الأحد 25 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

آفة النسيان

آفة النسيان
1 أكتوبر 2009 00:18
«آفة حارتنا النسيان» جملة حكيمة قالها نجيب محفوظ في «أولاد حارتنا» ولا أزال أرى مظاهرها في كل شيء، ها هي ذكرى محمود درويش تمر لكن في خفوت، وقبلها ذكرى نجيب محفوظ، أما عشرات النجوم الساطعة التي أصابها الموت فقد أفلت واختفت من سماوات الذاكرة الحميمة، ولذلك أسأل نفسي: من الذي يذكر طه حسين والعقاد وهيكل والمازني والحكيم، ومن الذي يذكر لويس عوض ومحمد مندور وعبد الحميد جودة السحار، وعبد الرحمن الشرقاوي وسعد الدين وهبة ومحمود دياب، وسعد الله ونّوس، وعبد الرحمن منيف وأمل دنقل وميخائيل رومان وعشرات غيرهم؟ كل عام نفقد أكثر من علم من أعلام الثقافة العربية وأدبائها، ونعلن حزننا وأسفنا للخسارة الفادحة، ولا نكف عن القول إننا سنذكرهم ولن ننساهم، ومع ذلك فما أسرع النسيان إلى ذاكرتنا الجمعية والفردية. أذكر في يوم من الأيام، كنت أراجع الدفتر الذي أكتب فيه أرقام هواتف أصدقائي، فاكتشفت غياب أكثر من ربعهم، وشعرت بالحزن، وقلت لنفسي: لا تحزن، فهذه هي النهاية المقدورة، لكني أنظر حولى إلى الحياة الثقافية، فلا أجد كتبهم مطبوعة أو متاحة، كأنما لم يوجدوا، ولم يتركوا لنا كنوزا فكرية وإبداعية لا أول ولا آخر لها. وها أنذا أسأل: من يعيد عرض مسرحيات يوسف إدريس، وميخائيل رومان، ومحمود دياب، وسعد الله ونوس، وقبلهم نعمان عاشور، والحكيم، وغيرهم؟ المسارح العربية كالتلفزيونات العربية لا تعرض إلا مسرح الأحياء، ذلك لأن الأحياء لهم صوت، ولأنهم قادرون على الإلحاح، لكن الذين ماتوا وتركوا لنا ميراثا عبقريا من الإبداع المسرحي لم تعد تذكرهم عروض المسرح ولا القائمون عليها، مع أن مسارح الدنيا كلها تعرف نظام الإعادة (الريبرتوار)، ولكننا في عالمنا العربي السعيد لا نعرف إلا الأحياء، وما أسرع ما تتخلص ذاكراتنا من الأموات، هذا على الرغم من أن الحضارة الفرعونية كانت تحتفي بالموت وتخلد ملوكها بتماثيل هائلة، تبقيهم أحياء في الذاكرة، ولكن يبدو أن صنوف الهموم والمشاكل والمصائب التي تحيط بنا أصابت ذاكرتنا الفردية والجمعية بالعطب ولذلك مما أصدق قول نجيب «آفة حارتنا النسيان».
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©