صحيفة الاتحاد

ثقافة

ترجمة جديدة لمسرحية هاملت

الغلاف

الغلاف

صدرت عن دار المدى بدمشق مؤخراً ترجمة جديدة لمسرحية هاملت التي تعد من أهم مسرحيات شكسبير، بتوقيع الشاعر والمترجم العراقي صلاح نيازي المقيم في لندن منذ أكثر من أربعين عاماً·
الحديث عن مسرحيات شكسبير بمثابة دعوة للوقوع في الفخ والحديث عن هاملت بالتحديد هو الفخ ذاته لأنها قابلة لتأويلات لا تعد ولا تحصى وفيها من الإمكانيات التعبيرية ما لا تجده في أي نص مسرحي آخر·
لكن هذه الترجمة التي قام بها نيازي فتحت لنا أبواباً كثيرة لنشرع بالمغامرة ولا بأس بالسقوط في الفخ لأنه على أية حال فخ مسرحي يمكن الخروج منه بعد دفع الثمن طبعاً· ما يميز هذه الترجمة عن سابقاتها أنها بانوراما أو أشبه برحلة في عالم شكسبير كله بدءاً بالثقافي والفلسفي والاجتماعي والنفسي وحتى التاريخي·
تسبق ترجمة المسرحية دراسة طويلة تشغل خمسين صفحة من الكتاب عن التقنيات التأليفية لدى شكسبير وكيف يستخدم الفلسفة والتاريخ والفن في كتابة مسرحياته الشعرية التي لا تخلو أية مسرحية منها من هذه التقنيات· هذه الدراسة في غاية الأهمية لأنها تفكك أعمال شكسبير وتشرحها قطعة قطعة ولا تترك جملة واحدة دون إن تتناولها بالتشريح الذي يستند على معرفة واضحة بكل ما يتعلق بعمل شكسبير خصوصاً شراحه الانجليز الذين لم يتركوا شاردة أو واردة دون إن ينفشوها نفشاً·
إن اللغة الأدبية وحدها لا تفي في ترجمة شكسبير لأنه شاعر مفاهيم وكلماته مصطلحات، فتقنية التكرار على سبيل المثال ليست عبثاً، إذ يقوم شكسبير باستخدام بعض المفردات في بداية أي مسرحية من مسرحياته لتتكرر في المشاهد الأخرى على لسان شخصية مختلفة بحيث تتحول هذه المفردة إلى بؤرة تنبني عليها وقائع هي في صميم التصاعد الدرامي للمسرحية أولاً وفيما بعد تتحول إلى مفاهيم لها قوة المثال· في مسرحية هاملت التي هي بمثابة عمل سيمفوني أو لوحة تشكيلية يجرب شكسبير هذه التقنية التي لم يتخل عنها في أغلب مسرحياته وهذا ما لم نكن نعرفه أو نلتفت له في الترجمات السابقة لولا عمل نيازي الذي أضاء نقاطاً ظلت معتمة في هذا العمل الذي يتطلب فهمه معرفة الكثير من التفاصيل المخبوءة في لغة شكسبير· ليس من العبث إذن إن تصدر دار ''بنغوين'' مجلداً ضخماً عن ألفاظ شكسبير·
يضطر المترجم صلاح نيازي في هذه الترجمة إلى أن يعرج على الترجمات القديمة لهاملت من أجل أن يوضح الالتباس الحاصل في ترجمة بعض الجمل التي تحتل أهمية خاصة في النص· ويعقد مقارنة بين هذه الترجمات وما توصل إليه شخصياً بعد مراجعاته الكثيرة لشراح شكسبير· هناك مقاطع رئيسية تأتي على لسان هاملت وبعض الشخوص المهمين في المسرحية ترجمت بطريقة شعرية كما تترجم قصيدة منفصلة جعلت المعنى الذي يريده شكسبير الذي يلمح ولا يصرح، يضيع·
كما يتطرق المترجم صلاح نيازي إلى تقنيات أخرى في المسرحية يعتقد أن عدم الإشارة إليها يسيء إلى فهم النص كثيراً ونظن أن هذا الأمر هو الذي يدفع المخرجين إلى تأويل مسرحية هاملت تأويلات كثيرة بعيدة أو قريبة مما أراده شكسبير مع أن النص يحتمل كل ذلك· من هذه التقنيات تقنية الشم التي يركز عليها شكسبير حين يختار نوعاً محدداً من الأزهار أو النباتات أو مفردات لها علاقة مباشرة بأفعال حياتية معينة مثل ممارسة الجنس أو الأكل والشرب· لكن شكسبير يختار في هذا الصدد ما يشير بشكل واضح وفي ذلك الزمن رموزاً تعبر عن ما يريد الإشارة إليه بدقة متناهية لا تحتمل اللبس·
على لسان فورتنبراس ''هذه الأكداس من الموتى الفرائس تنم عن صيادين / قتلوا بلا رحمة، آه أيها الموت المتغطرس/ أية وليمة تنصب في قبرك اللعين، حيث برمية واحدة / أصبت بروح متعطشة للدماء هذا العدد الكبير من خيرة الرجال''؟·