الاتحاد

تقارير

الصين··· قنبلة زمنية في وجه الغوريلا

تواجه الصين مشكلة مع المسنين المتوقع أن يصل عددهم 334 مليوناً عام 2050

تواجه الصين مشكلة مع المسنين المتوقع أن يصل عددهم 334 مليوناً عام 2050

قال الزعيم السوفييتي السابق ''نكيتا خروتشوف'' -منذ وقت بعيد- إن بلاده سوف تقبرنا، إلا أن الجميع يعتقدون اليوم، فيما يبدو، أن بكين هي التي تمسك بالمجراف وليست موسكو، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في بدايات عقد التسعينيات، فالصين الشعبية تسير بخطى ثابتة وسريعة في النواحي الاقتصادية والعسكرية كافة، بل حتى أيديولوجياً، ويتوقع الاقتصاديون أن يتجاوز إجمالي ناتجها المحلي نظيره الأميركي بحلول عام ،2025 بينما يقال عن أسطول غواصاتها إنه يحقق نمواً سريعاً يتجاوز أسطول أميركا من الغواصات بخمس مرات، بل وصفت حتى شموليتها الرأسمالية بكونها بديلاً اقتصادياً أفضل لنمط الديمقراطية الليبرالية الغربي، الأمر الذي يدل على أن الصين أصبحت مؤهلة لأن تكون غوريلا النظام الدولي الأثقل وزناً، والقوة التي ستبسط سيطرتها على القرن الحادي والعشرين، وليعتقد من يعتقد ما يشاء، غير أن الحقيقة تبقى شيئاً آخر مختلفاً جداً·
فمنذ عودتي من الصين إلى الولايات المتحدة الأميركية في عام 2004 -بعد فترة عمل قضيتها بصفتي رئيساً لمكتب صحيفة ''واشنطن بوست'' في بكين- أصابني شيء من الذهول إزاء الطريقة التي يتحدث بها المحللون والمراقبون عن تنامي النفوذ الصيني دولياً، وفي كثير من الأحيان، لاحظت أن الطريقة التي نتحدث بها عن الصين لها علاقة أكبر بالطريقة التي ننظر بها نحن إلى أنفسنا وبلادنا، بدلاً من النظر إلى حقيقة ما يجري في تلك الدولة الآسيوية العملاقة، ففي كل مرة يزداد فيها قلقنا على نظامنا التعليمي، يبرز أمامنا النظام التعليمي الصيني مثالاً بديلاً· وما أن ينتابنا الخوف على مدى درجة استعدادنا العسكري، حتى نشعر بأن منظومة الصواريخ الصينية موجهة إلينا بالذات، وبالقدر نفسه فما أن يسيطر علينا القلق على تراجع أميركا عن مكانتها القيادية العالمية، حتى نرى أن الصين تنزع منا هذه المكانة، ولكن دعنا نسأل سؤالاً واقعياً بعيداً عن هذه المخاوف والمقارنات التي لا نهاية لها: هل ستصبح الصين بالفعل دولة عظمى أخرى؟ هذا ما أشك فيه كثيراً·
أنا ليس ممن تخصصوا في هجاء الصين ونقدها، فقد ذهبت بصفتي طالباً إلى الصين للمرة الأولى في عام ،1980 وأُتيحت لي فرصة متابعة التحولات الكبيرة التي شهدتها خلال الأعوام الـ28 الماضية، وهناك التقيت زوجتي وأطلقت على الصين اسم ''وطني الثاني''، وبحكم معرفتي الوثيقة لذلك البلد، فإني أشك كثيراً في انهياره على نحو ما يتنبأ البعض ويتمنى، غير أن حلمه بأن يتحول إلى دولة عظمى أخرى تبسط سيطرتها على العالم، لن يكون حلماً قريب المنال في أي وقت في المستقبل القريب المنظور·
فهناك الكثير من القيود التي تكبل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للصين· وللأسباب الأربعة الرئيسية هذه: الانفجار الديموغرافي، والمبالغة في تقدير قدرة الاقتصاد الوطني، والحصار البيئي، والأيديولوجيا محدودة الانتشار، فإن من المرجح أن تبقى الصين قوة عالمية فتية مفتولة العضلات، أكثر من أن تصعد إلى مستوى السيطرة على العالم، مثلما يتصور البعض·
وكما أعلم، فقد عرفت الصين في الغرب بأنها ''مصنع العالم'' أي·· تلك الأرض التي تتوافر فيها أيدٍ عاملة غير محدودة، حيث يتطلع ملايين الريفيين إلى مغادرة قراهم والالتحاق بأي مهنة في المراكز الحضرية، حتى وإن كانت تثبيت ''براغٍ'' أفران المايكرويف، أو العمل في تجميع آخر موديلات أجهزة الكمبيوتر، وفيما لو أرادت الصين بلوغ مستوى الدولة العظمى، فإنها سوف تفعل ذلك استناداً إلى فيض قوتها العاملة الهائلة· صحيح أن الصين هي الأعلى كثافة سكانية عالمياً، إلا أن المشكلة أنه ما من دولة تفوقها سرعة من حيث شيخوخة سكانها، مما يرشحها لأن تكون الدولة الأولى التي تبلغ الشيخوخة قبل أن يبلغها الثراء·
وبسبب السياسة السيئة التي يتبعها الحزب الشيوعي الحاكم في مجال تنظيم الأسرة، التي تقيد كل عائلة بطفل واحد فحسب، انخفضت نسبة مواليد الأمهات الصينيات من 5,8% في عقد السبعينيات إلى 1,8% اليوم، وهو معدل أدنى من 2,1% المطلوب للمحافظة على الاستقرار الديموجرافي، وفي الوقت نفسه ارتفعت معدلات الأعمار من سن 35 في عام 1949 إلى ما يزيد على 73 عاماً اليوم، وهذا يثير قلق الاقتصاديين من أن ترتفع أسعار العمالة الصينية، نتيجة لضمور نسبة أعمار القادرين على العمل بسبب ارتفاع معدلات الشيخوخة، وفي هذه الحالــة فسوف تخسر الصين أهم ميزة تنافسية لها في السوق العالمية·
الأسوأ من ذلك، يتنبأ الديموجرافيون من أمثال البروفيسور ''لي جيان'' -جامعة ''نينكاي''- بنشوء أزمة في التعامل مع الأعداد المتزايدة مع المسنين، خاصة أن المتوقع لأفراد هذه الفئة الاجتماعية التي تضم اليوم 100 مليون تتراوح أعمارهم بين 60 عاماً فما فوق، أن ترتفع كثافتها إلى 334 مليون بحلول عام ،2050 ومنشأ الأزمة هنا: كيف تتعامل الصين مع كل هذا العدد الكبير من المسنين؟ يذكر أن ''نيكولاس إيبرشتادت'' -باحث اقتصادي وديموجرافي في معهد ''أميركان إنتربرايز''- قد وصف المعضلة الصينية هذه بـ''(القنبلة الزمنية)، التي تخفي في داخلها مأساة إنسانية قيد التشكل والنمو''، وعلى حد قولـــه: فـــإن في هـــذه المأســـاة وحدهــا ما يتطلب إعـــادة النظر في الأوهام السائدة عن صعود العملاق الصيني باتجاه القوة الدوليـــــة العظمى·

جون بومفريت
رئيس سابق لمكتب صحيفة واشنطن بوست في بكين ومؤلف كتاب الدروس الصينية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا