الاتحاد

الملحق الثقافي

قامة ملح.. أنا

حوار
أحاول أن أصنع المستحيل.. لقد كبرت وأشعر بوحدتي المتوحشة، حدقتي هرمة، إنني بعين واحدة وفقدت الأخرى في شجار.
يقولون لي: لك عيون كثيرة مبثوثة في كل جسدك، أنت ترى بجسدك وليس بعينيك، أحياناً، أقف أمام المرآة.. أغرس سبابتي في عيني المفقوءة.. وأصرخ وأصرخ.. ليس من الألم، بل لتذكري الأحداث التي أصابتني.
ما الذي فعله ذلك الأخرق؟.. هو حوار ساخن ليس غير. كنت متشبثاً بفكرتي وكذلك هو، لكن المشكلة في السيطرة الغبية. هناك محنة في هذا العالم، محنة حصار بغداد: الحريات في الوطن العربي.. المجتمعات الاستهلاكية.. القتل من أجل الجنس والشرف.. والحرب على الإرهاب.
كنت أود أن أحاور من غير قبضات.
ذلك الأحمق الكبير لكمني ثم غرس سبابته في عيني اليسرى، ما الذي سأفعله بعد ذلك.. كان علي ألا أتكلم بخفة وسخرية.. لماذا قلت له ذلك؟ لماذا؟
أجدادنا.. كانوا يقتلون من أجل كلمة، وأنا أخاف أن أخسر عيني الأخرى أو يدي، هناك من فقد يده أثناء حوار سفسطائي.. لا أتذكر اسمه، لقد فقدها من ضربة عكاز حملت إليها الغرغرينا.. الغرغرينا في روحي.. إنها تنتقل عبر الهواء من شخص إلى شخص آخر.. ومن رجل إلى طفل ومن طفل إلى رحم امرأة، حريتي أن أقول وأقول، إنه مجرد قول.. لقد أصبح الكلام كالرصاص يقتل ويسطو ويسجن، اللعنة على ذلك اليوم، أبداً لن أنساه. لقد تزامن قلع عيني مع سقوط برجي التجارة العالميين، العالم شاهد سقوطهما ولم يشاهد سقوط حدقتي.
بعد أن علقت عيني بظفر سبابته بصق عليها وزعق قائلاً: كان علي أن أقتل تلك العين الوحشية منذ زمن بعيد. صرختي حينذاك.. لوّنت الجدران والأوراق والكتب والثياب والأجساد المصفوفة حول الطاولة المستديرة. لماذا قلت له ذلك؟ لماذا قلت له: أيها الأعمى؟. وكنت أعرف أنه أعمى وأنه يضع عينين زجاجيتين بعد أن فقد عينيه أثناء حوار سفسطائي مثلما حدث معي.

تفسخ
أود أن أتكلم عن شيء ما.. عن شيء لا أعرف ما هو. صدقوني، أجهل ما أقول: حاولت مراراً فتح فمي والحديث عما يخطر ببالي، لم أوفق، ولم أستطع أن استفز نفسي لتتكلم: نفسي المحلقة عالياً خارج المكان، وداخل دوامة الخيال والتخيل والصمت. فمي مغلق كالعادة.. كأنه محشي بالأسمنت. مرة.. في الطريق، ابتسمت لي فتاة.. قلت في سري هذه هي زوجة المستقبل.. حلمت بلحمها المتجمر يتجمع بين كفي.. وبأنفاسها الحارثة تأكل يباسي.. مشيت خلفها إلى أن اختفت في الزحام، بعد أن ملت قرقعة كعب حذائي، أنا هكذا ولا أعرف لِمَ أنا هكذا؟ أود أن أتكلم.. ولا أعرف كيف؟
الزقاق الطويل المتآكل، الذي يقود إلى بيتنا.. عبرته حافياً في طفولتي والآن أعبره بحذاء مثقوب. أنا بلا عمل، كنت أعمل في دبغ الجلود. الملح فسخ يدي ورئتي ولحمي. قامة ملح أنا.. مالح أنا مع نفسي ومع الذين أحب أن يصبح بيننا خبز وملح.
ماذا أفعل..؟ أحاول أن أفعل شيئاً ما.. لكنني لا أعرفه، كيف سأعرفه، قولوا لي أرجوكم؟.
* سوريا

اقرأ أيضا