الاتحاد

دنيا

«عاملات منازل» يتدللن.. وعائلات تتحمل عناء الانتظار

عاملة منزل مع كفيلتها عند أحد مكاتب جلب الأيدي العاملة (تصوير إحسان ناجي )

عاملة منزل مع كفيلتها عند أحد مكاتب جلب الأيدي العاملة (تصوير إحسان ناجي )

رحلة طويلة شاقة، تبدأ بطلب جلب عاملة منزل تخفف عن ربة البيت متاعبها اليومية، وتنتهي بتحمل زلاتها وسلوكياتها، أو إعادتها إلى مكتب عاملات المنازل والبحث عن بديل لظها، لا يوجد ما يضمن إخلاصها وحسن أدائها هي الأخرى، ليستمر سيناريو متشابك، المستفيد الأول منه مكاتب جلب عاملات المنازل، والمتضرر الأكبر منه «الكفيل» المغلوب على أمره الذي ترهقه تكاليف جلب عاملة منزل، والتي «تتجاوز 10 آلاف درهم»، مُحدثة اختلالاً في ميزانيته. وفي نفس الوقت الذي تتدلل فيه عاملة المنزل، نجد العائلة تتحمل عناء الانتظار.

خلال مسيرة البحث عن عاملة منزل، تسلُك ربة البيت جميع الطرق، من تصفح إعلانات الصحف، إلى سؤال الصديقات وزميلات العمل، مروراً بالاتصال بمكاتب جلب عاملات المنازل، عساها تجد ضالتها وفق قائمة المواصفات الدنيا التي وضعتها في ذهنها، بناءً على تجارب سابقة مرت هي بها، أو سمعتها من قريباتها.
وعندما يتقطع نَفَس ربة البيت في البحث، وتقبل بما هو موجود، تختار واحدة منهن، ثم تنتظر 45 يوماً داعية أن تحضر العاملة منزل في الوقت المتفق عليه، مع الأخذ في الحسبان أنها قد ترفض المجيء في آخر لحظة، ما يعني تكرار سيناريو متاهة البحث عن ثانية وربما ثالثة.
وحالما تصل العاملة منزل، تتنفس الأسرة الصعداء وتعيش حياة هنيئة ما تيسر من وقت بعد فترة الاختبار المحددة بثلاثة أشهر، آملة أن يكون المقابل الباهظ الذي دفعته متناسباً مع ما ستقدمه من خدمات، لكن تمنياتها وآمالها غالباً ما تتلاشى مع الأشهر، فتجد الأسرة نفسها مضطرة مرة أخرى إلى الاستنفار وتكرار سيناريو البحث، مع الحرص على عدم تكرار الأخطاء السابقة، وهكذا.
ولاستقطاب العاملة منزل، آثار سلبية تعود على الأسرة بشكل عام، فمع متغيرات الحياة العصرية أصبح تزايد اعتماد أسر المجتمع المحلي على عاملات المنازل في الشؤون المنزلية مطلباً أساسياً، وقد يكون ضرورياً في بعض الحالات، وفي أخرى وسيلة للتباهي والتمظهر، وأصبح وجود عاملة منزل في البيت يعتبر عند الكثير من ربات البيوت «برستيج» يرفع من شأن الأسرة ومكانتها.
لكن السؤال: زيادة تكلفة استقدام العمالة المنزلية غير المبررة، مسؤولية من؟ ربما كان السؤال يحتاج إلى أكثر من إجابة تمتزج مع بعضها لتشرح حال سوق العمالة المنزلية، وتفسر عدم استقراره. مع حاجة بدرية حسين، موظفة، إلى عاملة منزل منزلية، وبالاتصال على أكثر من مكتب لاستقدام عاملات المنازل، لاحظت أن هناك تبايناً كبيراً في المقابل المادي.
فالعاملة منزل من جنسية معينة وصل سعرها إلى 8?500 وراتبها تراوح ما بين 1000 و1500 درهم، أما الإندونيسية فتتراوح تكلفة الاستقدام بين 7000 و10000، والراتب من دون خبرة 700، بينما بخبرة 800، هذه هي أسعار مكاتب استقدام عاملات المنازل، التي باتت اليوم تقصم ظهور الكثير من أفراد المجتمع ليكون «الكفيل» هو الضحية في حالة هروب العاملة منزل أو قيامها بجريمة ما، الأمر الذي يتطلب فرض غرامات وعقوبات بحق المتجاوزين منهم للأسعار ولحماية الأسر والتصدي للمغالاة في الرسوم المفروضة، التي لا يوجد لها أي مبرر منطقي.
ارتفاع الأسعار
الكثير من أفراد المجتمع يعانون هذه المشكلة التي باتت تؤرقهم نتيجة المبالغة غير المنطقية لزيادة أسعارهم، في الوقت الذي يكون عاملات المنازل في بلادهم لا يحصلون على هذا الراتب، بهذه الكلمات أوضح الدكتور عبد الرحيم الشاهين أن المكاتب تطالعنا كل مدة بزيادة جديدة لا نعرف من أين مصدرها، وليس هناك ضابط لها، والأسعار تختلف من مكتب لآخر، فمرة نسمع بزيادة في عمولات المكاتب وأخرى في أجور عاملات منزل، حيث يريدون زيادة رواتب عاملات منزل، لكن يا حبذا لو يطالبون بحقوق الكفلاء.
كما تطالب السفارات بحقوق عاملات منزل ويجبرونها على إنهاء فترة عقدها على الأقل، مستغرباً من مطالبة صاحب العمل بأن يتحمل الأعباء المادية الإضافية من تكاليف مكاتب ورواتب عاملات المنازل، وأن يتكفل بتذكرة السفر في حال هروب العاملة منزل أو رفضت البقاء في البلد.
قائمة الأسعار
وفي ظــل الأسعــار التي تـرتفع مـن غيـر مبـرر، أعرب راشد عبيد من أبوظبي، عن دهشته من أن العاملة المنزلية خاصة «الفلبينية» تربعت على عرش «بورصة» الارتفاع بوصول تكاليف راتبها إلى 1500 درهم، وهي مرشحة للزيادة أيضا في شهر رمضان، سواء كانت بخبرة أو لا، والإندونيسية في المرتبة الثانية، حيث يطلب الكثير من المكاتب مبلغ عشرة آلاف وخمسمائة درهم وقد يزيد في مكاتب أخرى، فضلاً عن الانتظار على قائمة الطلبات، لأنها أيضاً غير متوافرة لأسباب متنوعة ساقها أصحاب المكاتب تمثل أبرزها في زيادة الطلب عليها آسيوياً وارتفاع معدل الاستهلاك المحلي في هونج كونج لهذا النوع من العمالة وارتفاع الأجور هناك.
أما العمالة الأثيوبية فلم تغب بدورها عن بورصة الارتفاعات أيضا، فتصدرت قائمة العمالة الأكثر رواجاً لتوافرها ورخص تكلفتها مقارنة بغيرها من العمالة الأخرى.
وبالنسبة لطبيعة التعامل مع مكاتب استقدام العمالة، تطالب روية الظاهري «أم لأربعة أبناء»، بالتأكد والتحري من أن مكاتب عاملات المنازل ملتزمة بشروط العقد، وفي حالة تبين أنه مخالف لا بد أن تكون هناك جهة مختصة تقوم باللازم، فضلاً عن الزيادة المستمرة في عمولة المكاتب التي بدأت تغدو في الفترة الأخيرة.
ولهذا تجد أنه من المفروض أن تأخذ المكاتب جزءاً من تكلفة الاستقدام والجزء الباقي بعد انتهاء فترة أسبوع من قدوم العاملة منزل والتأكد من صلاحها للعمل، من حيث سلامة صحتها وخلوها من الأمراض والتأكد من نوعية العمل التي ترغب به، مثلاً هل هي جيدة في الاهتمام بالأطفال أم بأمور المنزل أو في الطبخ، مشيرة إلى أن راحة العاملة منزل في العمل ستجعلها في مأمن من أي نية شريرة تدور في ذهنها، كالهروب أو إلحاق الضرر بالأطفال وبهذه الطريقة يضمن المواطن ولو جزءاً من حقه.
ومن واقع تجربتها مع مكاتب عاملات المنازل ترى مريم إبراهيم الحارثي أن أسعار استقدام عاملات منزل مبالغ فيها، وهو ما يدفعنا إلى استقدام خادمات بعيداً عن مكاتب الاستقدام، عن طريق خادمات يعملن لدينا بسعر لا يتعدى ربع قيمة المبالغ التي ندفعها لمكاتب جلب الأيدي العاملة، موضحة أن سعر استقدام عاملات منزل سابقاً كان لا يتعدى 4 آلاف درهم، فلماذا قفز هذا المبلغ إلى أكثر من 10 آلاف درهم، أي رغم أن العملية الإجرائية واحدة ولم تتغير، لذلك فمن المجازفة أن يدفع المواطن هذا المبلغ على شيء ليس مضموناً.
وعن تجربتها تقول: دفعت 10 آلاف درهم لأجل عاملة منزل، وبعد 3 أشهر بدأت مشاكلها تظهر، فتبدأ بالامتناع عن العمل لأسباب غير مقنعة، كأن تقول بأن العمل يرهقها، وبعد فترة استمرت على هذا الحال، هزبت خارج المنزل.
وتابعت: يبقى «الكفيل» هكذا مع انتهاء مهلة ضمان 3 أشهر وبالاتفاق مع المكاتب تدعي ذلك لتعمل في مكان آخر وتكون هي والمكتب مستفيدين، بينما الكفيل الذي جلبها يتحمل مسؤولية هروبها وتذكرتها وتسفيرها إلى بلادها، والسؤال الذي أتمنى أن أجد له حلاً واضحاً وسريعاً، إلى متى الكفيل يتحمل تلك الأعباء؟
استغلال
أما سالم حميد، موظف، فيجزم بأن صاحب مكتب الاستقدام يستغل حاجة الكثير من البيوت، لرفع أسعار العقود وإقبال كثيرين على استقدام عاملة منزل، وأنه يضع القواعد كيف ما يشاء.
فمثلاً عندما يرجع أحد الكفلاء عاملة منزل لم تناسبه أو ترفض العمل أو مريضة، فإن المكتب لا يرجع له مبلغه بالكامل ويشترط عليه استرجاع النصف أو الانتظار إلى حين توافر عاملة منزل أخرى.
ويقول أنا منذ أسبوعين وأنا أتردد يومياً لمقابلة مسؤول المكتب، ولكني لم أجده حتى اللحظة.
توحيد الرواتب
من جهتها، تعتبر شيخة المقبالي موظفة، أن تفاوت أسعار المكاتب بلغ حدا لا يمكن السكوت عليه، ولا بد من توحيد أسعار المكاتب جميعها ولا يسمح بهذا التفاوت الكبير، فكيف يمكن أن ترتفع الأسعار فجأة كالبورصة لتصل تكلفة العاملة منزل في بعض الأحيان لدى بعض المكاتب إلى أكثر من 10 آلاف درهم، وترى أن هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن هناك تسيبا من قبل المكاتب ولا علاقة للوكالات الخارجية في تلك البلدان بالزيادات.
وتروي كيف أصبحت تعيش في وضع لا يحتمل مع خادمتيها الفلبينية والإندونيسية بسبب تفاوت الرواتب بينهما، حيث إن الأولى تتقاضى 1?200 درهم والثانية 900 درهم، موضحة أن عدم توحيد الرواتب بين عاملات المنازل المنازل يولد مشاكل كبيرة ليس فقط للعاملات، بل أيضاً لأصحاب العمل، وتستغرب شيخة كيف لا يتم الاستعجال بموضوع دخول بلدان جديدة إلى سوق العمالة، مؤكدة أن هذا الشيء سيفتح سوق المنافسة ويوفر خيارات متعددة.
ارتفاع التكلفة
انتقالاً إلى مكاتب عاملات المنازل وبين تبادل التهم في زيادة الأسعار بين المكاتب والزبون، وفيما يختص بعدم رضا المستفيدين من خدمات العمالة المنزلية عن ارتفاع التكلفة، قال يوسف توفيق صاحب مكتب عاملات المنازل: نحن لسنا مصدر الزيادة، إنما الدول الموردة لتلك العمالة عبر مكاتبها الخاصة بذلك، ففي البداية كانوا يحاولون استقطابنا بشتى السبل، بينما الآن يتدللون ويضعون شروطاً لتوريد عمالتهم، وهو ما أدى إلى تقلص الكمية الموردة من غالبية الدول، معرباً عن اعتقاده بأن حل تلك المشكلة «زيادة الأسعار» يتطلب أن يتم عبر اجتماع مع الموردين للعمالة لوضع أساسيات واتفاقيات تنظم تلك العملية وتقنن أسعارها.
من جهته، قال فارس عماد صاحب أحد المكاتب بإمارة أبوظبي: أنا كمكتب عاملات المنازل غير راض عن الأسعار وأوافق الرأي أنها مرتفعة، لكن «دوام الحال من المحال» فبقاء تكاليف جلب عاملات المنازل على سعر معين لمدة طويلة أمر صعب، خاصة مع ازدياد الطلب عالمياً على العمالة الآسيوية وتحسن أوضاعها داخل بلادها، لذلك فإن أردنا جلبهم فإن علينا إغراءهم بمزيد من المال، ورغم ذلك ستبقى مشكلة عاملات المنازل وارتفاع أسعارها مشكلة مشتركة بين الدول المصدرة والدولة الجالبة للعمالة.


