الاتحاد

دنيا

الاعتقاد.. والعمل

موقفان.. أحاول أن أتوقف عندهما:
? الأول: كنت صغيراً حينما استوقفني فيل ضخم في حديقة الحيوان وقد قُيد بحبل بسيط حول قدمه الأمامية، ولا توجد سلاسل ضخمة ولا أقفاص حديدية، وخطر بذهني أن هذا الفيل الضخم يستطيع بكل بساطة أن يتحرر من قيده في أي وقت يشاء إن فكر فقط في ذلك! إنه قادرعلى رفع أو دفع أو جر أوزان هائلة!
جاءني حارس الحديقة، واقتربت منه وسألته: « لماذا يستسلم هذا الفيل الضخم لهذا القيد الواهن حتى يتحرر ويهرب؟
ابتسم الحارس، وأجابني: حينما كانت هذه الحيوانات الضخمة حديثة الولادة، وكانت أصغر بكثير مما هي عليه الآن، تم استخدام نفس الحجم ونفس نوع القيد الذي يُربط به الآن، وكان كافياً لتقييده، ومن ثم كبُر الفيل، واحتفظ في ذاكرته أن هذا القيد يقيده، واستسلم في «اللاشعور» لهذا القيد الأبدي، ولم يحاول أبداً أن يتحرر منه!
أمر يدعو إلى الدهشة حقاً، لكن ربما ذلك يفسر تعلق كثيرين منا بوهم أو معتقد أو فكرة يظلون أسرى لها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء محاولة التفكير، ببساطة عاجزون عن ذلك! مثل هؤلاء يعيشون حياتهم أسرى لنموذج «تفكير القطيع» !.
? الثاني: تذكرت في لحظة ما حكاية رواها لي والدي «رحمه الله»، في سهرة سمر، أراد فيها أن يغرس في نفسي قيمة ومآثر إتقان العمل، وحكى: «في سالف العصر والزمان، استدعى الملك وزراءه الثلاثة وطلب منهم أمراً غريباً. طلب من كل وزير أن يأخذ كيساً ويذهب إلى بستان القصر، وأن يملأه بمختلف طيبات الثمار والزرع ، ويعيد كل منهم ما جمعه بنفسه دون الاستعانة بأحد في وقت محدد، وأخذ كل واحد منهم كيسه وانطلق إلى البستان.
الوزير الأول حرص على أن يُرضي الملك، فجمع أجود الثمار وأطيبها حتى امتلأ الكيس، أما الثاني فقد كان مقتنعاً بأن الملك لا يحتاج الثمار، وأنه لن يتفحصها، وإنما هو أراد فقط أن يختبر انصياعهم للأمر، فقام بجمع الثمار بكسل وأهمل التحري الكافي عن أجودها وأطيبها، وملأ الكيس بالثمار كيفما اتفق!.
أما الوزير الثالث فلم يعتقد أن الملك سوف يهتم بمحتوى الكيس أصلا فملأه بالحشائش والأعشاب وأوراق الأشجار.
وفي اليوم التالي استدعى الملك الوزراء الثلاثة، وأمر جنوده أن يسجنوهم بما جمعوا من ثمار، وكلٍ على حدة لمدة ثلاثة أشهر في سجن بعيد لا يصل إليه أحد مهما كان، وأن يمنع عنهم الأكل والشرب!
الوزير الأول كان يأكل من طيبات الثمار التي جمعها حتى انقضت الأشهر الثلاثة، والثاني عاش في ضيق وقلة حيلة حتى يكفيه ما جمع من ثمار صالحة، أما الوزير الثالث فقد مات جوعاً قبل أن ينقضي الشهر الأول، ولم تنفعه الحشائش والأوراق التي جمعها!
ونحن نعيش الآن في بستان الدنيا، نعمل ونسعى ونتغافل، وقد لا نفكر: ماذا سنفعل غداً في سجون قبورنا؟


المحرر | khourshied.harfoush@admedia.ae

اقرأ أيضا