الاتحاد

تقارير

الثورة الليبية وأسباب الشقاق

يوم السبت الماضي، حاول الثوار الليبيون تفسير أسباب الشقاق الذي حدث في صفوفهم العليا، مع الاعتراف في الآن ذاته بالدور الذي لعبه جنودهم في الخطأ الذي أدى إلى قصف طائرة لـ"الناتو" طوابيرهم العسكرية في الليلة السابقة. تلك الضربة التي أدت إلى مصرع 13 وإصابة 7 من جنود المعارضة، تبين مدى المخاطر التي ينطوي عليها القيام بحملة قصف جوي في خط أمامي سائل وسريع الحركة. وأسفر ذلك الهجوم أيضاً عن احتراق سبع سيارات وعربة إسعاف، ودعت قيادة الثوار إلى الاعتراف بأنهم ربما يكونون قد تسببوا فيها عندما أطلق جنودهم نيران بنادقهم في الجو ابتهاجاً. ومن هؤلاء القادة "عبد الحفيظ خوجه"، نائب الرئيس والمتحدث الرسمي باسم المجلس الوطني الانتقالي، الذي قال: "كان ذلك خطأً فادحاً ولن ندعه يتكرر مرة ثانية".
ومع مرور الوقت يتضح أن القوات الموالية للقذافي وقوات المعارضة تخوضان قتالاً لا يتمكن فيه جانب من تحقيق النصر على الآخر، حيث يسيطر الثوار على الجزء الشرقي من البلاد، لكنهم لا يستطيعون الإطاحة بالزعيم الليبي من السلطة.
وقد نجحت قوات الثوار التي تتكون من متطوعين في معظمها، والتي لم يكن أغلب أفرادها قد حمل سلاحاً من قبل، في الانتفاض ضد القذافي في فبراير الماضي، لكنهم واجهوا هزيمة محققة على أيدي قوات النظام التي أوقفتها طائرات التحالف قبل الوصول إلى بنغازي، عاصمة الثورة.
وقالت مصادر المعارضة إن جنودها قد بدأوا في تلقي تدريب أفضل، كما أصبحت تشكيلاتهم القيادية أكثر وضوحاً. ومع ذلك، وبعد يوم من تعرض قوات المعارضة للضربة الجوية المذكورة، عملت الحكومة المؤقتة على النأي بنفسها عن قائد جيش يحظى بشعبية، كانت قد استعانت به من قبل. وكان ذلك القائد، ويدعى "خليفة حفتر"، وهو عقيد سابق عاد إلى ليبيا مؤخراً من الولايات المتحدة بعد أن عاش لسنين عديدة في "فولز تشيرتش" بولاية فيرجينيا، قد حظي بالمديح والثناء من قبل المجلس الوطني المؤقت في البداية، بسبب اعتقاد أعضاء المجلس بأنه قائد لديه القدرة على تقديم المساعدة وفرض الانضباط على الجيش الجديد، وتدريب جنوده الذين يتكون معظمهم من المتطوعين.
لكن يوم السبت الماضي قال "خوجه" إن "حفتر" لم يعد له دور قيادي في جيش المعارضة. وأضاف مشيراً إلى تعيين عبد الفتاح يونس كقائد للقوات المسلحة، وعمر الحريري كمسؤول دفاعي أعلى للمجلس، "لقد حددنا القيادة العسكرية قبل وصول حفتر من الولايات المتحدة، وقلنا له إنه بإمكانه العمل معنا إذا أراد، لكن ضمن البنية التي كنا قد حددناها". مع ذلك، فإن مصدراً يعمل في القوات المسلحة التابعة للمعارضة قيل إنه قريب من "حفتر" ، قال إن الأخير لايزال يقود الجيش، وإن التصريح الذي أدلى به خوجة قد أدى إلى إثارة الانزعاج لدى الجمهور. وقال المصدر، الذي امتنع عن ذكر اسمه بسبب حساسية الموضوع الذي يتحدث فيه، إن هذا هو السبب في أن بنغازي قد انقلبت رأساً على عقب بعد تصريح خوجة، لأن الناس هناك يريدون حفتر ويقولون أن لا أحد، مهما كان، يستطيع إبعاده من الجيش.
وتشير بعض المصادر إلى أن الحساسية بين يونس وحفتر قديمة، وأنها بدأت عندما كان حفتر يعمل تحت قيادة يونس في الجيش الليبي. وقد وصل الرجلان إلى منصبيهما عبر طريقين مختلفين جد الاختلاف. فيونس الذي كان وزيراً لداخلية القذافي وقائداً لقواته الخاصة، انشق عنه في فبراير وانضم للمعارضة. أما حفتر الذي شارك في الانقلاب الذي قاده القذافي عام 1969 فقد نُظر إليه كبطل في الحرب التي خاضتها ليبيا ضد جارتها الجنوبية تشاد، لكنه غير ولاءه عام 1988، واختار الذهاب إلى منفى اختياري في الخارج، لكي يعمل كناشط معارض للنظام.
مع ذلك قال "مصطفي الغرياني"، المتحدث باسم المعارضة في معرض تعليقه على الطريقة التي جاء بها حفتر، ومقللاً من أهميته في ذات الوقت، "لقد دخل حفتر المدينة متبختراً وكأنه الممثل الأميركي المعروف كلينت أيستوود، تحدوه آمال القيادة". وعندما طُلب من الغرياني أن يشرح معنى التصريح الذي أدلى به يونس يوم السبت على ضوء احتضان المجلس السابق لحفتر، قال: "هذا هو موقف المجلس الآن... الحقيقة أن الموقف في غاية السيولة وفي مثل هكذا مواقف تتغير وجهات النظر السياسية على الدوام".
وتلاحظ بعض المصادر أن الخط الأمامي قد بات أكثر نظاماً خلال الأيام القليلة الماضية مما كان عليه سابقاً، حيث احتل عدد كبير من الجنود المدربين أماكن في المقدمة، بينما تم وضع المتطوعين الأقل تدريباً وخبرة في المؤخرة، لكن الخط تأرجح بين التقدم والتراجع لعدة أيام مركزاً جهوده على مدينة البريقة التي قال خوجة إنها أصبحت بأيدي الثوار يوم السبت.
وفي وقت مبكر من ذلك اليوم دفن الجنود المعارضون زملاءهم الذين قضوا نحبهم بالغارة الجوية في الليلة السابقة. وقال الغرياني "إن مثل هذه الحوادث يجب قبولها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الحرب". وأضاف: "في مثل هذه الحملة العسكرية الوحشية التي يشنها القذافي ضد شعبه، هناك احتمال لحدوث أخطاء، واحتمال لوقوع ما يعرف بالخسائر المصاحبة أو الجانبية". ومضى الغرياني ليقول: "نحن نشعر بعميق الأسى على ما حدث، لكن يمكننا أن نفهم ما حدث إذا ما نظرنا إلى الصورة الأكبر وأدركنا أننا يجب أن نقبل التضحية بالأرواح أحياناً، من أجل إنقاذ الأمة بأسرها".

تارا باهرامبور - بنغازي - ليبيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا