أحمد شعبان (القاهرة)

أروقة الأزهر.. يجتمع فيها طلاب العلم من كل بقاع الأرض، فقد كان الآلاف من وفود الطلبة تقبل على صحن الأزهر، وكان على القائمين على الأزهر تقديم كل ما تحتاجه هذه الوفود المتطلعة إلى العلم، وهكذا بدأت فكرة الرواق، وفي عمارة الجوامع يعني الرواق هو المجاز بين صفين من الأعمدة، وقد كان لكل جماعة من الطلاب رواق يجلسون فيه إلى شيخهم. وصارت أروقة الأزهر أقدم مدينة جامعية في العالم.
قال المؤرخون: من ضمن مظاهر قوة الأزهر، تجيء الأروقة الأزهرية، وهي تلك المجالس العلمية الموزعة على نطاق الجامع لتكون مكاناً للإقامة الكاملة لمن يرغب الالتحاق بالأزهر، وليس من خارج القاهرة، وسرعان ما تحولت هذه الأروقة من مجرد مدينة جامعية لتصبح مقراً لعلوم الشريعة.
وتتبع قوة الأزهر من الرواق، حيث إن كافة العلوم الأزهرية القديمة يتم تدريسها لطلبة غالبيتهم من غير المصريين، ومن هنا اكتسب الأزهر صفة المؤسسة الوسطية، قال المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي في «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» إن بعثة أوروبية من الفرنجة كانت تدرس في الرواق الأزهري بعض العلوم الرياضية على والده الشيخ حسن الجبرتي الأزهري، وكان هذا في أواسط القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، وإن هؤلاء الطلبة تلقوا على يد أبيه علم الهندسة وأهدوا إليه من مصنوعاتهم وآلاتهم أشياءً نفيسة، ثم رجعوا إلى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم وأقاموا صناعات بديعة مثل طواحين الهواء وجر الأثقال وغيرها. كانت هذه الأروقة أماكن للإعاشة الكاملة، طعاماً وإقامة وكسوة ومرتبات ومخصصات كثيرة وخدمات جليلة تكريما وراحة لهؤلاء الضيوف.
وتنقسم الأروقة إلى قسمين رئيسين، أحدهما للمصريين وهو يقسم بحسب المنطقة الجغرافية، والآخر لغيرهم من الوافدين، ويقسم بحسب الموطن أو العنصر وأحيانا المذهب الفقهي، وفي القسمين كان «المجاورون»، كما كان يطلق عليهم، يحصلون على كل مستلزماتهم من مسكن وملبس وطعام وشراب.
لم يكن العلم وحده هو ما يربط بين القاطنين بأروقة الأزهر، فكانت هناك روابط اجتماعية وثقافية وسياسية، جعلت لبعض هؤلاء «المجاورين» إسهاماً بارزاً في المجتمع المصري، وجعلت الأزهر يبقى لقرون طويلة حاملاً لمشعل التنوير وقائداً للمقاومة والتحرر في العالم الإسلامي كله.
بلغ عدد أروقة الأزهر داخل المسجد وخارجه أكثر من 40 رواقاً تأسست على مدار التاريخ، أنشأها السلاطين والأمراء والعظماء، وخصص معظمها للطلاب الفقراء والمنقطعين لطلب العلم وكان معظمهم من الأغراب الذين لا مأوى لهم، وبعضها خصص لأهل مصر خاصة من طلاب الريف الذين لا سكن لهم بالقاهرة، ونشأ فيها الطلاب الذين صاروا شيوخا، يقومون بدورهم بإنشاء المعاهد الدينية الاسلامية في بلادهم، وشيئاً فشيئاً ترسخ المنهج الأزهري داخل هذه الأروقة.
اجتذب الأزهر الشريف كبار علماء وطلاب بلاد الإسلام، دون تمييز، وبسبب تجاور الأروقة وتزاحمها، نُظمت العلاقات بينها، منها سفر الطلاب وإجازتهم، والتغيب عن الدراسة، وتوزيع الجراية، والانتظار حتى يشغر مكان بالرواق، والتأديب حال الإخلال بأنظمة الأروقة أو الخروج على الأعراف.
وكان لكل رواق شيخ يعتبر رئيساً ومديراً لمصالح الرواق، يعاونه وكيل، ويساعدهما نقيب الرواق، وهو من الطلاب القدامى ويتولى توزيع الجراية والغياب والحضور، وهناك شاهد وجابي الوقف وسقاء وملاء وفراشون وخدم لرعاية الطلاب. ومن أروقة أهل مصر، رواق الصعايدة وهو أشهرها جميعا، والبحاورة والشراقوة والفيومية، والحنفية والحنابلة وغيرها، أما أروقة الوافدين فمنها، رواق الحرمين والبرابرة والسنارية والبغادة والشوام والمغاربة والهنود واليمنية والأتراك والأفغان.
واليوم استبدلت بأروقة الأزهر مدينة ضخمة لطلابه من شتى أنحاء العالم وصارت لمجالس العلم فيها كليات متفرقة.