الاتحاد

تقارير

تركيا وتحديات الحالة الكردية

كان الهدف من العملية بسيطاً وإنسانياً: استعادة الجثث الأربع التي تعفنت لأسابيع في مدينة ديار بكر التي تعاني من تبعات العنف في جنوب شرق تركيا. وقد تم إنفاذ وقف إطلاق النار لفترة وجيزة في محادثات غير مباشرة بين السلطات التركية المحلية والمسلحين الأكراد الذين يتحصنون في منطقة تاريخية في المدينة. ولوهلة، بدا أن حزمة من العوامل قد تضافرت من أجل تحقيق النجاح، فقد تحولت سيارات الإسعاف ومسؤولون محليون وجماعات حقوقية وقوات الأمن ووسائل الإعلام للقيام بعملية الاستخراج، بهدف تخفيف معاناة العائلات الثكلى المضربة عن الطعام.
ولكن بعد مرور ساعة، اندلعت الاشتباكات مجدداً، وألغيت الخطة، وتراجع الجميع سريعاً، في دليل على أن كلاً من تركيا وحزب العمال الكردستاني المحظور ليست لديهما أي نية للتراجع في هذه المرحلة من الصراع الذي استمر عقوداً مديدة.
وعندما تجدد القتال في يوليو، أنهى عملية سلام استمرت عامين وشهدت ازدهار الثقافة الكردية وازدياد المشاركة السياسية، بيد أن كلاً من الطرفين يشعر الآن بأن الوقت قد حان للضغط لصالحه عسكرياً، بحسب ما يقول محللون.
وبتعزيز من الانتخابات البرلمانية التي شهدت استعادة حزب الرئيس رجب طيب أردوغان للأغلبية، تبدو الحكومة عازمة على سحق حزب العمال الكردستاني قبل أن تفكر في العودة إلى المحادثات.
ومن جانبه، شجعت حزب العمال النجاحات العسكرية الكردية في سوريا وزيادة حضور ودور المقاتلين الأكراد لكونهم الحليف الحيوي في القتال الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش».
بيد أن نجاحات الأكراد نفسها ضد «داعش»، التي خلقت رقعة أكثر تماسكاً من أراضي الحكم الذاتي الكردي في شمال سوريا، ضخمت مخاوف تركيا بشأن الوضع الكردي على الجانب الخاص بها من الحدود. ويقول «محيي الدين كيليك»، وهو تاجر في ديار بكر إن «هذه الحرب التي تدور في المدن هي نتيجة الصراع في سوريا. إن تركيا لا تقبل الكانتونات الكردية التي أقيمت هناك، ولكن الأكراد لن يتراجعوا الآن. ليست لدينا مشكلة مع الشعب التركي ولكننا نريد إدارة ذاتية»! واليوم، تبدو آفاق السلام بين تركيا وحزب العمال ضئيلة على نحو متزايد.
وكثيرون في ديار بكر، التي يرى الأكراد الأتراك أنها عاصمتهم، يشعرون بالقلق لأن حزب العمال الكردستاني -الذي يشغل معسكرات في جبال قنديل بشمال العراق- سيشن هجمات أكثر خطورة بحلول فصل الربيع وذوبان الثلج. وتقوم المقاتلات التركية بانتظام بقصف المتمردين الأكراد فيما تصفه بأنه حرب أوسع على الإرهاب، بما في ذلك الحرب على مسلحي «داعش»، بيد أن المنتقدين الأتراك يقولون إنها تكرس المزيد من القوة العسكرية لقتال الأكراد.
وكان القتال قاتماً ولاسيما في المناطق الحضرية، مع فرار عشرات الآلاف من ديارهم لتجنب مخاطر إطلاق النار المتبادل. ويصف كثيرون هذه بأنها أسوأ أعمال عنف منذ العقد المظلم في التسعينيات، والأكثر وحشية لأنه يدور في المناطق الحضرية بدلًا من المناطق الريفية. ويمثل الأكراد رابع أكبر جماعة عرقية في الشرق الأوسط، بيد أن طموحات قيام الدولة لديهم كانت قد أحبطت عقب الحرب العالمية الأولى. وفي تركيا، يمثلون خمس السكان -20 مليون نسمة وفقاً لمعظم التقديرات- وطالما طالبوا بالحصول على حقوق لغوية وثقافية أكبر، وكذلك بمزيد من الحكم الذاتي. عندما كان أردوغان رئيساً للوزراء، اتخذت حكومته بعض الإصلاحات، وكان حاسماً في بدء محادثات مع حزب العمال، توجت بخطة سلام من عشر نقاط، بيد أن الخوف من صعود دور الأكراد في سوريا، إلى جانب وقف إطلاق النار، تُرجم إلى موقف أكثر تشدداً ضد حزب العمال.
ويرى كثيرون في ديار بكر هذا التحول على أنه عقاب لنجاح حزب موالٍ للأكراد في دخول البرلمان في شهر يونيو على حساب مقاعد حزب أردوغان الحاكم، وبعد فشل محادثات الائتلاف، استعاد الحزب الحاكم أغلبيته في انتخابات نوفمبر، وكان البعض يحدوهم الأمل في أن تُستأنف المحادثات عقب الانتخابات. وبدلًا من ذلك، تصاعدت أعمال العنف، لتعكس أجندات جديدة في كلا المعسكرين.
ومن ناحية أخرى، أصبح حزب العمال الكردستاني أكثر تحفزاً بعد النجاحات التي حققها أتباعه في سوريا، وفي تركيا، استفادت الحركة المتشددة من سنوات وقف إطلاق النار لتخزين الأسلحة في المناطق الحضرية في أجزاء من جنوب شرق تركيا، وهذا ما زاد التصعيد والاحتقان.

*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا