الاتحاد

تقارير

سوهارتو ··· حاكم يرفض الإندونيسيون احتضاره

سوهارتو ··· حاكم يرفض الإندونيسيون احتضاره

سوهارتو ··· حاكم يرفض الإندونيسيون احتضاره

جزيرة ''جافا'' مكانٌ معروف لدى الإندونيسيين بقوته الروحية غير العادية؛ غير أن الرجل الذي استغل هذه القوة أكبر استغلال ومارسها بحذق ومهارة، يحتجز بلده اليوم تحت تأثيره، وذلك حتى في الوقت الذي يعيش فيه بين الصحو والغيبوبة·
صعد ''سوهارتو'' إلى السلطة كجنرال، إثر محاولة انقلابية غامضة في ،1965 ربما كان له علم مسبق بها· ففي تلك الليلة، عاد ''سوهارتو'' ابنَه في المستشفى، وأمضى بقية الليل في منزله بينما كان زملاؤه الجنرالات يُقتلون، كما أن تخلصه من الرئيس ''سوكارنو'' ليلة الحادي عشر من مارس 1966 تم أيضاً بمنأى عنه، حيث ذهب ثلاثة ضباط لإرغام الرئيس على التنازل عن السلطة بينما كان ''سوهارتو'' يتعالج من نزلة برد نادرة في البيت·
وصل ''سوهارتو'' إلى السلطة كجنرال؛ غير أن سلطته أو حقه في الحكم لها جذور في ''الكيباتينانية'' -وهي الصوفية السائدة في ''جافا''- وهي التي تؤخر اليوم وفاته، مثلما يعتقد العديد من سكان ''جافا''· وفي هذا السياق، قال لي أحد سكان ''جافا'' ''إنه ميت طبياً، أما روحياً، فإنه مازال على قيد الحياة''· وتسترعي معركة ''سوهارتو'' مع الموت، أو جهوده من أجل احتضانها، اهتماماً وطنياً اليوم على نحو لم يعرف له ''سوهارتو'' مثيلاً منذ أن تنحى عن السلطة قبل تسع سنوات·
فبالرغم من أنه حرص على دفن معتقداته تحت نوع من المزاح الذي يحاول نزع الهالة عن الذات، ولاحقاً عبر التعفف الديني، إلا أن ''سوهارتو'' كان يؤمن بأنه مُنح تفويض الحكم عن طريق زوجته ''ست حرطينة''، المعروفة لدى الإندونيسيين باسم ''إيبو تيان''؛ فباعتبارها سليلة عائلة ملكية في ''جافا''، فقد كانت هي من حمل التفويض الإلهي إليه، وهي من ثابر -على الأقل في السنوات الأولى- لتغذية هذا التفويض ودعمه؛ وكانت قد قررت الزواج به بعد أن رأت رؤيا في منامها قيل لها فيها إن ''سوهارتو'' في مهمة إلهية·
كان ''سوهارتو'' وزوجته ومستشاروه في شؤون التصوف -أو ''الدكون''- قد بذلوا كل ما في وسعهم من أجل تلميع صورته كرجل جدير بالمهمة، وحين كانت تسنح له الفرصة، كان ''سوهارتو'' يغادر جاكرتا إلى مواقع قريبة من ''جافا'' حيث يلتقي نهران، وهي نقاط تعتبر مقدسة، فكان يصلي هناك، ويتطيب، ويرتدي ملابس نظيفة، ثم يسير ببطء داخل المياه نحو النقطة حيث يستطيع الشعور باختلاف في درجات حرارة المياه أثناء التقاء النهرين· وعندما يكون في وسط ''جافا'' الوسطى، كان ''سوهارتو'' يحرص على زيارة ''مانجديج''، وهو سفح الجبل حيث دفن أسلاف زوجته وحيث من المتوقع أن يتم دفنه حين يُتوفَّى·
من جهة أخرى، كان مستشاروه يجوبون البلاد بحثاً عن الـ''بوساكا'' -أو الأشياء المقدسة- التي يعتقدون أنها ستمنح ''سوهارتو'' القوة للتغلب على ''سوكارنو''؛ وقد كانت إحدى غرف منزله المتواضع ملأى بهذه القطع الفنية التي كانت تتضمن سكاكين من ''جافا'' وأدرعاً وزهوراً مقدسة· ولعل أهم هذه القطع قناع خشبي لوجه رئيس الوزراء ''غادجا مادا'' الذي عاش في القرن الرابع عشر وكان أقوى من ملوك ''ماجاباهيت'' الذين خدمهم· وقد تمكن مستشارو ''سوهارتو'' من استرجاع القناع بعد كثير من البحث والدعاء ومغازلة المشرف عليه في أحد معابد بالي· وتم نقل القناع في سرية تامة عبر طائرة خاصة إلى جاكرتا؛ وبعد بضعة أشهر، خلع ''سوهارتو'' -المستقوي بامتلاكه للـ''بوساكا''- ''سوكارنــو'' كرئيس للبلاد وحافظ على اللقب لنفسه·
هذه ''البوساكا'' -أو القطع المقدسة- هي التي يعتقد العديد من سكان ''جافا'' أنها تبقي ''ساهورتو'' على قيد الحياة؛ ويرون أنها دخلت جسمه، ولابد اليوم من سحبها منه، وإعادة أي منها مما مازال في حوزة العائلة· وفي بلد حيث إدخال إبر الجاذبية، أو ''السوسوك''، تحت الجلد من أجل زيادة الجمال والصحة وجاذبية الشخصية مازال ممارسة شائعاً، فيمكن القول، إن اعتقاداً من هذا القبيل لا يبعث على الاستغراب· وفي هذا السياق، نقل أحد المواقع الإخبارية، عن أحد ممارسي القدرات الخارقة قوله، إن على ''سوهارتو'' من الناحية الروحية أن يخضع لطقوس تطهيرية من أجل التخلص من كل القوى والقدرات الصوفية التي يتمتع بها·
بيد أن ثمة مشكلة؛ ذلك أن ''الدكون'' الذين ساعدوا ''سوهارتو'' على الوصول إلى السلطة في الستينات تُوفُّوا منذ فترة طويلة، ولا يوجد شخص يتمتع بالمهارات والمعرفة المطلوبتين لأداء هذه الطقوس· كما أن زوجة ''سوهارتو''، وهي امرأة ضليعة في التصوف شأنها في ذلك شأن مستشاريه، توفيت في ·1996 وفي ظل هذه الظروف إذن، يواصل ''سوهارتو'' الحياة اليوم·
والواقع أن ليس كل الإندونيسيين، بمن فيهم أولئك المقربون من ''سوهارتو''، يؤمنون بـ''الكيباتينانية''، وليس كلهم يصدقون أنها تبقيه على قيد الحياة؛ ولكنني حين سألت أحد سكان ''جافا'' حول ما إن كان يصدقها، أجابني قائلاً: ''أعتقد أنه إذا كان نصف سكان ''جافا'' يصدقونها، فلابد أن ذلك صحيح''؛ إنها نهاية ملائمة بالنسبة لرجل كان بارعاً في تسخير قوة السلاح مثلما كان بارعاً في تسخير قوة الأرواح!

مراسل سابق لوكالة رويترز وصحيفة وول ستريت بصدد إصدار كتاب حول سقوط سوهارتو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا