الاتحاد

الملحق الثقافي

السؤال الفلسفي يبقى.. والجواب يفنى

تأولات الفكر العربي للحداثة وما بعد الحداثة، هو ما يطرحه كتاب “السؤال الفلسفي ومسارات الانفتاح/ تأولات الفكر العربي للحداثة وما بعد الحداثة” للكاتب عبدالرزاق بلعقروز، وفيه تتجلى أن مهمة الفيلسوف اليوم تتحدد لا باعتباره معايشا لقيم عصره أو مجرد شاهد عليها، بل أن ينخرط بقوة في نقدها وأن يبدأ التفكير بطريقة مختلفة، لذا اختص الفصل الأول بالكلام في سؤال المفهوم في الفلسفة، يناقش فيه قلق الممارسة المفهومية في الفلسفة، بين تصريح العبارة وإضمار الإشارة، ويرصد فيه نماذج من التراث الفلسفي على الممارسة المفهومية، نموذج تأسيسي للمفهوم بالمعنى المنطقي خاصة مع فلسفة المفاهيم عند سقراط، وإفلاطون فيما بعد، ونموذج يسترجع هذا التأسيس بصورة نقدية لاذعة عن طريق وصله بالحياة واضطرامها على ما يؤول فيلسوف مثل نيتشه، ثم يذكر كيف يضع الضوابط التي تجعل من فعل المفهمة بمعناه الإبداعي ممكنا، وبفك الارتباط بين المدلول الاصطلاحي الفلسفي والمضمر الثقافي المستبطن بعناصره التأثيثية التداولية.
وفي الفصل الثاني يناقش المؤلف الفلسفة ومساراتها ويختص بمساءلة دلالة صيرورة مفهومها وتجدد مجالاتها وانقلاب علاقتها بغيرها من أنماط الوعي الأخرى، كالدين والفن والعلم وغيرها، ويضع في خاتمة هذه المقاربة صياغة مفهوم للفلسفة لا يختزلها في تاريخها، إنما يستجمع فضلا على تاريخها التمرين على التفكير على حد تعبير بلعقروز، وذلك وفقا لقيم الفعل الفلسفي كالنقد والتحليل والسؤال والتجديد، وذلك وصولا إلى ما يسميه إرادة الوصول إلى الحق وهذا صرفا للنشاط الفلسفي عن مناحي التفكير التي لا تعترف إلا بالصيرورة بإعتبارها الثابت الوحيد، وهذا حتى يكون التفلسف تفلسفا موصولا بالصيروة الغائية.
وفي الفصل الثالث يتحدث عن دخول السؤال الفلسفي إلى فضاء الميديا وتأويل دلالاتها وهذا هو ما يقصده بعبارة مثل “انفتاح الفلسفة على الحياة”، فيقوم بتشخيص العلاقة بين الفلسفة والإشهارية وموت الحقيقة لأنه في دائرة الوصلات الإشهارية يسود التمويه والتدبير الاحتيالي ويصبح الخداع والزيف هو الحقيقة. وقد أنتجت هذه الآليات كما يقول ميلاد الواقع الفائق بما هو واقع لا يتطابق مع مبدأ أو غاية، والتعارف لا التواصل هو الذي يستعيد قيمة الحقيقة المطلقة بالمعنى التعارفي التي شوهتها ثقافة الانسان الأخير. وفي الباب الثاني والذي اختار له المؤلف عنوان “قلق الفكر الفلسفي العربي المعاصر بين تأسيس الحداثة والانفتاح على ما بعد الحداثة”، يتحدث في الفصل الأول منه عن حدود مشروع الحداثة القيمية بالمعنى الذي طورها فيه طه عبدالرحمن، هذا المشروع الذي يرى أنه وقع فيما عمل على هدمه وفيما ظل يحاربه، أي النظرة التجزيئية والتقويم التفاضلي لمكونات الفعل الحداثي والمتوازن، وذلك لأنه يختزل الحداثة في المبدأ الأخلاقي، في حين أن الحداثة هي كل هذا جميعا، تركيب متآلف للأخلاق والحس الجمالي ومنطق العمل والصناعة أو التقنية. ولأن الفعل الحداثي يقتضي البنائية المتوازنة والتركيبية التكاملية فإن هذه المحددات تندمج في منهج يعيد المفردات السننية الجزئية اللامتناهية الكثرة والتنوع والاختلاف، إلى أنساقها ومداراتها الكلية المنتظمة، لذلك فالمنهج التركيبي التكاملي هو مسلك الدخول إلى دورة حداثية تتحقق فيها الشروط التالية: الأصالة والفعالية والاطرادية وأي إخلال أو تجزيء لهذه المحددات المنهجية توقع الحداثي في الاضطراب واللافعالية والاهتلاكية.
وفي فصل تالي يتحدث عن نموذج من الفكر الفلسفي العربي المعاصر ينفتح على ما يسميه علي حرب الأفق الرحب لما بعد الحداثة، وذلك بتوظيف مطارق النقد النتشوي ومقولاته التدميرية عن الحداثة وإيديولوجيتها، وذلك عبر نقد المفهوم الغيبي للحقيقة. إنها ثقافة ما بعد الحداثة التي تفقد الوجود ماهيته وقداسته، وينخرط تبعا لهذا التأويل الفكر مع الحياة وتقلباتها وصدف صراعاتها التي لا تتجه إلى أي غاية ولا تتأسس على أي نموذج، لأنها إذ تقضي على فكرة الأصل تقضي في الوقت نفسه على فكرة الغاية ويكون النموذج الجمالي أداة رئيسية من أدوات إدراك العالم وتأويله والتأثير فيه، غير أن انفتاح علي حرب على ما بعد الحداثة عبر النسف والهدم النيتشوي لقيم الحداثة كما بدت لنا ليست قراءة مباشرة إنما هي قراءة متأثرة بتأويلات هيدجر له ومتأثرة أكثر بالرؤية التفكيكية التي طورها جاك دريدا الفيلسوف المعروف والناقد المهم، واستلهم تقنياتها علي حرب. من هنا كانت قراءته لنيتشه متوسلة بنظارات جاك دريدا، إنها الذرائعية تجد ضمانتها في البحث عن متكئ رمزي، ولم يكن هذا المتكأ كما يقول عبدالرزاق بلعقروز سوى نيتشه ككبش فداء لتبرير وتسويغ الاندراج في ثقافة ما بعد الحداثة وتمجيد لغتها في الفهم والتأويل.
ويختم المؤلف هذا الكتاب الثري بأهم نتائج البحث تحت عنوان “من استكسال العقل إلى استنهاض الإرادة”، ويتضمن أقوال الفلسفة الكونية، ونحو إتقان السؤال الفلسفي وإعادة وصل العلاقة بين الفعل الحداثي والمنهج التركيبي التكاملي. يقول بلعقروز: “ما أشد غرابة الفلسفة في منشئها وصيرورتها وراهنها وما لا تفقده الفلسفة في هذه المسارات إنما هو غرابتها وغربتها فهي على التحقيق سؤال الغريب عن روح العصر، فالبرغم من أن المناحي الوضعية في التفكير تعتقد بأن تاريخ الفلسفة هو تاريخ تراجعاتها وأن العقل العلمي هو الذي يعقب العقل التأملي، إلا أن الفلسفة ما انفكت تذكر حفاري قبورها بأنهم لن يستطيعوا الاستغناء عنها، فأسئلة القلق الفلسفي والمعنى والقيمة بالرغم من سطوة أنظمة المعرفة العلمية قد انبعثت فيها الحياة من جديد وما ذلك إلا لأن الانسان المعاصر قد أضحى يفتش عن إمكانات للحياة الجديدة بعد أن يتلاشى أفول الأمان الوجودي واغتراب الوعي الفردي في عصر الصناعة”.. ومن ناحية أخرى فإن هذا الهم المعرفي والأخلاقي هو مدار المساءلات الفلسفية التي تتضمنها أوراق هذا الكتاب بما هي مساءلات تتأسس على الإيمان بأن السؤال في الفلسفة يبقى في حين أن الجواب يفنى، وأن الحاجة إلى الفلسفة اليوم لا تبدو بيداغوجية فقط، إنما حاجة مضاعفة وفي جميع الانشطة النظرية والعملية وعلينا أن نعيد الوصل بين الفلسفة والحياة بخاصة وأننا نشهد دخول البشرية إلى نمط وجودي خاص سواء كان دخولا ماديا أو بتغير معادلة الاجتماع الإنساني، وتعقد العلاقات بين الثقافات المعاصرة وتزايد الحاجة إلى إمكانات حياتية جديدة بالبحث عن أجوبة غنية بالمعنى وتحقق التوازن النفسي لتلك النفوس المتعطشة بحثا عن مسوغات لوجودها فضلا عن إعادة الاعتبار لأسئلة المعنى والقيمة والمصير..

اقرأ أيضا