صحيفة الاتحاد

دنيا

كتاب البدو عمل موضوعي عن القبائل العربية وعشائرها (2-2)


تحقيق وتقديم - ماجد شبَّر:
يعد كتاب البدو من أجلّ الدراسات وأكثرها عمقاً في فهم القبائل البدوية ودراستها دراسة تاريخية اجتماعية واقتصادية وسياسية وأنثروبولوجية· وهو يقدم معلومات شاملة وفريدة من نوعها عن تاريخ القبائل وأصولها وأنسابها وهجراتها والترابط القائم بينها·
هذا الكتاب حصيلة أربعين عاماً من العمل والملاحظات والتسجيلات الشخصية التي قام بها المؤلف في عين المكان· وقد صدر الجزء الأول والثاني من الكتاب في حياة مؤلفه أوبنهايم، ومساعده بروينش، أما الجزءان الثالث والرابع، فقد أخذا عشرين سنة أخرى لكي يُبصرا النور، بعدما اشرف عليهما ونقحهما وأضاف إليهما إضافات مهمة البروفسور كاسكل·
منهجية البحث
إن الموضوعية التي اتسم بها المؤلف في بحثه يرافقه فيها حبه للعرب بشكل عام، والبدو بشكل خاص تجعله أكثر مصداقية، فهو لم يذهب إلى وصفهم بالسراق والقتلة كما هو حال الكثير من الرحالة، بل يصفهم بأنهم 'شعب أبي محبّ للحرية، قاسٍ شديد البأس، مضياف ومحارب'·
وكذلك لا بد من الإشارة إلى أن احترامه للإسلام كان واضحاً حيث يسمي النبي محمد بالنبي في كثير من الأحيان وليس بالاسم مجرداً كما هو حال الكثير من المستشرقين· اعتمد أوبنهايم في بحثه نهجاً علمياً مختلفاً عما جرت عليه العادة في الكتب التي تبحث في تاريخ وأصول القبائل والعشائر وقد سار على طريقة تتلخّص بما يلي:
فقد بحث عن القبائل التي هي ضمن منطقة جغرافية معينة، فبدأ بدراسة تاريخ المنطقة الجغرافية التي يتناولها قديماً وحديثاً، وكذلك الأحداث السياسية المهمة مستعرضاً الجانب التضاريسي والاقتصادي فيمزجهما بأسلوب سلس شيق· كما سعى إلى تتبّع أهم القبائل العربية القديمة التي أقامت في هذه المنطقة، والأحداث السياسية المهمة التي مرت بها مدار البحث كما تابع حركة انتقال القبائل العربية وانتشارها بتسلسل زمني حتى يصل إلى القبائل الحديثة فيبحث في أصلها وهجراتها وقدومها إلى المنطقة الجغرافية، موضوع البحث·
أسلوب البحث ولغته
جعل أوبنهايم بحثه مفهوماً من الخاص والعام أي موجهاً لكل من له اهتمام بالقبائل وليس للمتخصصين فقط· يقول المؤلف عن كتابه أنَّه كتاب صيغ بأسلوب علمي رصين، لكنه حرص في الوقت نفسه أن يكون مفهوماً من الجميع، لذلك فهو لا يخاطب المتعلمين وحدهم بل يتوجه إلى كل من لديه اهتمام بمسألة البدو· 'سيقدم كتابنا هذا معطيات إلى كل من يبحث عن معلومات حول جميع المسائل المتعلقة بأبناء الصحراء'·
البحث الميداني
إن البحث الميداني في إعداد الكتاب، والملاحظات التي تمَّ تسجيلها، تشكل المادة الحية فيه ملتقطةً من الواقع المادي الملموس، المعلومات التي جمعها والتي توافرت لديه، لم يكن يسلّم بها، بل يخضعها لتمحيص شديد، أي لأسلوب التشكيك حتى يثبت دقة المعلومة· ويمكن ملاحظة ذلك في جداول القبائل· ففي أرقام هوامش الجداول تجد المصادر التي اعتمدها لاسم كل قبيلة وتفرعاتها والطريقة التي تحقق من صحة المعلومة وبالتالي فإن الجداول تلك، تعد من أهم مرتكزات الكتاب· يقول أوبنهايم عن طرق البحث الميداني، كانت ملاحظاتي الخاصة، وملاحظات مساعدي في الشرق وما زالت من أكثر مواد كتاب البدو أهمية· إن البدو هم، بوجه عام، أناس قليلو التعبير عن أنفسهم، وهم يخافون المعطيات الرقمية 'العددية' لاعتقادهم أن أخبارهم يمكن أن تصير خطراً عليهم بسبب الضرائب وغيرها من الالتزامات التي تفرضها الحكومات· لذا كنت أحتاج دوماً إلى تحضيرات، طويلة وإلى كسب ثقتهم بصورة مطلقة، قبل أن أتمكن من تلقي أخبار موثقة فعلاً منهم· وقد ساعدني على فتح قلوبهم لي معرفتي الدقيقة بأعرافهم، ومشاركتي القلبية في حياتهم الفريدة وعلامات البهجة التي كانت تبدو على وجهي عندما كنت استمع إلى قصص ومغامرات الغزو والصيد في تلك اللحظات· كانت تنشأ لعبة سؤال وجواب معقدة ومتواصلة تتيح لي معرفة ما له من قيمة علمية من أحاديث· فهم لم يألفوا الحوارات العلمية أبداً· إنَّ الصبر الجميل والمعرفة الدقيقة باللغة العربية هما شرطان ضروريان لدراسة البدو·
جدولة القبائل والعشائر
وضع المؤلف جداول دقيقة عن القبائل، كما أعدَّ لها ترميزاً رقمياً وحرفياً·
يقول أوبنهايم: 'وضعتُ جداول دقيقة حسب المبدأ التالي: تحديد القبائل والقبائل المتفرعة عنها والتابعة لها، وشيوخها الرئيسيين والثانويين ومناطق تجوالها في الصيف والشتاء وعلاقات القوى فيما بينها، معبراً عنها بعدد مضاربها وخيامها ـ وكذلك كتابة مقالة حول كل قبيلة تعرف بتاريخها وتاريخ أسرة شيوخها على أن يؤخذ بنظر الاعتبار تصنيف القبائل إلى مجموعات حسب المناطق الجغرافية المختلفة' وقد أولي اهتماماً خاصاً لرسم المشجرات لأنساب كثيرة جمعها·
مكونات كتاب البدو
يتألف الكتاب من أربعة أجزاء، أُرفق بكل جزء منه مجموعة من الخرائط الجغرافية تظهر توزع وانتشار ووجود القبائل المذكورة في ذلك الجزء، وكذلك أرفق المؤلف بعض شجرات أنساب القبائل ووضع بعض الصور في الجزءين الأول والثاني·
وفي بداية أي جزء أو قسم يقدم لنا فيه تمهيداً كبيراً يتناول ذلك الجزء، ثم يقدم مقالاً لكل قبيلة· والمقالات والمقدمات الفرعية هي في الواقع دراسة تاريخية جغرافية سياسية واقتصادية تغطي كل جوانب القسم أو الفصل المبحوث، وفيه يتناول القبائل من حيث تكويناتها وتطورها ودورها السياسي وتاريخ هجراتها· إنَّ بحثه يتناول القبائل على ضوء المناطق الجغرافية، أي أنه اعتمد على التقسيم الجغرافي للقبائل·
العراق الشمالي وسوريا
الجزء الأول من 'المجلد الأول' صدر باللغة الألمانية عام 1939م، ويتكون هذا الجزء من قسمين: الأول: ما بين النهرين - العراق الشمالي، وتناول فيه المؤلف كل القبائل والعشائر الرحل، ونصف الرحل والفلح 'الفلاليح'· كما تناول المؤلف الحديث عن القبيلتين عنزة وشمر في قسم بلاد ما بين النهرين 'العراق الشمالي' الذي يقع جزء منه الآن في سورية - منطقة الجزيرة -، والقسم الآخر ضمن العراق الحالي بشكل مفصّل· هنا نجد أنَّ المؤلف نفسه لم يقسم عنزة إلى عنزة سورية، أو عنزة العراق، بل جعل الفصل الذي يبحث حول قبائل وعشائر عنزة وشمر قائماً في جزء بلاد ما بين النهرين· أن أهمية هاتين القبيلتين ودورهما في تاريخ المنطقة، جعل المؤلف يستغرق في بحث عن تاريخ وأصول هاتين القبيلتين بشكل يغطي تاريخهما من عصر ما قبل الإسلام إلى الوقت الذي تمَّ فيه البحث· مضافاً إلى البحث في قبائل طي وعشائرها، وزبيد بقبائلها ألبو شعبان، وعقيدات، وجيس، وحرب، والنعيم، والحديدين، وغيرها من القبائل والعشائر· أما القسم الثاني، فتناول فيه المؤلف القبائل الساكنة في المنطقة الجغرافية التي تختلف بعض الشيء عمَّا هو معروف حالياً باسم سوريا، حيث تعد منطقة الجزيرة ضمن التقسيم الجغرافي لمنطقة بلاد ما بين النهرين 'العراق الشمالي'، وتشمل سوريا في هذا الجزء كل سوريا الحالية ما عدا منطقة الجزيرة· ويشمل البحث القبائل حول حلب المستقر والرحّل وكذلك قبائل حماة، وقبائل ريف دمشق، والجولان، وقبائل عرب الجبل، والموالي، فضل، عمرو، وبني خالد وغيرها·
فلسطين والأردن والحجاز
الجزء الثاني من 'المجلد الثاني' صدر باللغة الألمانية عام 1943م ويتكون من أربعة أقسام
القسم الأول: قسم فلسطين وفيه يتناول المؤلف القبائل الفلسطينية الموجودة شمال وجنوب وبعض مناطق وسط فلسطين· ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المؤلف قد استعمل التعابير التوراتية في تسمية بعض المناطق الفلسطينية فمثلاً يسمي صحراء يهودا، ويقصد صحراء الخليل، وقد أشرت في الهوامش إلى التسمية العربية الفلسطينية لتلك المناطق المختصّة بالقسم الفلسطيني الذي لم يهود، ولم تفتهُ الإشارة إلى موضوع الدور الصهيوني في فلسطين·
بعد المقدمة التاريخية التي ابتدأت من العصر القديم إلى العصر الحديث عن فلسطين وجغرافيتها· تناول أوبنهايم القبائل الفلسطينية، والأحداث التاريخية التي حدثت في القرنين الأخيرين، فقد بدأ بقبائل شمال فلسطين ثم عرّج على قبائل أريحا والساحل، ومن ثم تحدث عن قبائل الداخل من الشمالنه، والكعابنة، والمساعيد، والرشايدة إلى القبائل المجاورة لسيناء، كالتياها وغيرها من القبائل والعشائر·
وخصص القسم الثاني لـ سيناء، وسار على النسق نفسه من حيث السرد التاريخي والوصف الجغرافي للمنطقة، متناولاً القبائل الساكنة فيه، وعلاقاتها مع بعض القبائل المصرية حيث يثبت انتقال بعض القبائل من مصر إلى سيناء والأردن كحال الحويطات· ومن القبائل التي يتناولها في البحث الترابين والسواركة والجبالية والتياها، وغيرها·
وفي القسم الثالث تناول إمارة شرق الأردن وسار على النسق نفسه من حيث السرد التاريخي والوصف الجغرافي للمنطقة، متحدثاً عن القبائل الساكنة فيه ومنها سرحان وبني خالد والعدوان وقبائل الكرك والعمرو والشوبك وغيرها·
وأفرد القسم الرابع للحجاز متناولا الجانب التاريخي، وتأثير الإسلام في هذا الإقليم، ودور قريش، ومن ثم دور الأشراف فيه والصراعات التي حدثت في تاريخ المنطقة، مشيراً بتفصيل إلى القبائل البدوية كهذيل، وحرب، وعنزة، وبني فهيم، وعدوان، وحرب وبنو عطية·
الجزيرة العربية
أما الجزء الثالث 'المجلد الثالث' فصدر باللغة الألمانية عام 1953م، وتولى هذا الجزء مسؤولية الإشراف عليه بعد موت المؤلف مساعده كاسكل لوحده، وهنا نجد أنَّ الكتاب تضّمن بعض المعلومات التي كانت غير متوافرة في حياة أوبنهايم، وقد شمل منطقة شمال ووسط الجزيرة العربية وتشمل 'نجد والكويت، وقطر، والحسا، والإمارات والبحرين'· وقد سار على النسق نفسه من حيث السرد التاريخي والسياسي والوصف الجغرافي للمنطقة، وينقسم هذا الجزء إلى قسمين:
القسم الأول: يتناول شمال ووسط وشرق الجزيرة العربية، حيث تتجلى البداوة بأجلى صورها، عند شمر، وحرب، وضفير، والدواسر، وبني خالد، وبني هاجر· والقسم الثاني: العراق 'العراق الجنوبي'، حيث يشكل هذا القسم ثلثي الكتاب لكونه يشمل منطقة ذات كثافة سكانية عالية قياساً إلى كل الأجزاء التي يتناولها الكاتب قبائل وعشائر العراق 'العراق الجنوبي'، مثل عقيل، وخفاجة، والجبور، والحميدات، والخزاعل، وفتلة، وبني تميم، وغيرها من القبائل والعشائر الصغيرة والكبيرة·
وفي عام 1966 صدر الجزء الرابع 'المجلد الرابع'، وفيه سار المؤلف على النسق ذاته من حيث السرد التاريخي والوصف الجغرافي للمنطقة، ولا بد من الإشارة إلى أن الفصل الثاني والثالث من هذا الجزء يختلف عن الأجزاء الأخرى من الكتاب في معالجة جغرافية القبائل والعشائر 'هتيم، شرارات، حوازم، صلبة، والخضير' ويعالجها ليس ضمن التقسيم الجغرافي الذي اتبعه في معالجة القبائل والعشائر في أجزاء الكتاب الأخرى بل عالجها بشكل وحدة واحدة· أي عندما يتحدث عن هتيم فيتحدث عن هتيم العراق، وشمال الجزيرة، والحجاز، وهكذا عن صلبه·
كما يتكون هذا الجزء من قسمين: الأول ويتألف من أربعة فصول تتناول فيها الموضوعات التالية بالترتيب: قبائل وعشائر خوزستان 'إيران' عربستان، الهتيم وتشمل الشرارات والحوازم، الصليب 'صلبه'، الخضر 'الخضران'·
أما القسم الثاني: فهو يشمل على فهرس أسماء القبائل والعشائر وشيوخها والأعلام وكذلك على أسماء الأماكن والبقاع، ومصادر الكتاب التي اعتمدها المؤلف·