أزهار البياتي (الشارقة) رمضان شهر الصيام والقيام والطاعة، شهر الخير والرحمة والبر والإحسان، بكل ما فيه من روحانيات إيمانية نقيّة، وأعمال حسنة وخيّره، يتوجه بها العبد المسلم طلبا للعفو والمغفرة، فيهّذب نفسه، ويرتقي بسلوكياته، ولعل المتأمل في فضائل رمضان الكريم يكتشف كيف أن هذا الشهر المتميّز عند كافة المسلمين يعد مدرسة تربوية شاملة. تكافل مجتمعي وعن بعض هذه السلوكيات الحسنة تقول إيمان جاسم «تربوية»: نحن مجتمع مترابط ومتكافل مع بعضه البعض، ومع قدوم شهر الطاعة تحل البركة ويعم الخير في ربوع البلاد، فنجد الناس هنا يتسابقون لعمل الخير وتقديم التبرعات والمساعدات للفقراء والمحتاجين، سواء من ذوي الأرحام والأقرباء أو غيرهم، مما يضفي على رمضان أجواء روحانية مفعمة بنفحات المودة والرحمة، تتقوى من خلالها أواصر الروابط العائلية والاجتماعية، وتنمو معها طيب المشاعر الإنسانية التي تذّوب الفوارق بين الأغنياء والفقراء، لتعود وتحيا عادات وتقاليد موروثة من زمن الماضي الجميل، نابعة من أصالة الآباء والأجداد، حيث جرت العادة أن يتهادى جيران الحي الواحد «الفريج» في أيام رمضان، أطباق الطعام قبل موعد الإفطار، وتقدم الكثير من الإعانات المادية والعينية إلى بيوت الأسر المحتاجة خاصة من تلك الفئات إلى تفتقد الأب والمعيل من الأرامل والأيتام. وأشارت إلى أن ظاهرة وجود خيام رمضان الجماعية، والتي يفطر فيها أعداد غفيرة من العمال وعابري السبيل منصوبة بين مختلف الأحياء السكنية أو قرب الميادين العامة، ظاهرة منتشرة في جميع أنحاء ومناطق ومدن الإمارات وحتى قراها القريبة والبعيدة، سواء من تتم بإشراف ودعم من دوائر الأوقاف في كل إمارة، أو تلك التي تتولاها العديد من الجمعيات الخيرية هنا وهناك، بالإضافة إلى رواج ظاهرة تبرع العديد من الأسر الميسورة الحالة بكفالة إفطار العديد من الصائمين وطوال أيام الشهر الفضيل تقربا لله ورحمة بعباده . مظاهر واستعراض وعلى الرغم من هذا السلوك والتقليد الإسلامي النبيل، تخرج علينا أحيانا ظاهرة سلبية دخيلة وفردية مقابلة لا تمت لأصالة مجتمعنا وقيمه الأخلاقية بصلة، تستهجنها الشابة بيان قمبر «27 عاما»، وتقول: مع تزايد الارتباط بوسائل التواصل الاجتماعي والشغف بمتابعة تفاصيل حياة الآخرين عبر أجهزة الجوال، يتباهى الكثيرون باستعراض المظاهر وكثرة البذخ والإسراف. وتضيف: زحفت هذه الآفة لتطال الشهر الكريم أيضا، وكأن عبادة الصيام والقيام تحّولت إلى مهرجان للأكل واستعراض أطباق الطعام المتخمة على الشاشات من برامج الانستجرام وخلافه، وكأنه صار مباراة تنافسية على أجمل مائدة وأفخم تقديم وأغلاه، غير آبهين بمشاعر الآخرين من أسر المعوزين والمحتاجين، غافلين عن الهدف الاجتماعي والغرض الحقيقي من صوم رمضان في الإسلام، والذي يتجلى من خلال إشعار المسلم بألم الجوع وأثر الفاقة التي يعاني منها الفقراء والمعوزون، وفي سبيل أن يتحول المجتمع الإسلامي بكافة أطيافه وطبقاته إلى مجتمع متكافل ومنسجم، يستشعر فيه الغني بألم الفقير ومعاناته، فيراعي مشاعره ولا يتعالى عليه متفاخرا بجاه ونعم هي من عند الله الوهاب، فرمضان مناسبة مثلى ليتساوى فيه الجميع ويجوع فيه الجميع جوعا واحدا وإمساكا واحدا إفطارا واحدا، فيقوى نسيج المجتمع وتقترب المشاعر وتتوحد القلوب. فرصة للتسامح وتقول ربة الأسرة منال جندلي «40 عاما»، عن بعض السلوكيات التقليدية المعتادة خلال شهر الصيام: لرمضان نكهة خاصة وطابع متميّز، حيث تتأصل من خلاله العلاقات الاجتماعية وتكثر التجمعات العائلية والزيارات الودية المتبادلة بين الأقارب والأصدقاء والجيران، ليمثل فرصة نموذجية للتسامح والتراضي وإزالة أي مشاعر لسوء الفهم أو الضغينة والكراهية بين النفوس، وكأنه وقت مقتطع من شهور السنة للتصالح مع النفس والغير في ذات الأوان، فرمضان يجمع ولا يفرق، معززا روابط المودة والإخاء بين البشر، وكأن الفرد المسلم يتحّول إلى شخص أكثر مغفرة وقبولا للآخر، ونفسه مهيأة للبدايات الجديدة مع من حوله ومحيطيه، فتقترب عبره القلوب وتزداد اللقاءات العائلية وتعقد المجالس الرمضانية والأمسيات التي تجمع الأهل والأحباب، وهو طقس رمضاني وسلوك إسلامي جميل ومتبّع في عموم منطقة الخليج والوطن العربي. مجالس رمضانية وتكمل: في المقابل فإن هذا التقليد الاجتماعي الشائع في هذا الشهر أصبح يأخذ أحيانا منحنى آخر يخرجه عن مقصده المعنوي المطلوب، حيث تحولت فيه هذه المجالس الرمضانية، والتي من المفروض أن تتعمق فيها العلاقات الإنسانية وتتبادل عبرها أطراف الحديث المجدي، وتتدارك من خلالها العبّر والأحكام الدينية والشرعية، متناقلة الخبرات والنصائح المفيدة بين الأجيال المختلفة، بحيث يستغل جزء منها بأحاديث الذكر والسيرة النبوية والدعاء، إلى تجمعات تسالي فارغة المحتوى، تخصص بالكامل لقضاء الوقت باللهو واللعب والنميمة، منقلبة عند البعض من مجالس خيّرة يكتسب عبرها الأجر والثواب، إلى مناسبة لضياع الوقت. الجندي الصائم إبراهيم الحمادي طالب في كلية الطب، وصف بعض السلوكيات الإيجابية التي كانت شائعة قديما في رمضان، وكيف أنه كان شهر للجهاد والفتوحات، موضحاً أنه لهذا الشهر المبارك قدسية ومكانة خاصة عند جموع المسلمين، كيف لا وهو الشهر الذي خطت عبر أهم الغزوات والانتصارات الإسلامية في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء من الصحابة والتابعين من بعده، والتاريخ الإسلامي يشهد بهذه الحقيقة، فأغلب الغزوات والمعارك التي قادها المسلمون تزامنت مع رمضان، وكانت ولله الحمد تكلل دوما بالفوز والانتصار، حيث كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحرص على خوض غالبية غزواته في هذا الشهر كمعركة بدر الكبرى وفتح مكة، وذلك لعلمه اليقيني بفضله وتوجيها تربويا منه للفرد المسلم في سبيل تهيئة الذات والاستعداد لاحتمال الشدائد في أيام الحرب والسلم، وهنا تجتمع لدى الجندي الصائم عناصر مجاهدة النفس، قوة الإيمان، والصبر والثبات في المعركة، مع العزم والإصرار على النصر، ولعل جنودنا البواسل يواصلون الليل بالنهار لحفظ الوطن وخدمة المواطن وضمان أمنه وسلامته، وهم صائمون خير دليل على عظمة وقيمة العمل وأجره في رمضان. آلاء الشاعر ترصد ظاهرة سلوكية سلبية لتكاثر غياب البعض عن العمل وقلة الإنتاج في رمضان على الرغم من ارتباط هذا الشهر المبارك بأهم المعارك والانتصارات الإسلامية منذ زمن النبوة، وبالإضافة إلى فضل العمل ومجاهدة النفس، والأجر العظيم الذي يحتسبه الله للمسلم الصائم والمجاهد لنفسه، فإننا مع الأسف نجد بعض السلوكيات الخاطئة لشريحة كبيرة من العاملين والموظفين من الجنسين، فبدل أن يستغل رمضان في تحسين أداء العمل ومضاعفة الثواب وحسن التعامل مع المراجعين، نجد أن البعض منهم ملتهيا بكثرة السهر وتضيع وقته بالتسلية ومتابعة المسلسلات والبرامج التلفزيونية حتى ساعات الفجر، بحيث يصحو صباح اليوم التالي مجهدا ومرهقا بسبب قلة النوم، متخاذلا عن أداء مهامه الوظيفية المعتادة، ومعطلا مصالح الآخرين بعذر الصوم والتعب، وكأن صيامه أجاز له فرصة للتكاسل والتأخر والغياب عن عمله، متناسيا ومتجاهلا وزر هذا الأمر، ومحللا لذاته ما ينهى عنه الله ورسوله من مشروعية الصيام الصحيح وفضل العمل ومجاهدة أهواء النفس في رمضان.