الاتحاد

دنيا

الحب .. أداة سحريّة للتأثير والتغيير والتعلم

الحب أساس التعلم

الحب أساس التعلم

يحظى الحبّ برصيد ضخم من الحضور والتأثير في كينونة الإنسان وسلوكه، فلا نبعد في القول إذا قلنا: إنّ الإنسان مخلوق عاطفيّ بالدرجة الأولى، تغلب عليه العاطفة، وتتحكّم بسلوكه، ويقاد منها أكثر من أن يقاد بعقله، أو مطالب جسده.
وهناك جملة من الحقائق والمعاني ينبغي أن تكون حاضرة في تصوّر المربّي، وتعامله مع الطفل والناشئ. يجملها المفكر والخبير التربوي الدكتور عبد المجيد البيانوني، في النقاط التالية:
الحبّ هو الأداة السحريّة في التأثير والتغيير: يُعتَبرُ الحبُّ أرقى أساليب التواصل الإنسَانيّ، الذي يحظى بالقبول العامّ من جميع الناس، على اختلاف أجناسهم وثقافاتهم وقيمهم. فلا يختلفُ على تقديره والاعتراف به اثنان، فهو من رصيد الفطرةِ الذي يأبى التحريف والتشويه. ففي داخل كلّ إنسان سويّ وهاجسه طلبُ الحبّ والتطلّع إليه، فلا عجبَ إذا قُلنا: إنّه الأداة السحريّة في التأثير والتغيير!
الحبّ راحة للقلب من شتّى المتاعب: إنّ عاطفة الحبّ بصورة عامّة هي حالة منَ الانسجام النفسيّ، والاطمئنان الداخليّ، الذي يضفيه الإنسان على ما حوله، فيعينه على أداء عمله أيًّا كان نوعه بحيويّة وإيجابيّة. ومَن كان الحبّ هاديه وحاديَه في عمله فلن يشعر بشيء من التعب مهما بذل من جهد، وواجه من عقبات. فالحبُّ يجعلُ العملَ مُتعَة نفسيّة وعقليّة، لا محنة وبلاء. ويرقى الحبُّ بالإنسان درجة أخرى، فيستعذبُ البذل والصبر، ولا يحسّ بمعاناته، وهنا بؤرة الإبداع والتألّق ومنطلقه.
الحبّ ثروةٌ لك لا تنضب، ورصيدٌ لا ينقُصُ: عندما تبذر الحبّ أيّها المربّي تفتح لنفسك رصيدًا لا يُسرق، ولا ينتُقصُ، بل يزيد مع الأيّام وينمو من حيث لا ِتحتسب ولا تدري. فالقلوب التي أحبّتك، وكان لك معها مواقف ومواقف. لن تنساك ولن تنسى معروفك معها وإحسانك وإخلاصك وتضحيتك ومواقفك التربويّة المؤثّرة.
ويضيف الدكتور البيانوني: " الحبّ يختصر الطريق، ويطوي لك المراحل: ومن منّا من لا يريد إنجاز عمله في أقرب وقت، وأقلّ جهد.؟! ولكنّ الطبيعة المتعجّلة للإنسان تحسب أنّ الحبّ وما يتطلّبه من الرفق والحلم عائق عن سرعة الإنجاز، وتحقيق الأهداف. ولا يعني الحبّ الخروج عن الحكمة في معالجة المواقف، وإعطاء كلّ مقام ما يقتضيه. كما أن الحبّ سبيل اكتشاف المبدعين، ورقيّهم وإبداعهم. فالحبّ يجعل الطفل أو الناشئ يقبل بكلّيّته على التعلم، ويستجيب غاية الاستجابة لمعلّمه، ويبذل قصارى جهده في التعلّم، حبًّا بالعلم، وإرضاءً لمعلّمه، فتتفتّح مواهبه ويظهر إبداعه، وما كان ذلك ليكون لولا حبّه لمعلّمه.
فالحبّ يغيّر تفكير المتعلّم وأسلوبه ومواقفه. فعندما يسلك المعلّم سبيل الحبّ في علاقته بأحبّائه الأطفال والناشئين، فهذا يعني أنّه يعي أهمّيّة الحبّ وثمراته وآثاره، وهذا دليل نضج عقله، وسعة أفقه، لأنّه لا يقف في التعامل معهم عند اللحظة الراهنة".
حلّ المشكلات
ويكمل الدكتور البيانوني: " الحبّ قفزة من الكمّ إلى الكيف، ومن الصورة إلى الحقيقة. فالأطفال الذين لا يتجاوبون مع معلّميهم، ويتّقون غضبهم وعقوبتهم بالأداء الظاهريّ للأعمال المطلوبة منهم، فتكون أعمالاً شكليّة غير مثمرة، ويتدنّى مستوى تحصيلهم العلميّ تبعًا لذلك. هؤلاء الأطفال إذا أحبّهم معلّموهم، وأحبّوا معلّميهم يكون لهم مع التعليم شأن آخر، ولن يقف تعليمهم عند الصورة الظاهرة، والأداء الشكليّ دون تفاعل واستجابة حقيقيّة، وإنّما سيكون أداء نوعيًّا متميّزًا، وإتقانًا مبدعًا.
بالحبّ نحلّ المشكلات ونستغني عن تدخّل الآخرين. فالحبّ من أهمّ قواعد التربية المتوازنة، فالتقصير فيه أو الخروج عنه خلل في التربية كبير يقود إلى الإخفاق، وعدم تحقيق الأهداف. فهذه المعاني ليست أحلامًا وخيالات، ولا فلسفة تعيش مع الورق، وإنّما هي ثمرات طيّبة لسلوك عمليّ واقعيّ".
المظاهر المرفوضة
يشير الدكتور البيانوني إلى الحبّ الإيجابي، هو الحبّ الحكيم المتّزن، القائم على المنهج بأصوله ومبادئه، لا على دغدغة العواطف الآنيّة، أو المواقف المريبة. ولا بدّ من التنبيه عمّا قد يلتبس به الحبّ المطلوب من أمور تخرج به عن مساره، وتستغلّ شرف مكانته، ونبل دوافعه. ومن هنا فقد وجب التنبيه والتأكيد على ضرورة بُعد المعلّم المربّي غاية البعد عن أيّ موقف أو تصرّف من هذا القبيل. فليراقب المعلّم المؤمن ربّه، وليحاسب نفسه، وليعلم أنّ الناقد بصير، وأنّ الله تعالى مطّلع خبير. فإنّ الاحتياج للحب أهمّ احتياجات الإنسان وأرقاها. بل إنّه محور احتياجات الإنسان، فكيف لا يوليه التربويّون الاهتمام المناسب، في وضع البرامج والمناهج، وإقامة الدورات التأهيليّة والتطويريّة.؟! وكيف لا ينال ما يناسب أهمّيّته وقدره من المعلّم الذي هو أهمّ إنسان في حياة الطفل بعد والديه.؟!

اقرأ أيضا