صحيفة الاتحاد

دنيا

برحيل أسامة أنور عكاشة.. الدراما العربية تخسر عميدها

.. ورحل اسامة أنور عكاشة عميد الدراما العربية

.. ورحل اسامة أنور عكاشة عميد الدراما العربية

توفي الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة صباح أمس الجمعة، بعد الأزمة الصحية الأخيرة التي تعرض لها ودخل على أثرها مستشفى وادي النيل بالقاهرة قبل أسبوعين عن عمر يناهز 69 عاما، وبعد رحلة طويلة مع المرض بدأها بعملية استئصال الكلية اليمنى بمركز الكلى الدولي بالمنصورة، وبعدها تعرض لعدة أزمات في الجهاز التنفسي كان آخرها الأزمة التي تعرض لها مؤخرا، وتم وضعه على جهاز التنفس الصناعي داخل غرفة العناية المركزة حتى وافته المنية.
وأسامة انور عكاشة أحد أهم المؤلفين وكاتبي السيناريو للدراما المصرية، وتعتبر أعماله التليفزيونية الأهم والأكثر متابعة في مصر والعالم العربي، والكاتب الراحل غير وجه الدراما التليفزيونية، ونقل الرواية من الورق إلى الشاشة، وهو واحد ممن صنعوا البهجة واحتفظوا بالكثير من ذاكرة الأمة. فقدم في ليالي الحلمية تاريخا اجتماعيا واقتصاديا لمصر أنصف فيه المصريين بكل تناقضاتهم وتاريخهم.

مولده ونشأته
وينتمي عكاشة إلى جيل الستينيات، وكان واحدا من أهم المؤلفين وكتابي السيناريو للدراما المصرية، تعتبر أعماله التليفزيونية الأهم والأكثر متابعة في مصر والعالم العربي، عرف طريقه إلى قلوب البشر بصدق الكلمة، ورشاقة المعنى، ونجحت أعماله في خلق جيل جديد من كتاب السيناريو القادرين على الإبداع وإمتاع المشاهد، عوضا عن تقديم أعمال تليفزيونية لمجرد التسلية.
ولد الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة بمدينة طنطا عام 1941م وكان والده يعمل في التجارة بمحافظة كفر الشيخ، وهي المحافظة التي ينتمي إليها، أما مدينة طنطا فهي المدينة التي نشأت فيها والدته، تلقى تعليمه الابتدائى والثانوي بمدرسة كفر الشيخ الابتدائية الثانوية وحصل على الشهادة الثانوية عام 1958م والتحق بكلية الآداب قسم الدراسات الاجتماعية والنفسية، جامعة عين شمس التي تخرج فيها عام 1962م، وقد كانت أولى محاولاته في مجال التأليف خلال فترة الدراسة بالجامعة وفور تخرجه في الجامعة عمل أخصائياً اجتماعياً في مؤسسة لرعاية الأحداث، ثم عمل مدرسا في مدرسة بمحافظة أسيوط، ثم انتقل للعمل بإدارة العلاقات العامة بكفر الشيخ، وبعدها في رعاية الشباب بجامعة الأزهر، إلى أن جاء عام 1982م ليتغير مجرى حياته تماما حيث قدم استقالته من الحكومة ليتفرغ للكتابة والتأليف.

أعماله
كتب عكاشة أكثر من 40 مسلسلا تليفزيونيا بالإضافة إلى عدد من الأفلام السينمائية والمسرحيات وهي التي حفرت اسمه في الذاكرة كمؤلف مصري، وقد جاءت شهرته الحقيقية كمؤلف مع مسلسل «الشهد والدموع» والذي كتب له البداية عند الناس خاصة البسطاء من أهل بلده.
توالت بعد ذلك المسلسلات التي كتبها عكاشة والتي نالت شهرة واسعة ونجحت في تغيير شكل الدراما التلفزيونية ومنها: «المشربية»، «ليالي الحلمية»، «ضمير أبله حكمت»، «زيزينيا»، «الراية البيضا»، «وقال البحر»، «ريش على مفيش»، «لما التعلب فات»، «عصفور النار»، «وما زال النيل يجري»، «آرابيسك»، «امرأة من زمن الحب»، «أميرة في عابدين»، «كناريا وشركاه»، «عفاريت السيالة»، «أحلام في البوابة»، «المصراوية»، «الحب وأشياء أخرى»، «رحلة السيد أبو العلا البشرى»، و»الحصار».
وفي مجال السهرات التليفزيونية كتب عكاشة أيضاً‏ خمس عشرة سهرة دراميــــة أهمها: «حــب بلا ضفاف»، «سكة رجوع»، «الغائب»، «الملاحظة»، «مشوار عيد»، «البراءة»، «الكمبيوتر»، «الشرير»، «العين اللى صابت»، و»تذكرة داود»
وفي مجال السينما كتب عكاشة مجموعة من الأفلام السينمائية أهمها: «كتيبة الإعدام»، «تحت الصفر»، «الهجامة» «دماء على الإسفلت»، «الطعم والسنارة»، و»الاسكندراني»، أما في مجال المسرح فكتب مسرحية «القانون وسيادته» التي قدمتها فرقة مسرح الفن عام 1988م، و»البحر بيضحك ليه» التي قدمتها فرقة الفنانين المتحدين عام 1990م، و»الناس اللي في الثالث» وقدمتها فرقة المسرح القومي عام 2001م، ولاقت نجاحا كبيراً.
وقدم أسامة أنور عكاشة مجموعة من الأعمال الأدبية أهمها مجموعة قصصية بعنوان «خارج الدنيا» وهي صادرة عام 1967م من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ورواية «أحلام في برج بابل» عام 1973م، ومجموعة قصصية بعنوان «مقاطع من أغنية قديمة» صادرة عام 1985م، ورواية «منخفض الهند الموسمي» وصدرت عام 2000م ورواية «وهج الصيف» وصدرت عام 2001م، كما قام بتأليف عدد من الكتب منها كتاب «أوراق مسافر» وهو صادر عام 1955م وكتابي «همس البحر» و»تاريخ خريف» وهما صادران في نفس العام.

