الأربعاء 26 يناير 2022
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
اقرأ روحك.. في زهرة الجهنميّة
اقرأ روحك.. في زهرة الجهنميّة
السبت 27 مايو 2017 23:17

نوف الموسى (دبي) الزهرة في الطبيعة تهديك الدهشة، وتثير فيك الفضول، وتقودك إلى النشوة، منها تتعلم كيفية السكون. فيها ينصهر المرئي، إلى لغة الحدس المروية. هل سألت نفسك يوماً: ما الحاجة الماسة لهذا التنوع الضخم من الزهور؟ لماذا آلاف الأشكال والتنوعات الخلاقة؟ لماذا لكل وردة مئة فرع، ولون، ورائحة؟ ما الفكرة من أن ينتج الكون هذا الإبداع العظيم، فكل زهرة تحمل شيفرة خاصة، لا تشبه زهرة أخرى من نفس فصيلتها، وأنت بقراءتك للزهرة، ستدرك حضورك الخاص، فلن ينظر إليها أحد، كما نظرت أنت، ولن يستوعب مداها مخلوق، كما استشعرتها ذاتك. في وعيك أمام الزهرة، ستتغنى بروحك، ستفهم أن من عمق التفرد النوعي، هناك اتصال كوني، بينك وبين الزهرة، ستتلاشى مزاعم الانفصال الفكري، وستبني في خلجاتك أن التنوع إبداعٌ لافت، فهو يقوم على مبدأ النمو الضروري، للحظة الحيّه، وهو استثمارٌ نحو التطور. في الزهرة ستقرأ روحك وذاتك، وهي تنتقل بين فضاءات عميقة من الاحتمالات، ويتناوب السؤال بينك وبين الزهرة: هل اخترتِ أن تكوني زهرة؟ هل اخترتِ لوناً فيروزياً، يقارب اللحن الرحباني في خلقه للموسيقى، أم أنكِ في الوعي العام، لستِ مثلي، فأنا بالعادة أختار، أختار أن أكون سعيداً أو غاضباً أو غنياً أو فقيراً، بل أقرر ما الذي أريد أن أكون عليه، من بعد أن أفهم عبركِ من أكون؟! هنا.. بعض من قراءاتي البسيطة، لزهرة الجهنمية، التي زرعتها أمي أمام باب البيت، جلستُ بالقرب منها أكثر من مرة، وتجلى الحديث بيننا معاً: *** اسأل نفسك، كل يوم، بينما تجلس في وسط دائرة الحياة. ما الذي يغريك للوقوف بجانب زهرة، ما الذي يثيرك لتسير نحو شجرة؟! انتقص من عقلك مرة، وجرب أن تأخذ غصناً ميتاً وانفخ فيه من أنفاسك المرة، ستتدلى من الذبول موسيقى الموت، وستفهم بعدها من أين يُولد الشوك في الزهرة. *** عندما.. يهطل المطر، انحنِ لزهرة ملقاة على الأرض، انحنِ، واحملها بين يديك، وانفخ عليها، وأزل الغبار والطين، وأسألها: ماذا حدث ليلة أمس، ودعها تطلق من مسك الكلام، أسرارها، وتكشف أن رحيقها تسبب بولادة غيمة صغيرة، تسربت للسماء عبر دفعة هواء قادمة من رذاذ العطر لرجل مرَّ بجوارها. تعطر ألف مرة، كأنه سيعانق موعداً لا نهائياً مع العشق، في البيت المجاور من هنا. *** بعد أن حولتُ قلبي إلى زهرة تشبه الجهنمية، الكل يسأل: لماذا البوغَنْفيليّة؟ والكل يعرف أنها نبات يتفرع من القرنفل. يستخدم في الزينة المرمية، على جدار البيت، ويتسلق بين الزواريب، ليضفي ألواناً زمردية. حسناً، سأعترف بأن القلب لا يسري وفق حكم الفلسفة، ويرمي بنفسه تحت ظلال الحب المنسية، لا شروط في انعقاده، ولا حروب أهلية، يضفي للحيز المفتوح، ألف نغمة فنية، لذا لا أتعب نفسي في التصانيف والحدود، وأكتفي بتأملاتي للورود. ألستَ مررت بمئات الناس، منهم من تراءى لك بأنه حوت، أو عصفور أو حتى ماء يسري في سهود. يبتسم فتخبره: «يا أفندم» لديك ضحكة تشبه المحيط، ويتجهم، فتطلعه أن لعناده ملامح أسد يُرعب الفهود، ها أنت ذا، تمارس تحويل الأشياء بعفوية، بالنسبة لي، فإن الجهنمية تأملٌ لنفسي وتحولٌ وجودي، واقترابٌ أكثر لمصدر الروح.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©