الاتحاد

تقارير

شرق أوكرانيا.. تركيع أم تجويع؟!


في منتصف ديسمبر، وقع الرئيس أوباما قانون «دعم حرية أوكرانيا»، ويتيح فرض مزيد من العقوبات على روسيا، ويدعو لإمداد كييف بالمساعدات للنازحين داخلياً، والتعاون مع المنظمات الدولية لتوزيع المساعدات في أوكرانيا.
وهناك حاجة ماسة لمثل هذه المعونات في شرق أوكرانيا. فمعظم البنية التحتية لمدينتي دونيتسك ولوهانسك تم تدميرها، إلى جانب قطع إمدادات الفحم والغذاء، بينما قامت كييف بتجميد المعاشات الحكومية وغيرها من المدفوعات المقدمة إلى المنطقة في شهر نوفمبر. ومع اقتراب ظروف الشتاء القارسة، فإن مخاطر تفشي المجاعة والموت أصبحت حقيقية. وكما ذكرت الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية، فإن كارثة إنسانية تلوح في الأفق.
وللأسف، فإن التصريحات الأخيرة للعقيد «أوليكسي نوزدراتشوف»، رئيس وحدة التعاون العسكري والمدني في شرق أوكرانيا، تظهر أموراً مثيرة للقلق بالنسبة لموقف كييف من الأزمة. فبينما ترى الأمم المتحدة أن هناك كارثة تلوح في الأفق، ربما ترى كييف في ذلك فرصة.
وتتمثل استراتيجية كييف، كما ذكر «نوزدراتشوف» لصحيفة «يو إس إيه توداي»، في استمرار حجب الخدمات الحكومية عن المناطق التي يسيطر عليها المتمردون أملًا في أن تسهم زيادة المعاناة في تحول السكان المحليين ضد الانفصاليين. وقال العقيد: «هذا يثبت للسكان في الأرض المحتلة أن الوضع في ظل الحكومة الأوكرانية أفضل بكثير». وعلاوة على ذلك، ذكر تقرير لمنظمة العفو الدولية أن «كتائب المتطوعين تحظر وصول المساعدات الإنسانية إلى شرق أوكرانيا، في خطوة ستؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية المعلقة».
إن كييف ومعظم عواصم العالم، تنظر إلى أمراء الحرب الذين يسيطرون على دونباس باعتبارهم فاقدي شرعية. إن تقديم المساعدات للمدنيين المحاصرين في أزمة لا يعد تهدئة أو تفاوضاً مع إرهابيين، إنه مبدأ أساسي: منع فقدان الأرواح بسبب المجاعة.
وأي قرار لاستخدام الوضع المأساوي في شرق أوكرانيا كسلاح ليس فقط مرفوضاً من الناحية الأخلاقية، ولكن بالتأكيد ستكون له انعكاسات سلبية بالنسبة لكييف نفسها. وما زال الأوكرانيون في الغرب لم ينسوا أبداً سياسات الإبادة الجماعية للزعيم الروسي «جوزيف ستالين» التي وظف فيها التجويع كسلاح، ومن غير المرجح أن يسامح السكان الناطقون بالروسية في دونباس كييف على تجويعهم لكي يخضعوا.
ولا تستطيع أوكرانيا تحمل أن تصبح دونيتسك ولوهانسك منطقة صراع دائم مثل ترانسنيستريا في مولدوفا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا، وهي مناطق تستفحل فيها عداوات طال أمدها، تمنع قيام وحدة وطنية حقيقية في تلك الدول. كما أن أوكرانيا تترنح منذ فترة طويلة على حافة الانهيار الاقتصادي. ولذا فإن تعويمها اقتصادياً سيكون مشروعاً ضخماً وفق أكثر التقديرات تفاؤلًا، وربما يكون من المستحيل تحقيق ذلك دون المراكز الصناعية والموارد الطبيعية في مدينتي دونيتسك ولوهانسك. وأفضل فرصة لأوكرانيا لدرء وقوع كارثة اقتصادية هي المضي قدماً كدولة متحدة، ولذا، فهي بحاجة إلى استعادة الأوكرانيين الشرقيين.
إن هذا يمثل تحدياً، ولا يمكن تجاوزه ببساطة باستعادة الأراضي ورفع العلم الأوكراني. إن أوكرانيا الشرقية منفصلة عن باقي البلاد بسبب التمرد، وهناك فجوة ثقافية ولغوية وحتى دينية، حيث تتوافق واحدة من الكنائس الأرثوذكسية الرئيسية مع كييف، بينما تتوافق الأخرى مع موسكو. إنها فجوة ضبابية في بعض المدن وأحياناً بعض الأحياء والأسر. وحتى العام الماضي، لم تكن التعددية عقبة لا تقهر أمام الوحدة الوطنية -ولو كانت كذلك، لتفككت أوكرانيا في أوائل التسعينيات، كما هو الحال مع يوغوسلافيا وتشكوسلوفاكيا. ولكن بعد 4700 حالة وفاة في شرق أوكرانيا والقرم، وتشرد أكثر من مليون شخص واستمرار القتال، فقد ازدادت الهوة عمقاً.
وقد ذكر «بوروشينكو» أنه سيلتقي في 15 يناير مع قادة فرنسا وألمانيا وروسيا لبحث تسوية سلمية في أوكرانيا. وفي موسكو، أعلنت روسيا أنها ستواصل تزويد أوكرانيا بالنفط، بينما سيتم تبادل السجناء بين أوكرانيا وقوات التمرد في إطار محادثات سلام منفصلة في «مينسك». وتعد هذه التحركات محل ترحيب، ولكن هل يمثل ذلك حلاً للملايين من أصحاب المعاشات والمدنيين الآخرين الجائعين في دونباس؟

كيف جولينكين
مؤلف من شرق أوكرانيا ويقيم في أميركا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. تي. سي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا