الاتحاد

تقارير

الأميركيون وأوباما··· وسقف المتوقَّع

أحلام ملايين الأميركيين كانت مؤجلة في انتظار أوباما

أحلام ملايين الأميركيين كانت مؤجلة في انتظار أوباما

تعرض أوباما للانتقاد لكونه بارداً أكثر مما ينبغي، ومُتعالٍياً أكثر مما ينبغي أيضاً، ورصيناً أكثر مما ينبغي كذلك· ولكن الرئيس، الذي ألقى خطابه الافتتاحي يوم الثلاثاء الماضي، كان أبعد ما يكون عن التعالي، بل يمكن القول إنه كان عاطفياً وراجياً، متجهماً ومتطلباً، كما أقدم على فعل شيء لم يقدم عليه أبداً سابقه في المنصب جورج بوش، وذلك عندما طلب من الأميركيين التضحية من أجل المصلحة العامة·
لقد تمكن أوباما من الانفصال سريعاً عن المزاج الاحتفالي السائد لدى الجماهير التي احتشدت في ''المول الوطني'' كي يلقي خطاباً حازماً، ويقدم من خلاله رسالة موقظةً، حيث قال فيه: ''إن التحديات التي تواجه الأمة خطيرة وعديدة· ولن يكون التصدي لها مهمة سهلة تستغرق وقتاً قصيراً·· ولكنني أقول لأميركا بأسرها إنها قادرة على مواجهة تلك التحديات''· لم تكن تلك هي الـ''نعم·· نستطيع'' المُطمئِنَة التي اعتاد أوباما ترديدها في حملته الانتخابية، وإنما كانت ''نعم'' أخرى أكثر واقعية يقول فيها ''نعم سنفعل - ولكن الأمر ليس سهلاً''· لم يهنئ أوباما الأميركيين لأنهم انتخبوه وإنما حذرهم - بدلاً من ذلك - من أنه سيطالب بـ''عهد جديد من عهود المسؤولية''· وتوقف الرئيس لبرهة قصيرة خلال خطابه، ليعترف بالتقدم الذي حدث في المسألة العنصرية، والذي جعل من صعود رجل مثله ممكناً· وبدلاً من ذلــــك كانت رسالته الرئيسية: ''إننا نمر بما يشبه المعـــادل الأخلاقي للحـــرب، وأرى أن الوقت قد حان الآن كي يتقدم جميع المواطنين لمد يد العون لرئيسهم''·
هذا هو السبب الذي جعل أوباما يردد العبارات التي وردت في خطب الرؤساء السابقين الذين جاءوا إلى الحكم في أوقات الأزمات الوطنية مثل عبارة أبراهام لينكولن: ''وسط السحب المتجمعة والعواصف المحتدمة'' وعبارة ''فرانكلين د· روزفلت'': ''إن حالة اقتصادنا تستدعي عملًا جسوراً وسريعاً''· وكأنما لم تكن الحرب الأهلية والكساد الكبير مناسبتين تاريخيتين كافيتين في نظر أوباما، فنظر إلى ما وراء ذلك وتحديداً إلى عبارات ''جورج واشنطن'' و''توماس بلين'' وهما يناشدان جنود الجيش الفيدرالي عدم ترك ميدان القتال في ديسمبر من عام ،1776 عندما بدا وكأن كل شيء قد ضاع·
إن بعض ما قاله أوباما كان جزءاً من استراتيجية سياسية أساسية، حيث يقول معاونوه إنه يعرف أن سقف توقعات الجماهير عالٍ بدرجة غير واقعية، وأنه لهذا السبب كان يريد منها أن تفهم أن التعافي الاقتصادي لن يأتي بسهولة أو خلال فترة قريبة كما يتبين من قوله: ''لقد جرى إضعاف اقتصادنا بدرجة كبيرة كمحصلة للطمع وعدم المسؤولية من جانب البعض، وأيضاً كمحصلة لإخفاقنا الجماعي في إعداد الأمة لمواجهة متطلبات عصر جديد''·
ويريد أوباما من الأميركيين أن ينضموا إليه وهو يعد العدة لطلب الكثير من النظام السياسي الأميركي عما قريب· فهو يريد تمريراً سريعاً من جانب الكونجرس لحزمة الحوافز الاقتصادية التي بدأت بمبلغ 775 مليار دولار، ولا تزال قابلة للزيادة· ويريد من الكونجرس أن يمنحه سلطة من أجل توجيه مبالغ كبيرة من تلك الحزمة، وكذلك من مبلغ 350 مليار دولار المقدم من صندوق الإنقاذ الاقتصادي· ويريد من السلطة التشريعية أيضاً تمرير خطة إصلاح صحي قومية شاملة، وهذا شيء لم يفعله أي كونجرس من قبل، كما يريد أيضاً معالجة مشكلة الرعاية الطبية، والضمان الاجتماعي بعد ذلك مباشرة·
كذلك، قال أوباما، وكان محقاً تماماً: ''في الوقت الراهن هناك بعض من يتساءلون عن مستوى توقعاتنا، ومن يلمحون إلى أن نظامنا لن يستطيع تحمل عدد أكثر من اللازم من الخطط الكبيرة، وإنني أقول لهؤلاء إن ذاكرتهم ضعيفة لأنهم ينسون ما قامت به هذه الأمة بالفعل''·
لم يقل أوباما شيئاً لأعضاء الكونجرس الذين كانوا جالسين في الرواق الغربي من مكان الاحتفال عن أنه ينوي، حتى يضمن سرعة تمرير خطته الطموح، الإقدام على عمل شيء قام به من قبل كل من فرانكلين دي· روزفلت، ورونالد ريجان، وهو حشد الرأي العام من أجل الضغط على الكونجرس· فروزفلت قام بذلك عن طريق الراديو، وريجان قام به عن الطريق التلفزيون· أما أوباما فسيقوم به باستخدام قائمة مؤيديه الضخمة على شبكة الإنترنت معتمده على نسبة تأييده الحالية المرتفعة للغاية، والتي وصلت في الاستفتاء الأخير الذي أجرته ''لوس أنجلوس تايمز'' بالتعاون مع مؤسسة ''بلومبيرج'' إلى 79%·
ولكن أوباما لم يكتف بذلك، بل أوضح أنه يريد تحقيق المزيد وهو تغيير النغمة الأساسية للسياسة الأميركية، وذلك عندما قال: ''في هذا اليوم نضع نهاية للشكاوى التافهة، والوعود الزائفة، والمهاترات، والدوغمائيات البالية التي خنقت سياساتنا طويلًا''· وأضاف أوباما: ''إن الشيء الذي لم يتمكن المشككون من فهمه هو أن الأرض قد تحركت من تحتنا، وأن المجادلات السياسية العقيمة التي بددت طاقاتنا لفترة طويلة من الزمان لم تعد قائمة الآن· فالسؤال الذي نطرحه اليوم ليس عما إذا كان حجم حكومتنا كبيراً أكثر مما ينبغي أم صغيراً أكثر مما ينبغي أيضاً، وإنما هو: هل تنجح حكومتنا أم لا؟''·
إن أوباما يعرف، كما كان لينكولن وفرانكلين دي روزفلت يعرفان في زمنهما، أنه سيتم الحكم عليه بناء على الطريقة التي سيستجيب بها لأزمات أميركا، وما إذا ما كانت تلك الطريقة ستنجح أم لا· إن التوقعات التي عبر عنها أوباما في خطاب افتتاحه التاريخي يوم الثلاثاء كانت جسورة للغاية ليس فقط فيما يتعلق بقدرته على تنظيم التعافي الاقتصادي، وإنما فيما يتعلــــق أيضــــاً بقدرته على إعادة تشكيل أجزاء رئيسية من الحكومة الفيدرالية، وإبعاد المتشككين عن مجال السياسات الوطنية· وأي رئيس يتمكن من تحقيق كل هذا يستحق منا بلا ريب أن نقارنه بالعمالقة من زعماء أميركا السابقين·
دويل ماكمانوس
كاتب ومحلل سياسي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا