الإثنين 5 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الفنانون الفطريون.. ضحايا المصطلح

الفنانون الفطريون.. ضحايا المصطلح
1 أكتوبر 2009 00:19
تتشكل الفنون الفطرية من هوى الحاجة والرغبة في ترويض الطبيعة وتبجيلها في ذات الوقت، ولكن هذه الفنون لا تتنازل أيضا عن شرط اللذة والاكتشاف، رغم أن جلها يفتقر لتقديرات الذائقة الجمعية وحتى النخبوية، لأنها تخضع قسرا للقوانين الشعبية والأعراف التراثية التي تنقلها من منطقة «الفن» إلى منطقة «الحرفة» ومن «الاستنارة الداخلية» إلى «مشاع الفلكلور». إن صنعة اليد تحيلنا مباشرة إلى فكرة الدهشة واللعب، وإلى بكارات الميثولوجيا والضربات الأولى والمرتبكة للمخيلة، كما هي في صيغة الطفولة ذاتها، حيث اللعب هو الافتتان بالجوهر الخفي للموهبة والتجريب، إنها شاعرية اليد ـ بعيدا عن جبروت الميكنة والصناعة المفرطة في مديح التكرار ـ بينما يظل الفنان الفطري في حالة إعادة اكتشاف للورع والمتعة في كل منتج جديد، إنه يقطن في التجاذبات الهادرة للحالة والمزاج. ومن هنا هذه البصمة التي تسم كل منتج بجمالية وروحية تخصه، بعيدا عن الصرامة المملة للمنتج الآلي. إن هذا النسب الواحد لتعددية الأشكال في المنتج اليدوي إنما يلخص الانبهار المركز للروح وللحنين الطفولي، اكتشاف الإحالات والهبات التي تمنحها اليد هي إذن ما يتوج صنيع الفنان الفطري في ترتيب العاطفة والوشائج المباغتة لكل ما هو آني وطازج، تماما كما في الضربة الأولى للإزميل في الصباحات المبكرة للإنسانية. إن وهج الانخطافات ودفقها إنما يستمر على إيقاع التواتر بين الفعل المحض وبين جمالية هذا الفعل، وهذا التواتر مرهون بالإتقان والرضا، إنها النفحة البشرية التي تنشر أنفاسها وبراءتها في صناعة اليد، رغم أن كلمة «صناعة» تبدو مفرطة في مجازيتها لأنها كلمة منخلعة ومنزوعة من صيغتها الروحية والزاهدة. إن ملمس الخزف بالنسبة للفنان الفطري المشتغل على «الفراغ المملوء» بالصدفة والابتكار إنما يعيد اكتشافنا للإطراء العميق الذي يهبه الخالق من خلال الطبيعة ذاتها، إنه إطراء تمنحه أيضا رائحة التراب بعد المطر، وبرودة الماء في القيلولة المنعشة، إنه كامن أيضا في الفسحات الطاهرة لانبلاج الفجر، والتفتحات الغامرة للأزاهير الليلية. إنه رنين الطين الذي يحيل الأصداء كلها إلى عطالة ممتدة في حقول العين والباصرة، خلف كل قسوة، ووراء كل السواتر المعدنية ودمارات الذائقة. يطرز الخزف برودته من هدايات قلب محب، ويد تستريح في عنائها المرهف، كذلك فإن صانع السلال إنما يكدس ولهه الخفي بامتلاءات مفترضة، إنه يتوج الموهبة باكتمالات العلائق بين الإنسان والنخلة، وبين الإنسان والتبضّع الغارف أبدا من الجمال وفضائل الدائرة، تلك التي تشبه الإغواءات المتاحة للأحضان، تبدو السلال مثل انتشاءات مؤجلة وحيل راكدة لما يمكن لاحقا أن يملأ التجويفات المنادية للحواس. أما صانع الحبال فهو في انقياد مركز، ذاهب وممتد إلى اللانهاية، إنه ضد القطع والبتر والتعنت في ابتكار الخواتيم المقفلة. إن فكرة النهاية عنده تشبه التماهي مع الموت واللافعل وتلك البلادة المقيمة في الفناء والتفتت، إنه في إصغاء متواصل وفي اهتداء حثيث، ليس لصانع الحبال من حيلة سوى تجبير الانقطاعات، وعلاج الزمن من علة التفاوت والتواتر، ومن جرح التبدلات وقسوتها. إن في هذا الكدح والمداومة على نحت الفراغات اللامرئية ورفدها بما تستحق، إنما يكمن جهد لا يختزن الارتجال، بقدر ما يهب الدقة المعززة بالصرامة والشغب في آن. وهنا تماما وفي هذه اللغة الهاربة عن كل وصف، يمكن لشغل اليد أن ينوس في الزهد والصمت، خارج كل صياغات مقحمة وخارج اقتراحات الفلكلور، لا يمكن إثارة الضجيج في نزهات العشق هذه.. إن علاقة اليد بالمادة البكر، تبتعد تماما عن فكرة الاستحواذ والعادة، كما أنها تنفر من أي نعت يزجه في التراث بشكله السياحي والاستعراضي، هذه العلائق إنما تكتمل في البعد والتوحد، يكشف لنا هذا الالتحام بين اليد والفطرة، عن مدى النزاهة الكامنة في الخيال الانطباعي والشرود الحرّ، بشكل يذكرنا دائما بالأرض، تلك التي تفوح بإمكاناتها وعطاياها، الأرض التي ينشر التماس معها شرارات رقيقة من الحبور والجذل والاندغام الشفيف، إنها الألفة المتوجة فيما يمكن أن نطلق عليه : « تجاذبات الكائن» فلا انفصال هنا ولا تحييد ولا وهم، لا يحيا الكائن إلا في وهج هذه التجاذبات لأنها من صلب الإقامة في التواصل. ولعل الفنان الفطري في ولادات الشغف الأرضي هذه، إنما يصغي لنداءات بعيدة وينقاد لهوس بدائي يخصه، يكشف فيه عن ذلك الإرث المستعاد من الرؤية والحذر والتجريب والتناوب والدربة والإطراق. أما «المنفعة» فهي اصطلاح مديني لا أكثر، وهو اصطلاح متوحش إذا ما قيس بالمتعة على سبيل المثال، وهو اصطلاح خاسر إذا ما قورن بالطقس الروحي لشغل التخييل والمباهاة المجسدة في المنتج اليدوي ذاته، تأتي المنفعة كي يستقيل خلود اللحظة المتوهجة، وكي تنطفئ الجذوة العالية في الذات، ويصبح الحرث في الجمال مجرد كنس لأرواح جافة وعاطلة. فهؤلاء الفنانون الفطريون الضالعون في محبة نجهلها وهبوا المشقة عنوانها، دون غفلة عن تذكيرنا بالمتعة، إن اقتسامهم وإيّانا هذا الطهر المقيم في الأنامل، إنما هو التوارث القادم من بداهات صافية ومن حدس مجلوء. ننحني لهم ونبارك هذا البهاء الفائض منهم، لاسيما وهم يؤطرون مقاومتهم في زمن لا يشبههم، وفي أمكنة تئنّ من الهدم والعسف والانجرافات، تذكيرا بهوى أضعناه ونكاية في صبر نراه ينقرض. الموروث الشعبي كمفصل أساسي للثقافة الإماراتية ناصر حديد عبيد الجنيبي والتراث والمأثور الشعبي هو نتاج نشاط الجماعة أو المجتمع وفكر البشر وهو إبداع إنساني يتبناه البشر وتتداوله الأجيال، ويحرص السلف على توصيله للخلف وتغيير التراث وتبدله هو في حقيقة الأمر تغيير في التفاصيل والتشكيل، أما المضمون والجوهر فهما أشياء ثابتة دائماً. وهذا التغير هو الذي يجعلنا ننظر إلى التراث على أنه إبداع إنساني والتغير فيه هو أمر طبيعي طالما أنه انعكاس للحياة والمجتمع، فمن المسلم به أن الجوانب الاجتماعية الإنسانية تخضع لقانون التغير في المقام الأول وذلك تبعاً لقدرة الإنسان على التعامل والتغلغل مع مجمل الظروف البيئية والتاريخية والثقافية التي تشكل حركته وقدرته على التغيير، وهذا يعني أنك لن تجد عنصراً شعبياً واحداً ثابتاً على امتداد العصور، وفي هذه الحالة فإن الأمر يقتضي تثبيت الصورة التي يوجد عليها التراث عند مرحلة معينة كي يمكننا الحفاظ عليها وهي بالطبع صورة متغيرة قبل ذلك وبعد ذلك وعلى ضوء هذا تكون الوسيلة التي نهتم من خلالها بالتراث والمأثور ونقله للأجيال القادمة. إن الموروث الشعبي يشكل مفصلاً أساسياً للثقافة الإماراتية ورافداً رئيسياً للحياة الثقافية فقد جاء اهتمام الإمارات بموروثها الشعبي باعتباره رصيداً ثقافياً معبراً عن روح الشعب. والفنون الشعبية تعد من أهم عناصر الثقافة الشعبية التقليدية (الفولكلور) وأحد أعمدة الموروث الثقافي الإماراتي فما هي إلا فروع للأدب والموسيقى والفنون التشكيلية والتصوير والأزياء والتطريز والعمارة والرقص والأغاني وهي ترجمان صادق تعبر به الشعوب عن أحلامها وآمالها وسجل لأحداثها التاريخية. كما أنها أداء تلقائي صادق غير متكلف يعبر عن آمال وآلام الشعوب ووسيلة ناجحة للإعلان عن تاريخ وحضارة أي دولة. والموسيقى الشعبية التقليدية وهي أحد عناصر الفنون الشعبية الحية يقول واقعها إنها تزخر بأنماط الغناء والأداء الحركي والآلات الموسيقية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بكل أشكال الحياة الاجتماعية والثقافية، والموسيقى التقليدية جزء من الثقافة الموروثة لعبت العادات والمناسبات الاجتماعية المحلية كالأعراس والأعياد الدينية والقومية دوراً أساسياً في الحفاظ على استقرارها. إن التراث الموسيقي لا تكمن أهميته فيما يكتنزه من ذاكرة الآباء والأجداد فحسب بل في عناصره الحية التي لا تزال تتداول بين الناس حيث تتناقل مفرداته اللحنية والايقاعية والشعرية وتؤدي في مناسباتهم المختلفة تحمل السمات نفسها منذ مئات السنين. وفنون الأداء الحركي الشعبي (الرقصات الشعبية) تعد من أبرز الصور في التراث والمأثور الشعبي خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما أنها تعبر بشكل صادق عن مشاعر ووجدان المجتمعات المختلفة وتعكس مظاهر وأشكال البيئة الاجتماعية والتقاليد الموروثة، كما أن الطبيعة الجغرافية لدولة الإمارات ووجود أكثر من بيئة مختلفة بها مثل المجتمعات الساحلية والمجتمعات الجبلية أو البدوية والزراعية والحضرية أدت إلى تنوع فنون الأداء الحركي بدرجة كبيرة من حيث الأداء أو الإيقاع الموسيقي أو الأدوات الموسيقية المستخدمة علاوة على الملابس والاكسسوارات وغير ذلك من العناصر التي تساعد على إظهار الفنون الشعبية وتحديد ملامحها، فلكل شعب رقصاته التي تميزه عن غيره من حيث الحركة والموسيقى والأزياء والأغاني، لذا كان من السهل التعرف على ثقافة وحضارة أي شعب من خلال رقصاته الشعبية. وتؤمن دولة الإمارات العربية المتحدة بقيمة التراث وأهميته في رسم مسيرة الشعوب وهويتها وحياتها وقد استوعبت دور معطيات التراث للحفاظ على خصوصية شخصيتها وعاداتها وتقاليدها وقيمتها في خضم هذا الخليط المتلاحم من المتغيرات العصرية، كما أعطت الدولة أهمية للأخذ بثمار تجارب الماضي وخبراته وفنونه وعلومه لدعم مسيرة الحاضر والمستقبل، فكان الوعي بإحياء التراث وحمايته لترسيخ جذور الوطنية وارتباط الإنسان بأرضه ومجتمعه وتاريخ أمته. كما أن البحوث العلمية لها الفضل الأكبر في التطور السريع الذي يمر بالمجتمعات والحضارات المختلفة في مختلف الميادين وقد نالت الفنون الشعبية حظاً غير وافر من الأبحاث العلمية لذا كان علينا أن نتحدث في حياتنا ومناهجنا وفي الإعداد لأجيالنا القادمة طريقاً علمياً يقوم على الدراسة والتحليل والمعرفة والحفاظ على فنوننا الشعبية من الاندثار، لذلك كان لا بد من التعرض بالدراسة العلمية لكل جوانب فنوننا الشعبية لكي تشارك في هذا التقدم والنهوض الشامل.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©