفي «جوجل» مع شركات أيرلندية وليدة، كما قامت بالتنسيق مع جامعة دبلن لتقديم تدريب علوم الحاسوب لنحو 1000 معلم بالمدارس الثانوية.
وقال بادي فلين التنفيذي في «جوجل» الذي يشرف حالياً على برامج التنسيق في دبلن: «ذلك يكفل لـ «جوجل» منفذاً للابتكار، ويجب علينا أن نكون جزءاً من المجتمع».
كذلك تسعى الحكومة الأيرلندية لتشجيع رواد أعمال دوليين على بداية إنشاء شركات محلية في دبلن من خلال برنامجها المختص بالمنح والتسهيلات الضريبية.
حين وصل بريت مايرز الأسترالي الجنسية إلى دبلن من 13 سنة مضت، لم يكن يتوقع أن يمكث لأكثر من عام واحد. غير أنه بعد أن أحبطته رسوم البنك العالية المفروضة على تحويل نقود إلى بلده الأم، قام مايرز المبرمج السابق في جي بي مورجان تشيس، بالاشتراك في تأسيس شركة تسمى كرنسي فير بمنحة قيمتها 15 ألف يورو من الحكومة الأيرلندية، وفي السنوات الخمس الماضية، قامت هذه الخدمة الإلكترونية التي تستخدم تقنية تعامل فرد مع فرد آخر تجمع الأشخاص الذين يريدون تبديل العملة بإجراء حوالي 600 مليون يورو من المعاملات، وقال مايرز إن هذه الشركة الصغيرة وفرّت على العملاء ما جملته 25 مليون يورو كرسوم مصرفية.
وتعتزم هذه الشركة التوسع في الولايات المتحدة العام المقبل، وقام رئيس وزراء أيرلندا اندا كيني بزيارة هذه الشركة في شهر ديسمبر الماضي لافتتاح مقرها الرئيسي الجديد في دبلن.
وقال مايرز: «كنت أنوي البقاء سنة واحدة في أيرلندا، ولكني لم أتركها أبداً، ذلك أن الأيرلنديين يجيدون التعامل مع الأجانب وتحقيق مصالح الجميع في الوقت ذاته”.

عن: إنترناشيونال نيويورك تايمز
ترجمة: عماد الدين زكي

اقرأ أيضا

المركزي المصري يبقي على أسعار الفائدة الرئيسية من دون تغيير