الاتحاد

الملحق الثقافي

الفضاء الفردوسي

لوحة للفنان الجزائري حسين زياني

لوحة للفنان الجزائري حسين زياني

تُعتّبر تائيّة الشّاعر الجاهلي (عمرو بن قُعاس المُرادي)، واحدةً من العلامات الفارقة في الشّعر الجاهلي، خاصّةً بما حملته من مقاربة مختلفة للحياة الضئيلة المضطربة، ومواجهة المأزق الوجودي الذي يتحكّم بمصير الإنسان على هذه الأرض، وذلك حين راح هذا الشاعر يكرّس كلّ طاقته للاحتفاء بالحياة، في جانبها اللذّي، غير آبهٍ بما سيحدث معه تالياً.
كان القلق والخوف من الموت، هو الطّابع العام المسيطر على النصوص الشعرية الجاهليّة. وقد تعدّدت أساليب الشّعراء في مواجهة هذه المعضلة، فمنهم من نظر إليها نظرة الحكيم، كما فعل الشاعر زهير بن أبي سلمى، حين قال:

رأيتُ المنايا خبط عشواءَ من تُصِب
تُمِتْهُ، ومن تُخطئ يُعمّر فيهرمِ
ومنهم من تَصَرَّفَ تَصَرُّفَ الفارس المستعِدّ للمبارزة، كما فعل الشاعر طرفة بن العبد، الذي وقف وجهاً لوجه أمام الموت، حين قال:
ألا أيهذا اللائمي أشهد الوغى
وأن أحضر اللذّاتِ هل أنتَ مخلِدي؟
فإنْ كنتَ لا تسطيعُ دفع منيّتي
فدعني أبادرْها بما ملَكَت يدي

فخاخ الخديعة
الشاعر امرؤ القيس بدوره، اكتشف فخاخ الخديعة التي نصبها الموت له في الطريق، ولذلك فقد حاول أن يتحايل عليه، من خلال الذّهاب إلى المرأة، والاحتفاء بجسدها:
ومثلكِ بيضاء العوارضِ طَفلةٍ
لعوبٍ تنسّيني إذا ما قمتُ سربالي
إذا ما الضّجيعُ ابتزّها من ثيابها
تميلُ عليه هونةً غير مجبالِ
ولكنّ هذا الشاعر، وبعد أن أطلق عبارته المشهورة “اليوم خمر، وغداً أمر”، وقام برحلته الخاسرة إلى القيصر، أحسّ بمزيد من الألم، الطبيعةَ العدميةَ للوجود، فكتب يقول:
أرانا موضعين لأمر غيبٍ
ونُسحرُ بالطّعام وبالشّرابِ
عصافيرٌ وذبّانٌ ودودٌ
وأجرأ من مجلّحةِ الذّئابِ
فبعضُ اللومِ عاذلتي فإنّي
ستكفيني التّجارب وانتسابي
إلى عِرق الثرى وشجت عروقي
وهذا الموت يسلبني شبابي
هنا سنلاحظ الفرق واضحاً في الطريقة التي تمّ النظر بها إلى الموت، من قِبَل الشاعر عمرو بن قعاس المرادي، ومن قِبَل باقي الشعراء الجاهليين. هذا على الرغم من أنّ الجانبين يشتركان في اللجوء إلى المرأة، باعتبارها مخلّصاً من نوع ما. الاختلاف بين عمرو والآخرين يكمن في النظرة الجديدة التي نظر بها عمرو إلى الحياة، حيث رأى ضرورة اهتبال الفرصة كاملةً من أجل الاستمتاع بمسرّاتها حتى اللحظة الأخيرة، ليتحقّق ما يمكن أن يكون نوعاً من الموت السّعيد كما تطرحه بعض الفلسفات الوجودية المعاصرة.

انعطافة حاسمة
يبدأ الشاعر القصيدة، بالحديث عن بيت الحبيبة الذي يغذّ الخطى باتّجاهه، حيث هو “بالعلياء”، وربّما عبّر هذا الوصف عن مكانة البيت الرفيعة عند الشاعر. لكن ثمّة مشكلة ما تتبدّى في هذا المشوار، حين يعلن بعد قليل أنّ الأمور مع أهل ذلك البيت “ويعني الحبيبة” ليست على ما يرام!
هنا ينقطع الحديث عن بيت الحبيبة، ليتحدّث الشّاعر عن مجموعة كبيرة من الأفعال التي قام بها، والتي لا تقع ضمن دائرة الحياة المعتادة، لأنّها ببساطة أفعال مميّزة، وتحقّق السّعادة: يحصل على اللحم الطّريّ ويشويه. يركب فرسه الكميت، وينطلق شاكّاً سلاحه. يصطاد الظّباء. يقطف تلك الثمار التي لم يحصل عليها بشر قبله. يريق أجمل مشروب ويعبّه – لنلاحظ هنا أنّ المشروب ليس خمراً – كما يصرّح الشاعر. يرمي الإبل التي لا تنصاع إليه وتبرك عند أحواض الماء. يركب الفرس السريعة مرّة أخرى ليقطع الفيافي.
النتيجة العظيمة لمجمل هذه الأفعال، تكمن في أنّ الشاعر، لن يلقي بالاً للموت الذي يمكن أن يجيء، والسّبب هو أن الشاعر يكون قد حقق السعادة القصوى في الحياة.
بعد هذه الانعطافة الحاسمة في مسار القصيدة، يواصل الشاعر تعداد المزيد من تلك الأفعال الجسورة التي قام بها، ومنها: الإقبال على شرب الخمر، وعدم مبالاته بمن ينتقده على شططه الكحولي. مراوغته الماهرة للنساء واصطياده لهنّ. الإقامة فوق ظهور الخيل، حيث هناك بيته الذي لا يشبهه بيت. تمنّعه عن النساء أحياناً، والظهور بمظهر (الدونجوان) غير المكترث. مطارحته الغرام للنساء، وتقريعهنّ له على ما تسبب لهنّ من فضائح. لوم العواذل له على مجونه وإنفاق ماله. احتفاؤه بالشَّرب من النّدامى. يشرب ملتذّاً من ماء ليس من ماء الينابيع ولا من المطر. يأكل من لحم لم يذقه أحد قبله. يجمع الإبل في أوقات العصر بعد أن تكون قد وردت الحياض، ويعود بها إلى الديار. يوقد النار من غير قدح زند، ليصطهج بدفئها. أخيراً لا يتخلّف عن نجدة الأقارب، الذين ابتعدوا عنه، في الوقت الذي ظلّ هو قريباً منهم.
من خلال الأفعال السابقة التي عدّدها الشاعر، سنلاحظ أنها أفعال غير عادية، إذ ما هو اللحم الذي يأكل منه الشاعر ولم يتذوّقه الآخرون؟ ما هو الماء الذي يشرب منه، حين لا يكون ماء مطر ولا ماء نبع؟ ما هو هذا البيت الذي ليس من شَعرٍ وصوف، هذا الذي نسجه فوق الفرس؟ ثمّ ما هي النار التي يشعلها الشاعر بغير زند؟
في محاولتهم لتفسير الأبيات تفسيراً واقعيّاً لجأ الشّارحون القدامى إلى خلق وشائج واهية، كالقول إنّ المقصود باللحم الذي أكله الشاعر هو لحم ابنه الذي ذبحه، وأنّه قام بهذه الفعلة في أثناء سكره الشديد في إحدى المرّات التي تناول فيها الكحول، حيث فقد رشده. ومثل هذا الكلام يبقى مجرّد ادّعاء لا يسنده خبر حقيقي عن هكذا فعلة. بعض الشارحين لجأ إلى التعامل مع هذا الشعر كنوع من الطرائف! لذلك يبقى اللغز قائماً: ما طبيعة هذه الأفعال التي قام بها الشاعر، وجعلته على هذه الدرجة من الامتلاء، إلى الحدّ الذي لم يعد فيه آبهاً بالموت؟!

مقاربة الكارثة الوجودية
قدّمت الشعريّة الجاهليّة نماذج باهرة من النّصوص، التي سوف تبقّى مشعّةً بالجمال على مدى العصور. وقد تجلّت خصوصيّة القصيدة الجاهلية في الحوار العاصف الذي أقامته بين الشاعر والمكان. كان المكان، وهو هنا الجزيرة العربية صعباً قاسياً، ولكنّه كان مكاناً مفتوحاً على الأمداء الواسعة، على السّماء والنجوم والكواكب، كما كان المكان يمور بالاضطراب والحركة، بالتنقّل الدائم والهجرات، بالغزوات والقتل.
كلّ ذلك ساهم في ولادة شعر نوعي وخاص، شعر يقارب كلّ هذه المواضيع، وعلى رأسها موضوع الوجود القلق نفسه، الفائر بالأسئلة الحائرة.
إذا ما قرأنا القصيدة التي بين أيدينا، وتأمّلناها، فسوف نرى من خلال القراءة الأولى، وكما نظر إليها الدارسون القدامى، أنّها محض قصيدة، تتحدّث عن شاعر فارس مشاكس، ماجن، يحتفي بالخمر والنساء. ولكنّنا لو دقّقنا النظر جيّداً في القصيدة لرأينا أنّها في بعدها الآخر تنهمك في علاج المشكلة الوجودية، ولكن بطريقة جدّ مختلفة عن باقي الشعراء في ذلك الزّمن، وأنّ ما لاحظناه من أفعال غير طبيعية يقوم بها الشاعر، إنّما هي محاولات رمزية للتّماسك أمام الكارثة، وتحديداً أمام الموت القادم الذي يترصّد خطواته. لابدّ من القول هنا إنّ الشاعر في مواجهته المقبلة مع الموت، لم يولول، ولم يرفع عقيرته بالصّراخ، على طريقة أقرانه الشعراء الجاهليّين. على العكس من ذلك، فقد راح يحشد كلّ أسباب الحياة بما فيها من البذخ والمجون، الخمر والنّساء، وسائر أشكال اللذائذ، وذلك في مواجهة الموت، حتى إذا ما دنت ساعة الصّفر في هذه المواجهة يكون قد استنفد الحياة، ولم يعد لديه مبرر لمواصلتها:

متى ما يأتني يومي يجدني
شبعتُ من اللذاذةِ واشتفيتُ
يمثّل هذا البيت الذّروة التي وصلت إليها القصيدة، وهو بيت مكثّف، يفور بالأحلام والتّوجّسات العميقة، أمّا بؤرة هذا البيت النّوعي فهي متركّزة في كلمة “واشتفيتُ”، والتي تحمل في طيّاتها طاقة لذّيّة هائلة.
ولعلّ هذا البيت بالذّات أن يكشف لنا عن حقيقة القصيدة، وعمّا يدور فيها من أفعال غير عادية قام بها الشاعر، حيث نجد أنّ مشواره إلى بيت الحبيبة، وجميع ما قام به، ما هي إلى حيلة فنّية لجأ إليها الشاعر، من أجل الوصول إلى هذه اللحظة اللذّية الفارقة! وبهذا الشكل يكون كل ما ورد في القصيدة بمثابة بنية متخيّلة للحياة القليلة المضطربة، ولإشكال الوجود الذي يتهدّدها.
إنّ هذه الأعمال التي قام بها الشاعر، هي في جزء غير قليل منها، أعمال مستحيلة على مستوى الواقع، ولكنّها على مستوى الشعر والحلم أعمال قابلة للتّحقّق. وبمزيد من تسليط الضّوء على البيت السابق الذي شكّل الانعطافة الحاسمة في القصيدة، ربّما نجد أنّ جزءاً كبيراً مما قام به الشاعر يمكن أن يصنّف على أنّه نوع من التّمنّي.
وهكذا ربّما تكون الحياة الجاهلية قاسية، وهي كذلك، ولا أثر كبيرا فيها للذائذ التي تحدّث عنها الشاعر، ولكنّ القدرة الحلمية للشعر كبيرة على ولوج باب المستحيل. من هنا منح الشّعر الجاهلي للشاعر هذا الفضاء الفردوسي ليحلّق فيه، وليجترح من خلاله ما كان تحقيقه صعباً في الواقع، خاصّةً أنّ الشعر لدى العرب ارتبط منذ البداية بالسّحر، والخلق، وتحقيق المعجزات.
إنّ هذه القصيدة بما احتوت عليه من نظرة متفرّدة للحياة والكون، ولطريق مقاربة المشكلة الوجودية وحلّها بواسطة اللذّة، لهي إحدى القصائد المتفرّدة العظيمة التي ستبقى خالدة على مستوى الشعر، وإنّ هذا الشاعر الذي كتبها سيبقى نسيج وحده، على الرّغم من شحّ آثاره الشعرية.

القصيدة:
أَلا يا بَيتُ بِالعَلياءِ بَيتُ
وَلولا حُبُّ أَهلِكَ ما أَتَيتُ
أَلا يا بَيتُ أَهلُكَ أَوعَدوني
كَأَنّي كُلَّ ذَنبِهِمُ جَنَيتُ
إِذا ما فاتَني لَحمٌ غَريضٌ
ضَرَبتُ ذِراعَ بَكري فَاشتَوَيتُ
أُرَجِّلُ لِمَّتي وَأَجُرُّ ذَيلي
وَتَحمِلُ شِكَّتي أَفُقٌ كُمَيتُ
وَسَوداءِ المَحاجِرِ إِلفِ صَخرٍ
تُلاحِظُني التَطَلُّعَ قَد رَمَيتُ
وَغُصنٍ لَم تَنَلهُ كَفُّ جانٍ
مَدَدتُ إِلَيهِ كَفّي فَاجتَلَيتُ
وَتامورٍ هَرَقتُ وَلَيسَ خَمراً
وَحَبَّةِ غَيرِ طاحِنَةٍ قَضَيتُ
وَبَركٍ قَد أَثَرتُ بِمَشرَفِيٍّ
إِذا ما زَلَّ عَن عُفرٍ رَمَيتُ
وَعادِيَةٍ لَها ذَنبٌ طَويلٌ
رَدَدتُ بِمُضغَةٍ فيما اشتَهَيتُ
أُثَبِّتُ باطِلي فَيكونُ
حَقّاً وَحَقّاً غَيرَ ذي شِبْهٍ لَوَيتُ
مَتى ما يَأَتِني يَومي يَجِدني
شَبِعتُ مِن اللَذاذَةِ وَاشتَفَيتُ ُ
وَكُنتُ إِذا أَرى زِقّاً مَريضاً
يُناحُ عَلى جِنازَتِهِ بَكَيتُ
أُمَشِّي في سَراةِ بَني غُطَيفٍ
إِذا ما ساءَني أَمرٌ أَبَيتُ
وَماءٍ لَيسَ مِن عِدٍّ رَواءٍ
وَلا ماءِ السَماءِ قَد اشتَفَيتُ
وَلَحمٍ لَم يَذُقهُ الناسُ قَبلي
أَكَلتُ عَلى خَلاءٍ وَانتَقَيتُ
وَصادِرَةٍ مَعاً وَالوِردُ شَتّى
عَلى أَدبارِها أُصُلاً حَدَوتُ
وَنارٍ أوقِدَت مِن غَيرِ زَندٍ
أَثَرتُ جَحيمَها ثُمَّ اِصطَلَيتُ

اقرأ أيضا