الاتحاد

تقارير

اليابان··· هل تتخلى عن أحادية هويتها؟

التجانس العرقي والثقافي خاصية طالما تباهى بها اليابانيون

التجانس العرقي والثقافي خاصية طالما تباهى بها اليابانيون

في اليابان تلك الدولة التي تباهت طويلا بتجانسها الثقافي والعرقي، تزايد حماس الشباب للترحيب بأعداد متزايدة من الوافدين الأجانب إلى بلادهم· فهاهي الشابة ''ميهارو تاناكا''، تهم بتوزيع المطبقات ومواد الدعاية الإعلانية الأخرى الخاصة بالمطعم البرازيلي في ضاحية ''أويزيومي'' -تبعد لمدة ساعتين كاملتين بالقطار من طوكيو- وفي كل يوم تقوم ''ميهارو'' بهذه الرحلة الطويلة، لكي تشجع المواطنين على زيارة هذه المدينة الأكثر تعدداً ثقافياً وعرقياً في البلاد، حيث تبلغ نسبة الأجانب فيها حوالي 16 في المائة من إجمالي سكانها· تأتي جهودها هذه في سياق تغير ثقافي في أوساط جيلها من الشباب، الذي بدا أكثر ترحيباً وانفتاحاً للتعدد العرقي والثقافي في البلاد· غير أن المعضلة التي يواجهها هذا الجيل، تتلخص في رسوخ التقاليد اليابانية، التي طالما تباهت بخاصية التجانس الثقافي والعرقي، مما يتطلب من الشباب جهداً مضاعفاً في إقناع المواطنين، بالتآلف والترحيب بهذا التزايد الملحوظ في عدد الأجانب والوافدين خلال السنوات الأخيرة الماضية؛ ومما يصعب هذه الجهود، أن اليابان ظلت في حال قلق دائم باستمرار، بل فيما يصل إلى حد إظهار مشاعر العداء للأجانب بين مواطنيها، وهناك من يعتقد أن الصحافة المحلية، ظلت دائماً تروج لصورة نمطية جاهزة عن الأجانب، تتعمد إلصاق صفة الإجرام بهم باستمرار·
كما يتجلى التحيز الياباني ضد الأجانب في قوانين الهجرة المطبقة فيها، وبسبب تلك القوانين فإنه يبدو أقرب إلى المستحيل من الناحية العملية، أن يحصل المهاجرون الأجانب على وظيفة تمكنهم من الاستقرار والحصول فيما بعد على الجنسية اليابانية؛ فالساري حتى الآن، هو ربط غالبية العمالة الوافدة بتلك الوظائف التي يرمز إليها الحرف الأول ''كي'' في العبارات الشعبية الثلاث الأكثر تداولاً: ''القذارة''، ''الخطورة''، و''القسوة''، وهي الوظائف التي تأنف غالبية اليابانيين عن العمل فيها· ويقول المنتقدون إن اليابان تبدي تمسكاً شديداً بالحفاظ على هويتها الثقافية والعرقية الأحادية· وضمن هذا التمسك، اعتزام السلطات مؤخراً ربط منح تأشيرات الإقامة الطويلة الأمد، وكذلك تأشيرات العمل، بقدرة المتقدمين للحصول على هذه التأشيرات، على التحدث باللغة اليابانية·
ومما لا شك فيه أن صورة الهوية الأحادية هذه، تظل قوية للغاية، غير أن هناك من يشكك في صحة هذا التصور الياباني عن الذات، فالإحصاءات والسجلات الرسمية لعدد المقيمين الأجانب، تشير إلى أن نسبتهم هي 2 في المائة فحسب من إجمالي عدد السكان الأصليين، البالغ تعدادهم نحو 128 مليوناً· غير أن الملاحظ على هذا الرقم الأخير، أنه يشمل الزيادة السكانية البالغة حوالي 47 في المائة، خلال السنوات العشر الأخيرة الماضية، بينما يستبعد حساب الزيادة التي طرأت على أعداد الوافدين والأجانب خلال المدة نفسها· ومما لم تشمله هذه الإحصاءات أيضاً، تزايد حالات الزواج من الأجانب، وكذلك حالات الإنجاب الناتجة عن هذه الزيجات، حيث بلغ عدد الأطفال المولودين منها ما يقدر بنحو 21 ألف طفل سنوياً·
وفوق ذلك، لم تشمل الإحصاءات السكانية الرسمية المشار إليها آنفاً للمواطنين اليابانيين، أولئك الأجانب الذين اكتسبوا الجنسية اليابانية خلال الفترة نفسها، إضافة إلى استثنائها لتلك الفئات الوافدة، التي طال بها أمد إقامتها فوق المصرح به قانونياً لتأشيرات الإقامة· تلك هي الملاحظات التي أثارها ''ديبيتو أرودو''، وهو الناشط الاجتماعي، الأميركي الأصل والياباني الجنسية- المقيم بهذه الصفة في اليابان منذ عام ·2000
هذا ويقدر عدد اليابانيين البرازيليين بحوالي 300 ألف مواطن، يعود أصلهم إلى اليابانيين الذين هاجروا إلى البرازيل في بدايات القرن العشرين، وقد عادوا إلى ديار أجدادهم خلال العقود الأخيرة الماضية· وعلى رغم أن تشريعات الهجرة اليابانية قد اقتصرت حقوق منح الإقامة والحصول على الجنسية اليابانية على المنحدرين من سلالات يابانية فحسب، فإن الملاحظ أن الوظائف التي يعمل بها هؤلاء، هي ذات الوظائف المرتبطة بالصفات الثلاث المذكورة آنفاً، سواء كان ذلك في ضاحية ''أويزيومي'' أم غيرها من المدن الصناعية الأخرى·
وقد تحولت هذه المناطق إلى جيوب خاصة تعيش فيها العرقيات غير اليابانية، إلى جانب كونها تجمعات للتوترات العرقية الناشئة من تزايد ظاهرة التعدد العرقي فيها· وفي هذه الضاحية، حيث تغلب أعداد البرازيليين فيها على عدد السكان اليابانيين الأصليين، فقد ارتفعت أعلام البرازيل في أسطح بيوتها، أكثر مما تفعل الأعلام اليابانية· وبالقدر نفسه، فقد فاق عدد المحال التجارية البرازيلية، من بقالات ومطاعم ومحلات إيجار أفلام الفيديو وغيرها، محلات ''السوشي'' و''النودلز'' اليابانية التقليدية المعروفة فيها·
غير أن البرازيليين اليابانيين المقيمين في هذه الضاحية، يشتكون من مناداة المواطنين لهم بعبارة ''الغريب''، وأنهم يعاملون على أساس هذه الصفة، بينما يتعمد زملاؤهم اليابانيون تجاهلهم في أماكن العمل وغيرها من التجمعات· وعلى رغم أن دراسة لاستطلاع الرأي العام حول سلوك المواطنين اليابانيين إزاء الوافدين، أجريت في العام الماضي، أشارت إلى رغبة الوافدين في التداخل والتعامل مع المواطنين اليابانيين، إلا أن نسبة 10 في المائة من المواطنين فحسب، تبدي رغبة مماثلة في التعامل مع الوافدين، في الضواحي والمناطق التي يعيش فيها اليابانيون والوافدون جنباً إلى جنب·
ولكن الأمل في تغيير هذا السلوك الاجتماعي ''النافر'' من الوافدين، يكمن في تزايد أعداد الشباب اليابانيين، الذين بدأوا ينشطون في كسر هذه الحواجز الاجتماعية والثقافية، وذلك بإقناع المزيد من المواطنين بقبول التعدد العرقي والثقافي· وبما أن اليابان تعاني انكماشاً ملحوظاً في عدد المواليد، إذ انخفض معدلهم إلى 1,32 طفل سنوياً في العام الماضي، قياساً إلى 1,66 قبل عقد مضى، إلى جانب تصاعد معدلات الشيخوخة بين مواطنيها، فإن من رأي المحللين أنه بات عليها الترحيب بالمزيد من الوافدين بين مجتمعاتها·


ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا