الإثنين 3 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم

«الياجور» سر اللون الأحمر في أبنية صنعاء الجميلة

«الياجور» سر اللون الأحمر في أبنية صنعاء الجميلة
3 أكتوبر 2009 00:35
يلاحظ المرء حين يتابع اللون الأحمر في العمارة اليمنية -خاصة في العاصمة صنعاء- مدى اتساقه مع الشفق عند شروق الشمس وغروبها، حتى يخيل له أنه أمام لوحة فنية تتميز بمزايا كثيرة ومتعددة. علي مدى التاريخ أبدع الإنسان اليمني في رسم تحف معمارية فريدة ونادرة وربما تكون مختلفة من منطقة لأخرى حسب الخصائص المناخية لهذه المناطق. فالعمارة اليمنية تعتبر التاريخ الناطق والسجل الحقيقي المعبر عن حضارة الإنسان وتطوره الاقتصادي والسياسي والثقافي، لكن يبقى اللون الأحمر الداكن المعتمد على مادة الطوب للبناء جاذبيته وأسراره. خصائص جميلة كان البنّاء اليمني يستعمل المواد الإنشائية التي تتوافر في الموقع نفسه، فإذا كان البناء يقع على منطقة طينية أو منطقة صخرية، كانت تلك المواد هي المستخدمة في البناء نفسه، وإذا كان البناء يقع على منطقة بركانية تكون مقذوفات البراكين هي المادة الأساسية في البناء. في صنعاء القديمة حيث تجتذب مشهد المباني المعتمدة على الطوب الأحمر أنظار السياح والزوار، إذ يصنع الطوب- الآجر، في معامل خاصة تسمى «محارق الياجور» المنتشرة بالقرب من أطراف المدينة. وتجدر الإشارة إلى أن العمارة اليمنية تتوافر فيها البساطة في التفكير وعدم التعقيد في التعبير، وكذا المرونة في التخطيط والتصميم، وفي التفاصيل والعناصر الزخرفية. وهذه الخصائص الجميلة ساعدت على جعل المبنى السكني يوفر الطمأنينة والهدوء والترابط العائلي والاجتماعي، كما وفرت للمباني الدينية جو الوقار والخشوع مع إمكانية التحصيل العلمي واجتماع المسلمين لتدارس شؤونهم. صفات متباينة يقول يحيى علي راجح- صاحب محرق للطوب الأحمر: «إن سر اللون الأحمر الذي يكسي العاصمة صنعاء في التشكيل المعماري يبرز من خلال استخدام مادتي البناء التقليديتين الرئيسيتين: الطوب المحروق أو الطين المجفف، والحجر الذي يستخدم عادة في الأدوار السفلية، أما الطوب المحروق فيستخدم في الأدوار العليا، وهذا الاستخدام يخفي وراءه فلسفة إنشائية اكتسبت معلوماتها بالفطرة من قبل الإنسان اليمني وهي «أن البناية التي يقترب مركز ثقلها من الأرض، يظهر عليها الثبات والأمان والدوام والسلطة والاحترام، وذلك يفسر الميل إلى جعل الطوابق السفلى ثقيلة، ومبنية من الحجر». عن مصادر الأحجار يقول راجح: «تتعدد أنواعها وألوانها بحسب المناطق التي تتوافر فيها، وتتميز هذه الأحجار بألوان متعددة تصل إلى خمسة ألوان أو أكثر، وتشير الاختبارات التي تمت على هذه الأحجار إلى تمتعها بعدة صفات متعددة ومتفاوتة من ناحية المقاومة لقوة الضغط وكذا خاصية امتصاص الماء والعوامل الجوية، كما وتلائم الأجواء الحارة والباردة». استخدامات متعددة يرى المهندس علي سنحان أن «سر لمعان الفن المعماري بمدينة صنعاء القديمة يعود إلى استخدام ومزج مواد البناء التقليدية بتناغم هندسي ومن أهمها الطين وهو من المواد المهمة التي استخدمت في العمارة اليمنية بصنعاء القديمة لسهولة الحصول عليه وسهولة تشكيله، والطين من المواد التي يقدم استخدامات متنوعة في حين يُخلط بالتبن ويترك مع الماء ليتخمر لمدة يومين، ويستخدم بعد ذلك في بناء الحوائط على شكل حزام يشكل تعرجات عند الأركان، ويسمى بالزابور. أو يستخدم في تغطية الأسقف الخشبية في الغرف والعناصر الخشبية في الجدران ويسمى «الملاجة». وهناك الجص، من المواد الشهيرة أكثر من غيرها في المدن اليمنية، إذ ينتج الجص عن حرق الحجر الجيري في محارق خاصة تكثر في الشمال الشرقي من صنعاء، وينتج عن حرقه مادة ناعمة الملمس بيضاء، لها استخدامات متنوعة كتلبيس الجدران والأسقف والأرضيات الداخلية. كما يستخدم في كل من صنعاء وزبيد في تلبيس الواجهات الخارجية بشكل ديكورات، ويستخدم في عمل الرفوف والزخارف على جدران وأسقف الغرف، ويستخدم أيضا في القمريات المنمقة بالزجاج الملون، بحيث أنتج لليمن تراثا عظيما في هذا الجانب. وهناك الخشب الذي يستخدم كمادة إنشائية أساسية للأسقف والقوائم والدعامات. حيث استخدمت الأخشاب كعوارض للغرف في الاتجاه القصير وعلى مسافات تصل إلى 40 سم، تغطي الفراغات فيما بينها بالفروع الخشبية «القصع» ويوضع الطين عليها، كما استخدمت أخشاب «الطنب» للأبواب والنوافذ». العمارة التراثية أظهرت العمارة الصنعانية بوضوح سيادة المقياس الإنساني على التشكيل البصري والوظيفي، فظهر ذلك من خلال تناسب مقاسات الإنسان مع جميع العناصر المعمارية من جدران وأبواب وشبابيك وسلالم، والمقياس الإنساني يعتبر تكوينها هاما في تطور العمارة اليمنية ينم عن واقعية وعضوية وفاعلية من الناحيتين الاجتماعية والإنسانية، ويتجسد ذلك سواء في الأنسجة العمرانية وفي تكوينات المباني ومفرداتها. من هنا يقول سنحان: «لا تتقيد العمارة التراثية اليمنية في صنعاء بقواعد أكاديمية في التشكيل، ولا بنظريات الجمال الخاصة بالعمارة أو الفنون الجميلة، بل وفق احتياجات إنسان اليمن، وهذا ما أعطاها ميزتها وطابعها الأصيل، فجاءت المباني والتجمعات العمرانية بأعمال متميزة، عفوية وتلقائية من واقع الخبرة التراكمية عند الإنسان اليمني وفي تذوقه لفنونه المعمارية والشعبية وتتضح صياغة الشكل الجمالي للمباني التقليدية من خلال عدد من العناصر البسيطة». فيما يقول الخبراء في الفن المعماري اليمني «إن إدراك التكوين المعماري لواجهات المساكن التقليدية اليمنية، يعكس مؤثرات بصرية وانطباعات تشكيلية ونتلمسها من خلال الانطباعات البصرية للواجهات، باعتبار عملية إدراك التكوين المعماري لسطوح المباني تتم من خلال الرؤية الديناميكية في الاتجاه الرأسي أو الأفقي للواجهات عبر أربعة انطباعات تكتمل إحداها للحصول على صورة شاملة للمباني متعددة الألوان». بيئة نظيفة منح «الياجور» والأحجار المتعددة الهيئات والألوان؛ المعمار الصنعائي جمالا وخيالا واسعا لتشكيل إبداعاته التي تتباين في انسجام مدهش. فإذا كان الحجر البركاني هو المادة الأساسية لبناء الطابق الأرضي وكانت واجهاته مصمة وفق ذلك، فإن مادة بناء الطابق الثاني من الحجر الأبيض تبنى بدون فواصل على طريقة اللفق ثم يضاف الياجور الأحمر اللون أو البني ويطلى أطرافها بمادة الكلس. وقد لجأ المعمار الصنعائي إلى طلاء الحواف البارزة من قوالب الآجر «الياجور» في التشكيلات الزخرفية والإطارات وواجهات عقود النوافذ بمادة الجص لتبدو للناظر زاهية ناصعة البياض على أرضية لونية مغايرة.. وهذا الاختلاف بين الألوان كان بمثابة الطابع الخاص الذي لازم الفن المعماري في صنعاء. ومع ذلك يرى المختصون في شؤون البيئة «أن على الجهات المختصة نقل محارق «الياجور» من مناطق التركز السكاني إلى مناطق خالية من السكان كما فعلت من قبل، وتعويض مالكي هذه « المحارق» مقابل خسائر عمليات النقل، فالمحافظة على بيئة نظيفة هي مسؤولية جماعية، تقع أولا على الحكومة، ويتحمل المجتمع جزءا منها».
المصدر: دنيا
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©