أوسمة وجوائز
وينتمي أسامة أنور عكاشة إلى عدد من الهيئات فهو عضو اتحاد كتاب مصر وعضو نقابة المهن السينمائية، وقد حصل على العديد من الأوسمة والجوائز أهمها جائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2002م، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون لعام 2008م.
وأسامة أنور عكاشة هو روائي الدراما التلفزيونية بامتياز، قبله كان الأمر مجرد تسلية لكنه في الحلمية قدم خليطا من المتعة والتسلية والصراع الإنساني والمشاعر الجياشة. قدم انعكاسات الصراعات السياسية على المجتمع وكيف كانت كل خطوة في السياسة تغير شيئا في المجتمع وتغير نفوس البشر. لقد فعل أسامة كل هذا بذكاء وإمتاع تتسم به الدراما الإنسانية.
ومن خلال العديد من أعماله قدم أسامة أنور عكاشة الصراع الإنساني بواقعية وبلا خطابة أو ادعاء، لهذا فقد بقيت أعماله خالدة تماما تبقى شاهدا على انتقالات وتحولات تاريخ مصر، لقد قدم تجارب أخرى كانت رائعة تماما في الراية البيضا وقبلها الشهد والدموع أو أرابيسك، لكنه ظل مشغولا بالصراع البشري.
ولأسامة أنور عكاشة مسلسل لم يعرض كثيرا هو «عابر سبيل» قام ببطولته يحيى الفخراني، وكان أحد أهم الأعمال التي مزجت الفلسفة بالأفكار والصراعات البشرية. وإذا ذكرنا أسامة نذكر على الفور توأمه المخرج إسماعيل عبد الحافظ، بلدياته الذي ساهم بنصيب في هذه المسيرة الإبداعية.

هموم الطبقة الوسطى
عبر أسامة أنور عكاشة عن الكثير من الأفكار السياسية والاجتماعية بشكل يفوق الكثير من الأعمال الأدبية، وليس مصادفة أن يبدأ أسامة من حيث انتهى نجيب محفوظ، صحيح أنه عاد إلى الوراء في العشرينات وإلى الريف المتطلع إلى المدينة في «المصراوية»، لكنه لم يتخل عن رغبته في التقاط تحولات المجتمع المصري.
ويمكن القول إن الدراما التلفزيونية اختلفت تماما بعد أسامة أنور عكاشة عنها قبلها، مثلما اتخذت الرواية مع نجيب محفوظ اتجاها آخر مصريا وعربيا، كلاهما كان مهموما بالأفكار الإنسانية والطبقة الوسطى والمجتمع والمشاعر الإنسانية والصراعات والطموحات. وظل عنوانا على الإبداع والصدق.
إذا كان كثيرون يعتبرون نجيب محفوظ «أيقونة» الأدب المصري وعاطف الطيب «فلتة» في الإخراج السينمائي ويوسف وهبي «عميد» المسرح العربي، فإن أسامة أنور عكاشة بالنسبة للدراما العربية هو العميد والفلتة والأيقونة. هو صاحب بصمة خاصة جعلت من يشاهد مسلسلاته يصرخ بكل ثقة هذا المسلسل يحمل اسم أسامة أنور عكاشة وإن كانت الأفلام أو المسلسلات يتم تسويقها بأسماء الممثلين المشاركين فيها فإن اسم هذا الرجل وحده على أي مسلسل يكفي ويزيد.
يكره المط والتطويل ورغم هذا فإن لديه «نَفسا» طويلاً جعله يصبح رائدا ومعلما وأستاذا في مسلسلات الأجزاء، ومن غيره يمكنه أن يكتب «أيقونة» من خمسة أجزاء مثل «ليالي الحلمية»؟ أو ملحمة من جزءين مثل «الشهد والدموع» في وقت لم يكن الجمهور المصري أو العربي يستوعب فكرة أن يكون للمسلسل أجزاء في بداية الثمانينيات؟ والغريب أنه يكتب كل هذه الأجزاء دون أن يفقد نكهته الخاصة، تلك اللمسة السحرية التي تجعل من يشاهد العمل يتعايش معه، يشعر بأبطاله فيدخل معهم صراعاتهم ويحزن لانكساراتهم قبل أن يقطف في النهاية ثمرة الانتصار. ?في كل أعماله يأخذنا أسامة أنور عكاشة في رحلة مثيرة وممتعة من إبداعه الخاص والمميز. وبرحيل أسامة أنور عكاشة تكون الدراما العربية قد خسرت عميدها.