شيخة العري: ارتفاع «جنوني» في الأسعار

عن الارتفاع في أسعار بورصة عاملات المنازل مؤخراً ترى عضو المجلس الوطني شيخة عيسى العري أن سوق جلب عاملات المنازل في ارتفاع، وصفه الكثير من الناس بـ «الجنوني»، فيما اعتبره آخرون غير مبرر، مشيرة إلى أن المكاتب تؤكد أن الزيادة كانت من البلاد الأصلية لجلب عاملات المنازل، في حين يرى البعض أن سوق جلب عاملات المنازل يفتقر إلى الرقابة الفعلية، وأن ما يدور في مكاتب عاملات المنازل يدعو فعلاً إلى المراجعة، فهم يخفون الطلبات كي يجبروا المواطن على دفع القيم التي يضعونها.
تتابع: بالإضافة إلى مصاريف الفحص الطبي والضمان الصحي والإقامة، ومن دون أن يشعر الكفيل يجد نفسه، تكلف قرابة أكثر من عشرة آلاف درهم لجلب عاملة منزل وتكون المشكلة الكبرى عندما ينتهي الكفيل من كل الإجراءات، ويدفع المستحقات وبعدها بفترة قصيرة ترفض العمل أو تهرب من المنزل، متمنية أن يقوم أحد أعضاء المجلس الوطني بتبني هذا الموضوع الذي أصبح يؤرق الكثير من الناس وبات يشكل هما آخر في حياتهم الأسرية، باعتباره قضية من إحدى مشاكل المجتمع المحلي.

عبد الله الحمداني: مطالب مكاتب عاملات المنازل ترهق «الكفيل»

عن علاقة مكاتب استقدام عاملات المنازل و«الكفيل» يقول المحامي والمستشار القانوني عبدالله الحمداني، إن مكاتب الاستقدام تطالب «الكفيل» بمبالغ مرتفعة قد يعجز بعض أصحاب الدخل الضعيف عن القدرة على دفعها رغم حاجتهم إلى العاملة منزل، وعندما تسأل صاحب المكتب يدعي أن المكاتب التي توفر عاملات منزل هي التي رفعت الأسعار، رغم أنه حسب ما تذكره عاملات المنازل أنهن يدفعن للمكتب في بلدهن لإيجاد عمل لهن، وكلما تدفع العاملة منزل أكثر يقوم المكتب بتعميم طلبها على أكبر عدد ممكن من المكاتب في الدول المحتاجة للخدامات وخاصة دول الخليج، وقد نجد أن طلب العاملة منزل موجود في أكثر من مكتب في إمارة واحدة، مطالباً الحمداني بأن يكون هناك حل لهذا الموضوع وإيقاف هذا التلاعب، ووضع قواعد تنظيم هذا النوع من التجارة.

اقرأ أيضا