الاتحاد

دنيا

السيرك المنغولي يلعب على أوتار الخطورة والليونة والإبهار

السحر الآسيوي كان عنواناً لليلة أمس الأول في مدينة زايد الرياضية، التي احتضنت عرضاً مدهشاً لفنون السيرك المنغولي امتزجت فيه رشاقة الإيقاع بخطورة الحركات البهلوانية، ما أفرز نسيجاً حركياً أبهج جماهير أبوظبي التي تقاطرت على المدينة الرياضية لمشاهدة العرض، الذي يستمر حتى نهاية الشهر الجاري.

قبيل بدء الأمسية ترددت في أرجاء خيمة السيرك موسيقى منغولية قادمة من أعماق الشرق الآسيوي، مهدت الجمهور للاستمتاع بالعروض المبهرة التي استمرت لما يزيد على الساعتين. انطلقت الأمسية بدخول متناغم لبعض أعضاء الفرقة في أرديتهم المزركشة وملامحهم المميزة التي أضفت على العرض سحراً خاصاً، واتخذوا شكل حلقة راقصة توسطهم أكثر اللاعبين رشاقة وحضوراً وأخذ يؤدي رقصة تشبه على حد كبير رقصة المولوية المعروفة في أماكن كثيرة في الوطن العربي، وهو ما يبين وحدة الفن بين الشعوب وبأنه لغة الإنسانية غير المنطوقة.
روح المغامرة
بعد ذلك دخل ثنائي مكون من لاعب ولاعبة أكروبات وانخرطا في ممارسة لعبة تسلق الحبل والقيام بحركات بهلوانية خطرة عبر التقافز على الطوق الحديدي المعلق في الأحبال، ما جعل الجماهير تحبس أنفاسها مشدوهين بروح المغامرة واللياقة الفائقة للثنائي، التي وصلت إلى حد أن تقوم اللاعبة بحركات دائرية في الهواء باستخدام أقدامها المعلقة في رقبة اللاعب الذي كان بدوره معلقاً في وضع عكسي بحيث كانت قدماه في الأعلى ورأسه في الأسفل.
تالياً كانت فقرة المهرج، حيث تفاعل مع الجمهور من خلال دعوته بعضهم إلى منطقة العرض ليشاركوه تأدية حركاته المدهشة.
أتبع ذلك استعراض فريد من نوعه باستخدام الأحبال والتقافز بينها دونما أي ملامسة لها، وهو ما يتطلب سرعة ورشاقة كبيرة تخللها رقص لأحد اللاعبين من الوضع نائماً بشكل متماوج مع حركة الأحبال. أعقبها مجموعة من الحركات الخطرة تشارك فيها نحو عشرة عارضين وعشر عارضات باستخدام فنون الرقص المختلفة مع اللعب بين الأحبال والتقافز بينها بشكل جماعي، بحيث وصلت إحدى مراحل اللعبة إلى أن يقفز ثلاثة أشخاص محمولين فوق أكتاف بعضهم بشكل عمودي وهي الفقرة التي ألهبت حماس الجماهير المتعطشة لمثل هذا النوع من الفنون الذي يطأ أرض أبوظبي للمرة الأولى.
ليونة جسدية
أما أكثر العروض ارتباطاً بالليونة الجسدية فقدمها لاعب ولاعبة بهرا الجمهور من خلال البراعة الفائقة لهما وخاصة اللاعبة التي كانت تتحرك وكأنها دون جهاز عظمي لفرط ليونتها الجسدية.
التراث المنغولي أيضاً كان له نصيب ممثلاً في العزف على إحدى الآلات الوترية القديمة والتي تشبه إلى حد كبير آلة القانون ولكن بحجم أكبر وإيقاعات صوتية مختلفة رقص على وقعها أربعة من اللاعبين ذوي أحجام الصغيرة وأزياء مبهجة الألوان، ما بعث برسالة مستوحاة من أعماق التراث المنغولي. ثم عاود المهرج الدخول وأدى استعراضاً بديعاً باستخدام الحبل بمشاركة بعض الحضور ممن استدعاهم لخوض تجربة فريدة ومميزة في حياتهم، وهي المشاركة في تقديم إحدى حفلات السيرك العالمية.
وفي عرض تلك الليلة المميزة، تشارك تسعة من اللاعبين الذكور في أردية سوداء، تراصوا وقوفاً على أكتاف بعضهم ومشكلين ثنائيات حركية انتشرت في خيمة العرض، وأخذ أحدهم في القفز على أكتاف تلك المجموعات التي وصل ارتفاعها إلى نحو ثمانية أمتار من خلال وقوفهم معتمدين على أكتاف بعضهم بعضاً، فكانت بحق أكثر فقرات العرض خطورة وجراءة.
اللافت، في هذه الأمسية الإيقاعية بامتياز، هو وجود ثنائي أوكراني أخذ في تقديم عروض مبهرة بمشاركة قطط وكلاب ظهر عبر الأداء أن هناك أوقاتاً طويلة استغرقها الأمر من أجل الوصول إلى هذا المستوى من التجاوب مع حركات العارضين الأوكرانيين.
وعن السحر وعالمه الفريد، كانت الفقرة التالية وقدمتها إحدى ساحرات الفرقة من خلال مجموعة من الإدهاش والألعاب الغريبة ثم كانت فقرة جماعية خطيرة تشارك فيها عشرة من اللاعبين أعادوا فيها لعبة القفز على الأكتاف مع استخدام الأحبال، ولكن بأسلوب مختلف وشكل أكثر إبهارا. أما أخطر وأجرأ لحظات الليلة، هي تلك التي قفز فيها أحد اللاعبين لما يزيد عن عشرة أمتار لينتهي بالوضع جلوساً على أحد المقاعد على أسطوانة طويلة محمولة على كتف أحد اللاعبين.
استعراض القوة
