صحيفة الاتحاد

تقارير

الإجلاء الطبي.. كعب أخيل الحرب على كوريا الشمالية

هل الولايات المتحدة على شفا الحرب مع كوريا الشمالية؟ يشعر العديد من المراقبين بالقلق من أن يكون الجواب نعم - ولكن بالنسبة للحرب التقليدية وليس الحرب النووية، فمثل هذه الحرب من شأنها أن تضع عشرات الآلاف من أفراد الجيش الأميركي المتمركزين في كوريا الجنوبية في طريق الخطر، مع تكاليف بشرية باهظة - والكثير من الوفيات - أكثر مما شهدته الولايات المتحدة في صراعاتها العسكرية الأخيرة.
فما مدى اختلاف تلك النتائج؟ انظروا إلى أعداد القتلى الأميركيين في أفغانستان والعراق. لقد ذكرت وزارة الدفاع أن 1843 من أفراد الجيش الأميركي قد لقوا مصرعهم في «عملية الحرية الدائمة» في أفغانستان و3481 في «عملية حرية العراق». في هذه الصراعات الأخيرة، مالت نسبة الجرحى في مقابل القتلى إلى أسفل بشكل حاد مقارنة بما كانت عليه في الماضي. وفي التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، كانت نسبة المصابين إلى القتلى 3 إلى 1 تقريباً. وفي العراق وأفغانستان تغيرت هذه النسبة لتصبح 10 إلى 1.
وهذا التغيير في النسبة مهم للفهم - لأنه يساعدنا على معرفة لماذا ستكون الوفيات في الحرب الكورية مرتفعة للغاية.
لماذا كانت الوفيات بين العسكريين الأميركيين منخفضة، في حين أنها ستكون مرتفعة في كوريا الشمالية؟ هناك أربعة عوامل تؤدي إلى تحسين نسبة الجرحى في مقابل القتلى، وهي التحسينات المدخلة على الرعاية الوقائية، بدءاً من التطعيمات إلى المرافق الصحية الميدانية، ووجود رعاية طبية أفضل في ميدان المعركة، واستخدام معدات وقاية شخصية أكثر فاعلية، وإدخال تكنولوجيات الإجلاء الحديثة.
وبالنسبة للقوات الأميركية، سيظل العاملان الأول والثاني قائمين في شبه الجزيرة الكورية. أما بالنسبة للعامل الثالث، وهو استخدام معدات وقاية شخصية أكثر فاعلية، فربما يكون استثناءً ممكناً نظراً لأنه يضم الخوذات والدروع الواقية وأقنعة الوقاية من الغاز، ولأن الجيش الأميركي لم يواجه هجوماً بالأسلحة الكيميائية منذ الحرب العالمية الأولى، فإن أقنعة الغاز الحديثة لم تختبر في المعركة على نطاق واسع. ومن شأن حرب مع كوريا الشمالية - التي من المتوقع أن تنشر أسلحة كيميائية - أن تغير هذا.
وبالنسبة لأي من هذه التطورات الطبية لزيادة احتمالات إنقاذ الأرواح، يتعين على الولايات المتحدة أن تكون لديها القدرة على إجلاء جرحاها سريعاً عن طريق الجو، وقد أحرز الطب القتالي الحديث تقدماً كبيراً في وقف إراقة الدماء، على سبيل المثال، لكن هذه الإجراءات عادة ما تكون مؤقتة، ويتم تنفيذها للإبقاء على المريض على قيد الحياة حتى يتم نقله جواً إلى أحد المرافق عالية المستوى لعلاج الصدمات.
وقد كان هذا ممكناً في العراق وأفغانستان، حيث كانت الولايات المتحدة لديها سيطرة غير متنازع عليها على السموات، بيد أن هذا لن يكون صحيحاً في شبه الجزيرة الكورية، على الأقل في البداية. وعلى الرغم من أنه من المحتمل للغاية أن تهزم الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية القوات الجوية لكوريا الشمالية سريعاً، إلا أن الهجمات المدفعية والقذائف الصاروخية التي يشنها كيم جونج أون من على الأرض ربما تجعل من الصعب بالنسبة للجيش الأميركي أن يجلي جرحاه. وإذا أمكن نقل عدد أقل من أفراد الجيش المصابين جواً إلى مراكز الرعاية الطبية اللازمة، فإن العدد الأكبر من الأفراد العسكريين المصابين سيموتون، وبالطبع إذا استخدمت كوريا الشمالية أسلحة نووية و/‏‏ أو كيميائية، فإن أعداد الوفيات سترتفع بشكل كبير.
في شهر أكتوبر، كنت أراقب محاكاة أجريت في جامعة الطيران الأميركية، التي تضم كلية الحرب الجوية للقوات الجوية، استناداً إلى السيناريو التالي: ماذا لو تعرضت قاعدة جوية أميركية في كوريا الجنوبية لضربة جوية تقليدية من كوريا الشمالية؟ عند العلم بأن المدرج قد دُمر، وأن الطائرات وغيرها من المعدات اللازمة عسكرياً قد تضررت، اضطر الأطباء إلى التحرك سريعاً، وإعادة التفكير في بعض المبادئ الأساسية للعلاج الطبي في ساحة المعركة، ولأنهم كانوا يعلمون أنهم لن يتمكنوا من إجلاء حالات الإصابة جواً، وبافتراض أن القاعدة كانت مغلقة، فإن ممارسات فرز الحالات وعلاجها كانت يجب أن تتغير. كانت هناك بعض الإصابات التي من الممكن إنقاذها إذا كان الإجلاء الجوي متاحاً - لكن الأمل كان ضعيفاً أو معدوماً دون إجلاء، ولذا فلم تحصل هذه الحالات سوى على مسكنات الألم. يناقش العلماء والمراقبون ما إذا كان الناخبون الأميركيون سيهتمون بقتلى الجيش الأميركي وما قدر اهتمامهم. ويزعم بعض العلماء أن الشعب الأميركي حساس للغاية بالنسبة للإصابات، لا سيما في المناطق التي تضم عدداً كبيراً نسبياً من المواطنين في الخدمة العسكرية - وبالتالي فهم معرضون لخطر الإصابة أو القتل. ويزعم آخرون أن الشعب المستقطب بشكل متزايد يولي اهتماماً أكبر للكيفية التي تؤطر بها النخب الحزبية الصراعات العسكرية وتداعياتها. وهناك فريق ثالث من العلماء يقول إن الشعب يكون غير مبالٍ نسبياً بالإصابات إذا كان يتوقع تحقيق انتصار عسكري – ولكنه، على العكس من ذلك، من غير المرجح أن يؤيد حرباً عندما يكون احتمال الفوز ضعيفاً. وقد يعتمد الدعم الشعبي على فترة استمرار الحرب، وربما يقلل صناع السياسة من زمن العمليات العسكرية للحد من الإصابات في الأوقات التي تسبق الانتخابات. ولكن كيف يستجيب الشعب إذا قُتل عدد أكبر من أفراد الخدمة؟ هذا أمر من الصعب التنبؤ به، كما أنه ليس من السهل التنبؤ بما إذا كان الارتفاع في احتمال الوفاة سيعرقل تجنيد جيش من المتطوعين.
ومع ذلك، فإننا نعلم أن النجاحات التي حققها الطب العسكري الأميركي مؤخراً قد اعتمدت على الإجلاء الجوي - الذي سيكون من الصعب تحقيقه في حرب كورية جديدة، وهذا يعني أن عدداً أكبر بكثير من أفراد الخدمة سيموتون بالتأكيد حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.

* أستاذ مشارك للعلوم السياسية في جامعة مينيسوتا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»