الاتحاد

دنيا

معرض صناعات تقليدية يسلط الضوء على إبداع 10 معاقين جزائريين

 حياكة ملابس الأطفال تغمر فضيلة العرباوي بالأمل والتفاؤل (من المصدر)

حياكة ملابس الأطفال تغمر فضيلة العرباوي بالأمل والتفاؤل (من المصدر)

حسين محمد (الجزائر) - في إطار تعزيز التواصل بين معاقي مختلف مناطق البلد، استضافت قاعة «الأطلس» بالجزائر العاصمة، وتحت إشراف وزارة الثقافة، مجموعة من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين ينتمون إلى ولايات الجنوب أو الصحراء الجزائرية قصد عرض آخر إبداعاتهم في ميدان الصناعات التقليدية. ومع أن القاعة صغيرة ولا تتسع لأكثر من 10 عارضين، إلا أنها كانت كافية لعرض تشكيلات متنوعة من المنتجات التقليدية التي تعبِّر عن التراث الزاخر لمنطقة الجنوب الجزائري، وخاصة الملابس التقليدية المحلية والأفرشة والأغطية الصوفية وغيرها، على يد مجموعة من المعاقين المنتمين إلى المنطقة والذين بدا واضحاً من منتجاتهم أنهم بذلوا فيها جهداً كبيراً بغية إثبات ذواتهم، والتأكيد أنهم لا يختلفون في شيء عن الحِرفيين الذين يتمتعون بكامل قدراتهم الجسدية، إن لم يفوقوهم في بعض الأحيان إذا توفرت لهم الفرص والحظوظ.
إثبات الذات
إلى ذلك، قدّمت حليمة مرخوفي، من ولاية ورقلة جنوب الجزائر، وهي معوقة تبلغ من العمر 36 سنة، مجموعة ملابس نسائية تقليدية تشتهر بها المنطقة، ووسائد مزخرفة برسوم جميلة، وقد أنجزت كل ذلك بعد أن خضعت لعدّة دورات تدريبية بمركز التأهيل المهني بالولاية في اختصاصات اللباس التقليدي والطرز بالشريط الحريري وتقنية «المكرامي»، ما مكَّنها من تقديم منتجات تقليدية متنوعة الآن، تقول مرخوفي، وهي تشير إلى لباس تقليدي بفخر «هذا اللباس تطلّب 20 يوماً لإنجازه، وهو لا يختلف في شيء كما ترون عما ينجزه الآخرون، العمل يُشعرني بإثبات الذات ويمكّنني من أعيش حياتي بشكل طبيعي وأن أشعر بأني منتِجة ولستُ عبئاً أو عالة على المجتمع».
من جهتها، آثرت المقعدة فضيلة عرباوي (46 سنة) الحياكة اليدوية لملابس صوفية للأطفال، وقد بدأت حياتها بالرسم على الورق والحرير، ثم اتجهت إلى ملابس الأطفال من الجنسين وكذا جواربهم وقفازاتهم، كما تحيك الدمى من الصوف، لتحسين ظروفها المعيشية بعد وفاة والديها. تقول «استغرق بضعة أيام في حياكة اللباس الواحد قبل أن أنهيه وأنتقل إلى غيره، وفي الوقت نفسه أنتظر قدوم الزبونات لاقتناء منتجاتي لأطفالهن» وتواصل عرباوي، وهي قابعة على كرسي متحرك «أعاني نقص الإمكانات، لا مساعدات من السلطات، هذه الملابس أنسجها بإمكاناتي البسيطة، ومع ذلك فإني أشعر بمتعة كبيرة، ويزرع هذا العمل في نفسي شحنة من الأمل والتفاؤل بغدٍ أفضل».
تدريب متخصص
رغم بعد المسافة التي ناهزت الـ2300 كلم، وثقل الإعاقة الحركية، إلا أن خديجة الحمدو (31 سنة) من دائرة «عين صالح» ولاية تمنراست المحاذية لدولتي النيجر ومالي، أبت إلا المشاركة في المعرض لتقديم منتجاتها من منسوجات مختلفة: أفرشة صوفية، أغطية، زرابي وسجاجيد مزخرفة متناسقة الألوان، ووساداتٌ صوفية أيضاً، وهي منتجات رائجة في هذه المنطقة التي يقطنها «الطوارق».
وتوعز الحمدو تنوُّع منتجاتها إلى تلقيها تدريباً متخصصا لمدة 24 شهراً في مركز للتكوين المهني بمنطقتها بعد أن أخفقت في الحصول على البكالوريا آداب، تقول بفخر عن سجادة رفيعة مقاسها 3 في 1,5 متر»نسج هذه السجادة استغرق مدة شهرين على المغزل اليدوي، ومع كل هذا الجهد والوقت، فثمنها بخس مقارنة بسجاد مناطق أخرى كزربية غرداية مثلاً».
وعن تغيّر حياتها بعد أن تأهلت واحترفت هذه الصناعة التقليدية، تقول الحمدو «لا شك أنها تغيّرت كثيراً نحو الأفضل، فالعمل فرصة لتجاوز الإعاقة الحركية والتغلب عليها، وإن كنتُ أعتقد أن المعوق الحقيقي هو الذي يعطل طاقاته وقدراته حتى وإن كان سليماً بدنياً، ويرفض بذل الجهد ومحاولة تغيير واقعه ويستسلم للسلبية والخمول والفشل، وما أكثر هذا النوع في واقعنا».
للأطفال نصيب
لم يقتصر المعرض على المنتجات التقليدية للمعوقين من الكبار، بل كان للأطفال من هذه الفئة نصيبٌ أيضاً؛ إذ خُصِّص لهم جناح صغير شغله «مركز الحياة لرعاية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة» لمنطقة «القرارة»، ولاية غرداية، 600 كلم جنوب غرب الجزائر، وهو مركزٌ يلعب دور جمعية أهلية تُعنى بشؤون هذه الفئة من الأطفال لإعادة تأهيلهم وتدريبهم على مواجهة صعوبات الحياة ومساعدتهم على اكتساب بعض المهارات العملية وتدريبهم على الرسوم ونحت مختلف الأشكال، ويضم الآن نحو 60 طفلاً، بحسب الحاج سعيد منير، مسؤول في المركز.
وعرض ممثلو مركز «الحياة» مجموعة من إبداعات الأطفال المنخرطين، وهي تتميز بالبساطة والعفوية، ولكن بالجمال أيضاً بعد أن زينوا مختلف منتجاتهم بالورود لإضفاء قدر من الجاذبية عليها، كما دُرِّبوا على استغلال المواد المحلية كالرمل والخشب لصناعة أشكال عديدة، ومنها وردة الرمال، وأواني مختلفة الأشكال، ومجسَّم لواحةٍ مليئة بالنخيل والجِمال والخيم، وكذلك مجموعة من الرسوم التعبيرية الجميلة التي تعبر عن اهتمامات هؤلاء الأطفال وميولهم وأحلامهم. ويوصي الحاج عاشور ناصر، أمين ولائي لاتحاد المعاقين بغرداية، المعوقين بالسعي إلى تغيير واقعهم وعدم الاستسلام لليأس والإحباط. ويقول «الإعاقة ليست نهاية العالم، ويمكن تجاوزُها بتنمية هواية أو التدرُّب على حرفة أو تعلُّم مختلف المهارات المتاحة الآن».


مؤازرة وانتقاد
حظي المعرض بزيارة عشرات السيدات اللواتي لهن أطفال معاقون، لشدّ أزرهم ورفع روحهم المعنوية ودفعهم إلى الاقتداء بالعارضين، وهو أحد أهداف تنظيم المعرض فيما يبدو، لكن حاج نور الدين بامون، وهو شاعرٌ من منطقة متليلي بغرداية، يرى بأن حصره في عرض الصناعات التقليدية المحلية منع الكثيرَ من ذوي الاحتياجات الخاصة من عرض تجاربهم الناجحة في ميادين أخرى عديدة، كالفنون التشكيلية والمشروعات الصغيرة في شتى الاختصاصات. كما أكد من جانب آخر، أن واقع هذه الفئة في الجزائر، والتي يتجاوز عددُ أفرادها المليوني مصاب بإعاقات حركية وذهنية، ليس وردياً، فالكثير منهم لا يزال يعاني التهميش والنبذ الاجتماعي، داعيا إلى مواصلة الجهود للنهوض بهذه الفئة، وتوفير المزيد من الإمكانات لها لإثبات وجودها والتعبير عن قدراتها وتفجير طاقاتها الكامنة.

اقرأ أيضا