ثم كانت عودة لليونة الجسدية مع ثنائي رائع قدم حلقات من الفن الممتع في سماء حلبة السيرك اعتماداً على ما يشبه الستائر المدلاة من أعلى الخيمة. الرقص والاستعراض المنغولي كانا لهما إطلالة أيضاً عبر عرض رائع في الرداء المنغولي التقليدي المعروف في أدبيات التراث الآسيوي.
أما الفقرة التي جعلت الجماهير يطيلون التصفيق إعجابا واندهاشاً، استعراض القوة غير الطبيعية للإنسان والتلاعب بأوزان يصل مجموعها إلى ألف كيلو جرام، والتي قام بها أحد الأبطال المنغوليين مظهراً قوة جسدية غير عادية وجرأة غير مسبوقة عبر إلقاء كرات حديدية يصل ثقلها نحو خمسة عشر كيلو جراماً، واستقبالها على ظهره، وهي من الألعاب الخطرة التي لا مجال للخطأ فيها.
ووصلت ذروة القوة في هذه الليلة حين قام هذا اللاعب برفع ما يقارب من بخمسمائة كيلو جرام، منهم أربعة لاعبين واسطوانات حديدية يصل وزنها إلى مائتي كيلو جرام.
وكان ختام الليلة وحشياً، غير أنها كانت الوحشية الجميلة ممثلة في مروضة الأسود العالمية فاتن الحلو التي جاءت من مصر بصحبة مجموعة من الأسود والنمور والفهود، مع أعضاء فرقتها ليشاركوا أبناء منغوليا عرضهم الرائع على أرض العاصمة الإماراتية، من خلال ما قدمته من فنون اللعب مع الحيوانات المفترسة أمام جماهير مدينة زايد الرياضية.
أيام الطفولة
بعد انتهاء العرض قال السفير المنغولي لدى الكويت سايران قادر، الذي جاء خصيصاً لمتابعة العرض، إن هذه الليلة أرجعته إلى أيام الطفولة حيث كان يسكن بالقرب من مقر عروض السيرك المنغولي في العاصمة أولان باتور، ورؤيته لهذه العروض مرة أخرى في الإمارات، يعد خطوة ملموسة في مجال تحقيق التقارب بين الشعبين الإماراتي والمنغولي، خاصة وأن العالم أصبح قرية صغيرة، وهو ما يستلزم من جميع الشعوب العمل على التواصل مع الآخرين باستخدام وسائلها الثقافية والفنية، سيما وأن السيرك المنغولي من أبرز العلامات التراثية للمنغوليين في العصر الحديث، حيث يعود ظهوره إلى الوجود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وأخذ يحقق ثباتاً ونجاحاً عاماً بعد عام، إلى أن أصبح ما علي الآن من شهرة عالمية.
الشكل التنظيمي
ولفت السفير إلى أن أعضاء السيرك المنغولي يعكفون حالياً على الاستعداد لإدخال الحصان العربي وكذلك الجمال في استعراضاتهم المختلفة، ما يضفى عليها نكهة مميزة ويحقق لها مزيد من الانتشار في المنطقة، خاصة وأن أبوظبي صارت من أشهر عواصم الفن والثقافة في العالم، وهو ما يدفع المنغوليين إلى السعي الحثيث إلى التواجد المستمر في هذه الساحة الفنية الراقية، التي تستقطب دوماً فنانون ومسرحيون وممثلين من كافة الأطياف الثقافية في العالم.
من ناحيته، قال محمد المزروعي، رئيس مجلس إدارة شركة سكاي لتنظيم الفعاليات المسؤولة عن تنظيم العرض، إن السيرك يقدم ألعاباً خطيرة متميزة ومتألقة وجديدة لأبطال لا يعرفون المستحيل، ولا يخلوا السيرك من الفقرات الكوميدية والسحر والأكروبات، وطغى على ذلك الشكل التنظيمي، والمؤثرات الصوتية والإضاءة، وطريقة تقديم العروض بحرفية ونظافة الخيمة وتواجد التكيفات والإضاءة التي زينت الخيمة العملاقة من الخارج، وأصبحت مقصدا للزوار ذات معالم كبيرة وجذب السيرك أعدادا كبيرة من السائحين من الكويت والسعودية والبحرين وعمان. ويبلغ أعضاء فناني وإداري السيرك أكثر من 66 شخصا. ويعتبر هذا أكبر عدد يشارك في سيرك عالمي وأقيمت مدينة ملاهي ترفيهية للأطفال حول ذلك السيرك ومنطقة خدمات ومطاعم على أعلى مستوى.
ويضيف المزروعي “يسهم السيرك في دعم مباشر لخدمة المجتمع بكافة الشرائح حيث تجمعت العائلات والأسر لقضاء يوم متكامل بمدينة زايد الرياضية راعية ذلك الحدث الكبير الذي بلغ تكلفته حوالي 3 ملايين درهما”، مشيرا إلى أن ثقافة السيرك المنغولي أرسلت رسالة إلى شعب الإمارات من خلال التبلوهات الاستعراضية الرائعة.
ويقدم السيرك المنغولي استعراضا فنيا للملك جانكيز خان. وانبهر الحضور بمشاركة الرجل المنغولي الذي يعتبر من أقوى رجال العالم، ويستطيع أن يحمل أكثر من 1000 كيلو جرام مع حوالي 10 لاعبين دفعة واحدة. وفقرة الكلاب والقطط والأسود والنمور والفهود كان لها أثر كبير في نفوس الأطفال بشكل خاص.
وقال المزروعي إنه يحلم بإقامة سيرك دائم بأبوظبي وأنه تم الاتفاق مع السيرك الألماني للعام المقبل، ومن بعد السيرك البرازيلي خاصة وأن نفس المؤسسة قدمت السيرك المصري الأوروبي في العام الماضي بمدينة خليفة كتجربة أولى.


دعم علاقات التبادل الثقافي

وزير الخارجية المنغولي زاندان شاتار، جاء برفقة طاقم العاملين في السفارة المنغولية في الكويت لمتابعة السيرك. وقال لـ”الاتحاد” إن هذا العرض يأتي في إطار السعي المستمر لفتح خطوط للثقافة بين البلدين، وتؤطر لدعم علاقات التبادل الثقافي بين الإمارات ومنغوليا، وأيضاً الحفاظ على الموروث الشعبي في كل من الدولتين والتعريف بهم. وبالرغم من عدم وجود تمثيل دبلوماسي في الدولة، غير أن وجود مثل هذا السيرك يمثل حلقة تواصل مهمة بين الشعبين الإماراتي والمنغولي، كما أعرب الوزير عن سعادته لتواجده في الإمارات ليدعم واحدا من أبرز سمات الفن المنغولي الحديث، الذي يعتبر علامة سياحية كبرى في منغوليا ومنطقة الشرق الأقصى.
عروض السيرك


العرض يستمر حتى نهاية شهر أبريل الحالي، ويقدم عرضين يومياً:
الصباحي: من العاشرة إلى الثانية عشرة ومخصص لأطفال المدارس.
المسائي: من الساعة السابعة إلى الساعة التاسعة.
أما يومي الجمعة والسبت فتختلف مواعيد العرض الصباحي فتكون من الثالثة إلى الخامسة عصراً، والمسائي تكون بنفس موعدها المعتاد.

اقرأ أيضا