الاتحاد

تقارير

تركيا وحرب غزة··· خلفيات الممانعة

تركيا وحرب غزة··· خلفيات  الممانعة

تركيا وحرب غزة··· خلفيات الممانعة

مثلما انبهر صناع الدراما التركية لهذا الإقبال العربي منقطع النظير على أعمالهم التلفزيونية، ها هم أيضاً أهل الحكم بالعاصمة أنقرة وقد انتابتهم حالة نشوة ممزوجة بالدهشة، فأداء السياسة الخارجية التركية حيال مأساة الفلسطينيين في غزة صادف هوى في نفوس قطاعات عريضة من الشعوب العربية، وبدا رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بطلاً مسلماً جديداً· وفي أحد المستشفيات غالب أردوغان دموعه وهو يرى الحالات المأساوية لمصابي غزة، التي قررت تركيا علاج بعض منها، ليجسد في النهاية حالة غضب إسلامي ضد الدولة العبرية لما تقترفه من مذابح ضد العزل من الأطفال والنساء· ومع زيادة موجات التنديد في بعض أركان الأناضول، كان أردوغان يصعد من لهجته مذكراً اليهود بفضل تركيا العثمانية عليهم عندما آوتهم الإمبراطورية المنقضية في ربوع الأستانة، وكذلك تركيا الجمهورية فيما بعد، التي فتحت ذراعيها للهاربين من هولوكوست النازي هتلر·
ولأنه شعر بالإهانة الشديدة لانتظاره قرابة خمس وأربعين دقيقة في أحد المعابر أثناء زيارته للأراضي المحتلة في إطار جولته العربية، أعلن رفضه القيام بأي زيارة إلى إسرائيل أو مقابلة سفيرها في أنقرة، وتمادى ورفض الرد على اتصال تليفوني كان فيه إيهود أولمرت على الطرف الآخر·
وأثناء الإعداد لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، كان رئيس الحكومة يؤكد أن ما فعلته إسرائيل سيبقى نقطة سوداء في تاريخ الإنسانية· وفي طريقه إلى العاصمة البلجيكية بروكسل طالب أردوغان، بمنع مندوبة إسرائيل من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة عقاباً لها لعدم انصياع دولتها لقرار مجلس الأمن· وبعد انسكاب المزيد من الزيت على النار، خرجت كتابات تربط بين التنظيم المنشق المعروف باسم ''أرجنكون'' المتهم في الشروع في انقلاب ضد الحكومة، وبين إسرائيل، وذهب ''جان أوندار'' المحلل السياسي التركي، الذي كان مثار جدل لإخراجه فيلماً عن أتاتورك اعتبر غير منصف لمؤسس تركيا الحديثة، إلى طرح عشرات من الأسئلة من قبيل: أين هي الأسلحة التي تم استيرادها من إسرائيل إبان حكومة ''تانسو تشيللر'' في بدايات التسعينيات من القرن الماضي؟ في إشارة إلى كم من المسدسات وبنادق الكلاشينكوف، وأجهزة الرصد والتنصت والذخائر التي وجدت في مخابئ بأنقرة، والهدف هو تأكيد تصور عام بأن محاولة الانقضاض على الحكومة المصنفة إيديولوجياً إسلامية، كانت بسلاح إسرائيلي·
وكل هذا ربما كان مفهوماً لو أننا نتحدث عن بلد آخر غير تركيا الدولة الإسلامية الأولى التي اعترفت بقيام إسرائيل عقب حرب 1948 وما ترتب على ذلك من علاقات باتت استراتيجية· قد يقول قائل إن ذلك كان من صنيع الحكومات العلمانية، أما حكومة ''العدالة والتنمية'' فهي على النقيض· لكن هذا غير صحيح جملة وتفصيلاً، فالعلاقات الدبلوماسية مع الدولة العبرية دشنت في ظل حكومة عدنان مندريس أوائل خمسينيات القرن الماضي، وهي حكومة يكاد يكون حزب ''العدالة والتنمية'' الحاكم الآن نسخة منها·
ثم إن ''العدالة والتنمية'' في لحظة الصعود المدوي قبل ست سنوات، حرص زعيمه أردوغان على لقاء عدد من السفراء الغربيين وعلى رأسهم السفير الأميركي، والهدف كان طمأنتهم بأن السياسة الخارجية لتركيا لن يعتريها تغيير جوهري، كما التقى أردوغان بالسفير الإسرائيلي وأكد له أن العلاقات مع الدولة العبرية ستشهد مزيداً من التطور· والحق أن السفير بدا آنذاك غير قلق، فذاكرته تحمل انطباعات جيدة عن الأتراك ذوي الاتجاهات الدينية المحافظة عندما يحكمون البلاد؛ لأن العلاقات تكون في أحسن أحوالها، هكذا كانت الحال مع الثنائي جلال الدين بايار ومندريس طوال عقد الخمسينيات (1950 ـ 1960) وحدث الشيء نفسه في ظل حكومة ''الرفاه'' بزعامة نجم الدين أربكان (يوينو 1996 - يوليو 1997)· وإلى هنا نعود إلى السؤال علامَ إذن الاستياء؟ وهل ''العدالة والتنمية'' اكتشف فجأة أن إسرائيل دولة همجية عدوانية؟ في البداية لا يمكن تقليل حجم غضب الشارع التركي، ولذا كان رد فعل ''العدالة والتنمية'' استثماراً لعواطف مئات الآلاف من الأتراك الذين هالتهم مشاهد وفظاعات الحرب الحاصلة على غزة، وهو استثمار سياسي يأتي في سياق محاولة إعادة الوهج للحزب الذي يتجه نجمه إلى الأفول·
فلم يعد خافياً أن ''العدالة والتنمية'' في حالة تراجع، يشهد على ذلك الشارع وأحواله الاقتصادية المتردية· وبما أن الحزب على مشارف الانتخابات المحلية في مارس القادم كان لابد من مخرج قبل أن يأتي الطوفان· هنا جاءت غزة طوق نجاة والدليل أن أردوغان تنفس الصعداء· لقد قال إنه سيستقيل إذا لم يحصل حزبه على الأغلبية في تلك الانتخابات، والآن لاح الأمل مجدداً، ولم يبق سوى إذكاء السخط لدى الجماهير ضد الآلة العسكرية الإسرائيلية في مقابل مساندة الفلسطينيين، لعل كل هذا يؤتي ثماره لكي يصوت الشعب بمختلف فئاته لصالح الحزب وقياداته· لكن يبدو أن الرياح جاءت عكس ما يرغب الحزب، وكان لابد من التراجع، فزيارة الجنرال اليكار باشبوغ رئيس الأركان لكل من الكشك (رئاسة الجمهورية) والباشباكلنك (مجلس الوزراء) لم تكن مصادفة، وإنما حملت تحذيراً مؤداه أن التصعيد ضد تل أبيب قد يؤثر بالسلب على مصالح تركيا·
وفي خطوة نحو الوراء، وخلال اجتماع حزبه العتيد، قال أردوغان في عبارات لا تقبل الشك: لسنا في ''دكان'' بقالة، نحن ندير سياسة الجمهورية التركية· جاء ذلك رداً على مطالب نواب ''العدالة والتنمية'' بضرورة قطع العلاقات مع إسرائيل· غير أن هذا لم يعد كافياً، ومن ثم كان على الرئيس عبدالله جول الذي أرجأ زيارته للقدس التي كان يفترض أن تتم في 6 يناير، أن يتدخل لعل وعسى ذلك يعيد التوازن في علاقات بلاده بالدولة العبرية، وعلى رغم إصابته بالتهاب حاد في الأذن الوسطى إلا انه تحامل على نفسه، وهرع إلى شرم الشيخ يسبقه تصريح صادر عن وزارة خارجيته ينفي بشدة أي اتهام لأنقرة بالانحياز لـ''حماس''!
لكن تفاعلات الموقف كانت قد تفاقمت، فإسرائيل لم توجه الدعوة لجول لحضور العشاء الذي أقامه أولمرت في القدس وحضره عدد من القادة الأوروبيين، ولاشك أن الرجل كان ينتظرها، بيد أن الصحافة التركية أصيبت بخيبة أمل واصفة الموقف الإسرائيلي بأنه كان ''عيباً'' كبيراً، ولم يتوقف عند هذا الحد، فتل أبيب مازال في جعبتها كثير مما من شأنه أن يقلق تركيا·
وها هو أبريل شهر الأحزان بالنسبة لتركيا على الأبواب، ففيه يهب الأرمن يذكرون العالم بمأساتهم، ومعهم تتعاطف برلمانات عديدة سرعان ما تقر بأن على تركيا أن تتحمل مسؤولية مقتل مليون ونصف مليون أرمني إبان الحرب العالمية الأولى· وكانت الدولة العبرية تضغط قدر جهدها على بعض هذه البرلمانات كي لا تتسع دائرة ''إدانة'' تركيا، ويُخشى ألا تفعلها بعد الآن·

سـيد عـبد المجــيد - أنقرة

اقرأ أيضا