الاتحاد

الملحق الثقافي

اشتباك الأصل.. بالظل

ما زالت الكتابة الأدبية التي تنتجها المرأة تثير الكثير من الجدل في الأوساط الثقافية، في تصنيفها ومدى خصوصيتها وتقاربها مع ما يكتبه الرجل، وبسبب جانب من مكانة المرأة في التاريخ الاجتماعي بدا أدبها وانتاجها الثقافي في محل خصوصية في التناول.. لاسيما أذا كان نتاجها هو الآخر يثير إشكالية أو تقارباً فنياً.
كتاب «إن غابت السدرة وإن ابتعد البحر» للكاتبة إيمان محمد، الصادر مؤخراً عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بالتعاون مع وزارة الثقافة وتنمية المجتمع، ينحو في هذا الاتجاه، فالكتاب يشير عنوانه إلى ارتباط الأنثى بالسرد، ويضم 39 نصاً سردياً، تتوزع على خمسة أقسام، تعطي ملامح مختلفة لكنها لا تكشف صورة موحدة.. كما أنها تفصح عن تنوع في الأساليب، وثراء في الرؤى، وكل نص يفصح عن مستوى التكوين في السرد ومدى استيعابه لمقومات السرد، والاستعداد لاختراق القاعدة التقليدية.
الكتاب يكشف عن الكثير من جوانب ثقافة أيمان محمد فهي: أحيانا تترجم لهمومها وهموم الآخرين، وتسرد هواجس البوح والألم، فهما قواسم مشتركة محرضة للكتابة عندها كما يبدو. وهي تعبر عن هاجس الخوف من انفلات الزمن، الخوف من تسربه بين بياض الأشياء وعتمتها، الهاجس البعيد لطفولتها وطفولة الآخرين المشروخة. كما أن إيمان محمد أبعد عن التكلف وأقرب إلى ذهن القارئ في بلاغة شكل نصوصها القائمة على: توزيع الجمل والمفردات. تكرار الجمل والمفردات. تفكيك بنية الكلمة. كما أن الدلالات المنبجسة عن النص لم تكن محض صدفة، أو بعيدة عن وعي الكاتبة، إنما تنبثق عن الحرية، التي امتلكتها، وهي حرية الشاعر والقاص والصحفي والكاتب الجديد في التعبير عن مضمون التجربة.
دلالات وأساليب
تطالعنا إيمان محمد في نصوصها أيضاً بالدلالات الموحية والمعبرة، وتوظيف عنصر الطبيعة الموحي بالفعل الحسي، وظلال الصورة الموحية.
يجد المتلقي لنصوص إيمان محمد، أساليب السرد المتنوعة في النص، ويقف لمواجهة نصوص إبداعية ملتهبة تتنازعها أربع مراحل رئيسية تدور جميعها في أفق واحد، هو الأفق التعبيري، إذ تبدو مكونات الأشياء: الزمان، المكان، البيئة، بجغرافيتها، ومدنها، وماضيها وحاضرها، في الشجر، في البحر، في الأبواب الخشبية القديمة المدهونة، في سور المدينة القديم ومدرسة الأحمدية، في مكونات أخرى وأحاسيس وانفعالات خاصة أحياناً تستمدها من الجذر فتعانق فيها الحاضر.. وأحياناً تبتعد عن مرجعها لتؤسس لنفسها حقلاً دلالياً خاصاً تستمده أحياناً من الغربة فتسجل مشاهداتها وتضيف لها تناصاً يعمق الدلالة من الموروث أو الغناء الشفيف.
أما عوالم نصوصها فتمتزج بين: التعبيرية الواقعية كما في نص «ذكرى قديمة» ص52، و تعبيرية رمزية مثل نص «ريح قديمة» ص 60، وتعبيرية شيئية مثل نص «حكايات غير مكتملة» ص54، وتعبيرية تاريخية مثل نص «باب الحنين» ص35، وخيبة الواحات ص 40.
في وحدتها
في محاولة لتقديم نموذج تحليلي اخترنا نص «في وحدتها». وهو نص يتوزع على عنصرين: عنصر الطبيعة الحية التي تمثل الجو الخارجي، والمطر الذي يمثل جزءاً من عالم الأشياء المتخيلة للمدينة (دبي).
ينفتح الملفوظ السردي على اللوحة بالاستفهام الإنكاري (الجملة الإنشائية الطلبية) من خلال شخصية الكاتبة المحورية، وهي الزاوية التي قدمت البنية السردية كلها تقريبا من خلالها.
تبدو المدينة هادئة «لا غيم يبتسم في السماء ولا ريح تعصف بالمدينة.. من أين يأتي المطر الآن ويوليو يطل برأسه على خور دبي في ليلة رائقة ومقمرة وكأن ليل دبي لا ينقصه إلا نفحة مطر منعش لتكتمل دهشتي في مدينة لا أحبها إلا ليلاً.. إنها تمطر الآن! هل تصدقين؟!».
يتكرر التعجب والاستفهام الممهد لموضوع البنية السردية المرافق لأحداثها المنبيء عن وقوع بعضها والمعمق لمغزاها، تبدأ بهما لتحيل القارئ إلى امتداد في البنية السردية: «من أين يأتي المطر الآن ، ويوليو يطل برأسه على خور دبي في ليلة رائقة مقمرة؟!». ليحقق فيما بعد التماسك الفني للسرد.
الخلفية السردية: ينفتح الملفوظ السردي على عنصر الطبيعة الحي وعلى الجو الخارجي ليرسم اللوحة عن (ليل دبي): «وكأن ليل دبي لا ينقصه إلا نفحة مطر منعش لتكتمل دهشتي في مدينة لا أحبها إلا ليلاً».
تبدو دبي في البنية السردية جميلة هادئة في الليل على الضد مما يجري في النهار: «المدينة وحيدة رغم اشتعالها بأضواء النيون.. وحيدة بشوارعها العظيمة الممتدة في كل اتجاه والخالية من زحام النهار الخانق.. وحيدة في هدأة الليل..» (ص 90).
وتتغير ملامح اللوحة فالمدينة (دبي) تبدو أقرب إلى حال الشخصية هنا حين تجاوزت معطيات صورة الوصف المحايد.. «المدينة وحيدة مثل حورية حائرة قفزت إلى الشاطئ وضيعت طريق العودة، أو مثل طفلة مضمخة بالحناء والعنبر جدائلها طويلة وثوبها قصير؛ حورية مسكونة بالهوى وذاكرتها من ماء.. مشدودة هي بين عالمين: رأس على اليابسة وقدمين على الماء». (ص91)
ويمضي السرد ليغير ألوان صورة العالم الخارجي، وتزداد حدة إيقاعها مع تخيل الشخصية.. ليأتي حديث الصورة الإيحائية التي بدت معادلاً رمزياً ناجحاً في تجسيد الماضي والتعبير عن تفصيلات المعاناة، حتى ليبدو أحدهما رديفا للآخر ويشتبك الأصل بالظل.
- وحيدة مثل حي البستكية
- وحيدة مثل قلعة الفهيدي
- وحيدة مثل سور المدينة القديم
- وحيدة مثل مدرسة الأحمدية
- وحيدة مثل بيت الشيخ سعيدة
- وحيدة مثل عـّبرة متهالكة. ص91
صور تتوالى وتكتظ متدافعة تعمق السرد تريد منها الكاتبة دلالة مهمة لا تنفصل عن المغزى الكلي للنص. ونلفت نظر القارئ إلى قانون التداعي الذهني الذي ينتقل بالذهن من صورة الخور والحنين إلى الماضي وليل المدينة وزواياه القديمة.. دبي الطفلة المضمخة بالحناء والعنبر، تستمع إلى شهرزاد جديدة لا تخرج إلا ليلاً.
إنه ماضٍ يتداعى في الذاكرة فدبي ألق الحاضر وجذوة الماضي.. والوصف هنا وما اتصل به من تفصيلات يصبح لازمة من لوازم البنية السردية وعلامة سيميائية معبرة عن نمو النسيج الفني للنص.
لقد انمازت إيمان محمد بنصوصها السردية بالفكرة التي اقتربت في بنيتها إلى الشعر لجهة اللغة ومفارقاتها، وأقرب إلى قصيدة النثر شكلياً.. لقد قبضت على اللغة الموحية وتداخلت الصور في نصوصها بين الماضي والحاضر، والعادات والتقاليد، فتحدثت عن طفولتها المخيلة، وعن الطفولة المشروخة التي صادفتها في الواقع فأشاحت عنها بالنظارة السوداء، واحتلت صورة أمها (السدرة – النخلة) وأبيها (البحر).. كما تناولت الغربة وخيبة الصداقات والخيانة والموت وصور الجذب الصوفي وقيمة اللغة الهوية.. إيمان تفاعلت مع كل الحالات الصراعية فقدمتها بنصوص ممتعة تداخلت بين شعر الومضة وقصيدة النثر والمقالة القصة والقصة والأقصوصة.. وهي لم تعبأ بتقسيمات التجنيس.
إيمان محمد قالت نصوصها وتركت المتلقي يتذوق!



‎عنوان الكتاب: إن غابت السدوة وإن ابتعد البحر
‎المؤلف: إيمان محمد
‎الناشر: اتحاد كتاب وادباء الإمارات
‎سنة النشر: 2013

اقرأ أيضا