الاتحاد

تقارير

أوباما: مع المحافظين أم اليسار ؟!

رؤيته للتغيير جعلته عصياً على التصنيف

رؤيته للتغيير جعلته عصياً على التصنيف

ينتابني شعور طاغِ بالفخر والإثارة تجاه تنصيب باراك أوباما كأول رئيس أسود يصل إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، ومع أنه لم يكن مرشحي المفضل، إلا أنه أصبح اليوم رئيسي شئت ذلك أم أبيت، وإن كانت هناك من مكافأة للتعزية في عالم السياسة فهي أن انتخاب أوباما سيزيح الحواجز العرقية داخل البيت الأبيض وسيسقط الكثير من المسلّمات في أميركا كلها·
لذا أعتقد أن المحافظين الذين يسعون إلى التقليل من شأن هذا المنعطف المهم في التاريخ الأميركي مخطئون على أكثر من صعيد، أولاً لأن انتخاب أوباما هو قصة أميركية خاصة، وأي تيار سياسي يغفل ما يمثله هذا الفوز يسقط في فخ المزايدات السياسية التي تحركها مرارة الخسارة·
فعلى سبيل المثال لن يُقدر لنا في أي وقت قريب رؤية مستشار ألماني ينحدر من أصول تركية، ولن نشاهد أحد أبناء المهاجرين من شمال أفريقيا يمسك بزمام الحكم في فرنسا، وكذلك الحال في بريطانيا مع أقليتها ذات الأصول الهندية والباكستانية، ومع ذلك لا تكف تلك الدول عن التلويح بنوع من العجرفة وإلقاء المحاضرات على أميركا ''المتخلفة'' وغير المتمدنة حول قضايا العرق والتسامح، فلماذا لا نشهر ورقة أوباما في وجوههم جميعاً؟
بالطبع لا يمكن إغفال الطابع الحزبي في فوز أوباما لأنه في النهاية زعيم الحزب ''الديمقراطي''، لكن نجاحه مع ذلك جاء في أعقاب قصة نجاح عرقية داخل الحزبين معاً كرسها الرئيس بوش بتعيينه لأول أميركيين من أصول أفريقية في وزارة الخارجية·
وكما يحب أوباما أن يلاحظ دائماً، فإن أميركا في الواقع أقل انقساماً وأكثر توحداً مما يظن البعض وهو ما عبر عنه في خطاب مهم أمام مؤتمر الحزب ''الديمقراطي'' في عام 2004 حين قال: ''نحن شعب واحد ندين كلنا بالولاء للعلم الأميركي، وندافع جميعاً عن الولايات المتحدة''·
ويعني ذلك أن أميركا التي ترأسها جورج بوش هي نفسها التي سيرأسها باراك أوباما، وهو الدرس الذي يتعين على الداخل قبل الخارج إدراكه وأخذه بعين الاعتبار؛ والأهم من ذلك أن معارضي المحاصصة العرقية والمطالبين بإخراج العرق من المضمار السياسي لابد أنهم يشربون الأنخاب إلى جانب الليبراليين الذين يدافعون عن الوعي العرقي، فمع أن أوباما من المدافعين عن التمييز الإيجابي، إلا أن رمزية انتخابه تتجاوز الحدود الضيقة للأجندة الليبرالية·
فقد أعلن أوباما لـ''واشنطن بوست'' أن ''هناك جيلاً بأكمله سينشأ على فكرة تجعل من العادي جداً أنه يتولى أعلى منصب في البلاد أميركي من أصول أفريقية، وهذا في نظري تحول جذري لا يقتصر فقط على تغيير كيفية نظر الأطفال السود إلى أنفسهم، بل سيغير أيضاً نظرة الأطفال البيض إلى أترابهم من السود، وعلينا ألا نبخس قوة هذا التغيير''·
وإذا كان الإعلام يركز بكثير من الرتابة على ما يمثله انتخاب أوباما من ضربة قاسية وجهت إلى ميراث التمييز الرسمي وعنصرية المؤسسات، وهذا أمر صحيح بالطبع، إلا أن ما يغفله هو أن فوز رجل أسود بالرئاسة ينسف أيضاً الأفكار والقوالب الجاهزة حول قضايا العرق السائدة في أوساط اليسار والأقلية السوداء·
وليس المثال الذي يقدمه أوباما عن نفسه سوى جزء من المعادلة العرقية في أميركا التي تتجاوز مقولات التمييز والإقصاء لدى المحافظين بقدر ما تفرغ تصورات اليسار عن الانغلاق العرقي والمحاصصة في الوظائف من أي محتوى، وهو ما يجعل أوباما قوة دفع حقيقية للأقلية السوداء بإعادة التركيز على القضايا المهمة البعيدة عن الأيديولوجيا والاستقطاب وفي مقدمتها التعليم وإعادة الاعتبار لمفهوم الأسرة النووية لدى السود·
وعلى المستوى السياسي، لاشك أن رئيساً أسود سيضعف الفرضية القائلة إن العنصرية متجذرة في المجتمع الأميركي وتستدعي تطبيق المحاصصة العرقية على الصعيدين السياسي والقانوني لضمان حقوق الأميركيين من أصول أفريقية، وفيما يحلو لأوباما تشبيه نفسه بالرئيسين أبراهام لنكولن وفرانكلين روزفلت، فإنه أيضاً يشبه نفسه بالرئيس رونالد ريجان، وكأنه يود أن يقول إنه سيكون رئيساً للتغيير برؤية أيديولوجية مختلفة·
لكن المقارنة بينه وبين ريجان قد لا تروق لمؤيديه، ولاسيما أن ريجان الذي أشرف على نهاية الحرب الباردة سرع أيضاً، من حيث لا يدري، بنهاية لحظة المحافظين الذين كانوا ملتفين أساساً لمواجهة الاتحاد السوفييتي، ومع أن الملتزمين من المحافظين ضحوا عن طيب خاطر بحملة انتخابية حية مقابل اتحاد سوفييتي ميت، إلا أن الضرر الذي لحق بالتيار المحافظ في أميركا كان حقيقياً·
وفي الإطار نفسه، إذا استطاع أوباما تحقيق جميع أحلامه بكتابة فصل جديد في التاريخ الأميركي يتجاوز العرق كما ينتظر مؤيدوه، فإنه سيكون قد أسدى خدمة جليلة للولايات المتحدة أكثر من أي رئيس ''ديمقراطي'' آخر، لكنه سيكون في ذات الوقت قد قطع الحبل الذي يربط مكونات اليسار الأميركي، وهو ما آمل أن يحدث بالطبع باعتباري أميركياً ومحافظاً في الوقت نفسه·

جونا جولدنبيرج
كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا