الاتحاد

الملحق الثقافي

النار.. آكلة الكتب

ترتبط معظم المحارق والمجازر التي ارتكبت ضد الكتاب بالحرب، ورغم أن فارق حرف يكمن بين لفظتي “حرق” و “حرب” إلا أن الحاصل بالتأكيد ليس فارق حرف، بل ثروة البشرية وكنوزها الثقافية وذاكرتها الحضارية. لقد التهمت المحارق التي أقيمت للكتب والمكتبات على مرّ التاريخ أعداداً لا تحصى من الكتب واللفائف ورقاع الجلد والآجر والطين التي كانت سبيل البشر الى تدوين حياتهم قبل أن يكتشفوا الكتابة والطباعة ومن ثم الكتب الورقية، هذه المفقودات أو المحترقات من الكتب لم يفلح المثل الشعبي في أن يمنع عنها النيران كما فعل مع المال، عندما قال عن الأموال الكثيرة “لا تأكلها النيران”، فالنار على ما يبدو تعرف جيداً ماذا تأكل وما الذي يوقدها ويذكي أوارها.

تدعو أخبار حرائق الكتب المنتشرة على جسد التاريخ المرء لأن يشفق على حال البشرية، ولأن يشك مطولاً في ادعاءاتها الكبرى لا بخصوص تحضرها ومدنيتها فقط وإنما بخصوص إنسانيتها التي يبدو أنها لم تكن بصحة جيدة على مر الزمان. وتبرز أخبار المحارق المتواترة، التي لم تتوقف للأسف عبر فصول التاريخ، أن التاريخ البشري شهد مطاردة مريعة، ودائمة ومستمرة، لنوعيات مختلفة من الكتب، يجمعها خيط ناظم هو أنها كانت مختلفة مع/ عن زمانها. ما يؤشر على أن الإنسان كان دائماً وعبر تاريخه يعاني من ضيق الأفق الفكري الذي سبب له بالتالي ضائقة إنسانية، لم يجد حلاً للتخلص من الألم الذي تسببه سوى النار.
إذن... لقد سيطرت النار على الجهاز العصبي للبشرية، ولم تبتلع في أحشائها تلك الكميات الكبرى من الكتب والمخطوطات واللفائف بل ابتلعت أيضاً كمية لا بأس بها من إنسانية الكائن البشري نفسه. وكانت في كل مرة تلتهم الكتب تصل إلى مكان أبعد في ذلك الهيكل العظمي الذي يدعى الإنسان.

تاريخ الحروب
ولكي لا أبدو من الذين يرتدون نظارة سوداء أسارع إلى القول إن بعض الحضارات عاشت مراحل من الهدنة والسلام. وربما اعترفت واحدة بالأخرى بهذا الشكل أو ذاك، لكنها فترات قليلة كانت كل حضارة خلالها تحاول أن تبني روحها أو تصنع هويتها. ثم سرعان ما تتضارب الهويات وتتخاصم المصالح فتبدأ الحرب. لم تكن حروب البشرية قليلة إطلاقاً، بل إن الإنصاف يمكن أن يوصل المرء إلى قناعة مفادها أن تاريخ الإنسان هو تاريخ الحروب. في تلك الحروب لم يكن الضحايا من البشر فقط بل من الكتب والمكتبات والمنجزات الفكرية والعلمية التي باحتراقها او ضياعها كانت تنهار حضارة لتسود أخرى. وما في ذلك أي غرابة، فالحرب ذلك الوحش الغريب الذي ما يزال قابعاً في اللاوعي الفردي والجمعي لا تنفتح، حين تنفتح، إلا على الجحيم... والجحيم يتسع لكل شيء.
أما الجزئية الخاصة بمحارق الكتب فهي لا تمثل فقط مخازي للبشرية في سيرتها بل هي أيضاً تجعيدة الحزن الكبرى التي بقيت ماثلة تحت أجفانها. وفي المطاف الأخير تأخذنا محارق الكتب إلى قصة مرعبة فيها من الدويّ ما يكفي ليملأ صفحات وصفحات من تاريخنا المجهول، ذلك المجهول الذي يبدو ساخناً، كما لو أنه آت من نيران ميثولوجية تقلب بين كفيها الزمن.
هل أقول إن دقات قلوبنا طوال التاريخ ارتبطت بالنار؟
هل أشير إلى أن أول احتراق شهدته البشرية كان نوعاً من حرق الفكر؟ وإلا ما الذي جعل النمرود يحرق إبراهيم “عليه السلام” بالنار؟ ألم يكن ذلك محاولة لإخراس صوت إبراهيم وكتم رسالته التي تحمل ديناً مخالفاً له؟ أليست من قبيل قتل الفكرة بقتل صاحبها أو حاملها؟ لقد كانت تلك البداية ثم كرت السبحة، صار الحرق طقساً وأسلوباً للتخلص من الخصوم، وقس على ذلك ما شئت؛ ففي تاريخنا المبجل ما لا يحد ولا يعد من أمثولات قتل الفكرة عبر قتل أصحابها.
ألا تنبئنا مختبرات النار التي اشتعلت لتأكل ما لذ وطاب من صنوف الفكر والفلسفة التي قدمت إليها في أطباق من الكتب، أن تواطؤاً تاريخياً وكبيراً حدث بين قامعي المعرفة والنار؟
أظن أن رواية النار هي الرواية القاسية، والمزلزلة في أروقة التاريخ البشري، وهي رواية لا تنتهي فصولها إلا بانتهاء الأبطال أنفسهم/ البشر. ولهذه الرواية حيثياتها ومنطلقاتها ومبرراتها التي تختلف قليلاً في التفاصيل، لكنها في القمع وإلغاء الآخر والفتك بالمخالفين تظل واحدة. وربما يكون من السذاجة الاعتقاد بأن الديكتاتوريين والشوفينيين والفاشيين الذين وجدت الكتب على أيديهم محارق استثنائية، يظهرون هكذا عشوائياً، وبمنأى عن تلك الجدلية الفلسفية والاجتماعية والثقافية التي تصنعهم. هؤلاء ليسوا إلا التجسد العياني للفكرة التي تفترض أن هناك دائماً نصفا آخر وينبغي القضاء عليه. هذا يعني أن نصنع “قايين” بأيدينا ومن ثم نحرقه!. وهذه النظرة التي تؤسس للحرب ضد الآخر هي الكلمة المفتاحية في كل الحروب التي شنت على الكتاب لـ ... حرقه. ولا يقلل من هذه الحرب أن يكون الآخر متوهماً أو متخيلاً أو مصنوعاً بفعل الأيديولوجيا، فالخطأ نفسه يحدث دائماً: كل حضارة تنتج أشباحها لتحاربهم.
“أجل، أجل، ثمة حملة ضارية شهدها التاريخ ضد المعرفة مورست فيها أشكال متنوعة من القهر والحرق والوأد... حتى لكأني أشم رائحة الاحتراق في دهاليز التاريخ وأسمع صوت الكتب الموؤودة تصرخ بين ألسنة النيران: “بأي ذنب قتلتُ”؟

كتاب الثأر
كتاب فرناندو بياز (كاتب ومدير المكتبة الوطنية الفنزويلية، وباحث في تاريخ تدمير الكتب) الموسوم بـ “التاريخ العالمي لتدمير الكتب من سومر القديمة إلى العراق الحديث”، الصادر عن “دار اطلس” في نيويورك، يكشف بالحقائق والوقائع التي جمعها عبر 12 سنة من البحث عن حجم المرض الذي ينخر في عظام الإنسانية. إنه “سِفر عابقٌ بالنار والحيف”، كما تقول الكاتبة لطيفة الدليمي، وهي، ترى أن “هذا العمل يثأر لكل كتاب أُحرق وكل رقيم دُمِّرَ على امتداد التاريخ البشري المجبول بالدم والرماد”.
فرناندو بياز الذي زار العراق بعد سقوط بغداد قال: “إن ما شهدته في بغداد كان افظع من أن يستوعبه عقل إنسان أو تعبّر عنه بلاغة اللغات”. وهو يستهل الكتاب ويختمه بتصوير عمليات نهب الكتب والمخطوطات والأعمال الفنية وحرقها في المكتبة الوطنية العراقية والمتحف العراقي ومكتبة الأوقاف في 2003، ويعلن أن الدمار الكبير والحرائق التي حصلت “كانت بعون من لامبالاة القيادة ألأميركية، فقد تمركزت قواتها أمام المتحف العراقي، وعلى مرأى منها تم نهب متحف الحضارات وتدميره، وكان النهّابون يحملون غنائمهم من التماثيل والقطع الأثرية في سيارات تقف قرب الدبابات والمصفحات الأميركية”.

العراق سيّدها
عرفت سومر وأكد، مهد أول كتابة في التاريخ وأول كتب مصنوعة من الطين ومرسومة برموز صورية، لكنها عرفت أيضاً أول حرائق الكتب. وهي مفارقة عجيبة ليست غريبة على العراق الذي لطالما عاش مفارقات مفجعة على أكثر من صعيد. ويعود تاريخ الكتب المحروقة إلى 4400 قبل الميلاد، وقد عثر عليها المنقبون في حفريات الطبقة الرابعة لمعبد الإلهة إينانا في مدينة أوروك. كما أظهرت كشوفات الاثاري الايطالي ساباتينو موسكاتي، الذي اكتشف مكتبة مدينة إيبلا جنوب حلب، أن المكتبة احترقت مع القصر الملكي حين هاجمها الملك الاكدي نرام سن في نحو 2230 قبل الميلاد. في العراق أيضاً، وفي (680) قبل الميلاد، كانت هناك مكتبة كبرى أسسها الملك الآشوري آشور بانيبال، وكانت مكتبة قصره في نينوى تضم نحو 20.000 كتاب، ولكن تحالف بابل على عهد الملك الكلداني نبوبلاصر، والد نبوخذ نصر، مع مملكة ميديا وغزوها مملكة اشور وتدميرها نينوى وحرقها، أدى إلى تدمير هذه المكتبة التي تعد أعظم مكتبات التاريخ القديم. وفي مصر القديمة جمع الفرعون الشاعر اخناتون المؤمن بالتوحيد كل الكتب الدينية التي سبقته ليفرض ما كتبه عن عبادة الاله اتون. وفي القرن الخامس قبل الميلاد قاضى الاثينيون الديموقراطيون المتصوف بروتوغوراس بتهمة العقوق وأحرقوا كتابه “عن الآلهة” في محرقة عامة.
ومن اشهر المكتبات القديمة التي أحرقت مكتبة برسيبوليس الفارسية، ومكتبات الصين العظمى التي أحرقت بيد أباطرتها لمحو أخبار سابقيهم، ومكتبات روما، ومكتبة الإسكندرية التي سنفرد لها مقالة خاصة لكثرة ما ثار حول حرائقها من لغط.

حرائق متعصبة
في الأندلس أحرق المنصور بالله وكان مهووساً بالسلطة وكارهاً للعلم والعلماء، جميع الكتب التي لا يقدسها المسلمون في المكتبة الملكية التي أسسها الحكم الثاني، واستمر عمل الحرّاقين في عزل الكتب وحرقها أياما. وبعد سقوط غرناطة جمع الكاردينال أكزيمينيس عام 1492 ثمانين ألف كتاب من كتب العلوم والفكر والرياضيات والفلسفة والأدب من المسلمين وأمر بحرقها.
أما حكاية المغول مع حرائق الكتب فتقدم الدليل الناصع، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، على أن الحقد يمكن أن يصل إلى الكلمات. وما إن تنفتح سيرة حرائق الكتب حتى تطل سيرة المغول ومجازرهم بحق الكتب والمكتبات بشكل عام، وسيرة هولاكو بشكل خاص، فقد دمروا وحرقوا كل مكتبات بغداد حتى صار لون دجلة أسود، حسب ما يروي المؤرخون.
ويقول القلقشندي في صبح الأعشى إنه كان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة، ولا يقوّم عليه نفاسة، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتر بغداد، وقتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر خلفائهم ببغداد فذهبت خزانة الكتب فيما ذهب، وذهبت معالمها، وأعفيت آثارها”.
ويضيف الباحث الفيكنت فيليب في كتابه “خزائن الكتب العربية في الخافقين” أن هولاكو خرب ودمر في دار الحكمة وفي خزائن كتب المدرسة النظامية والمدرسة المستنصرية وغيرها من خزائن الكتب العامة والخاصة. وكذلك فعل في الشام ومصر وغيرها من بقاع العالم الإسلامي الذي كان له نصيب وافر من محارق الكتب على أيدي الغزاة.
وفي أميركا تنفس الكتاب وأصحاب المكتبات الصعداء في 1915 مع وفاة متعصب آخر هو أنتوني كومستوك الذي أقام محارق لأطنان من الكتب على امتداد الولايات المتحدة لأسباب أخلاقية دينية. كان متشدداً لا يعترف بأي فكر مختلف عن فكره. وكان يملك يقينا راسخا مفاده أن الشيطان يسيطر على عقول الأدباء والكتّاب وأن رسالته الدينية في الأرض تنحصر في القضاء على هذا الرجس. عمل على استصدار قانون أقرّه الكونغرس عام 1872 يفرض إرسال نسخة الى البريد من كل كتاب يصدر لمراقبته، وتقرر ادارة البريد بحسب تعليمات كومستوك حظر الكتاب او السماح بتداوله، وظل قانون كومستوك ساريا لعقود طويلة وافادت منه الحملة المكارثية إلى أقصى الحدود، وبموجبه تم منع كتاب “عناقيد الغضب” لجون شتاينبك، وحظرت دائرة البريد كتاب “عشيق الليدي تشاترلي” في 1959.
لقد قمع كومستوك وصادر آلاف الكتب والمجلات، وتصاعدت نيران محارق الكتب في عهده حتى وصل وزن المطبوعات المحروقة في الساحات العامة الى 120 طنا، وما بين 1940 و1941 أحرقت الولايات المتحدة اعتمادا على قانون كومستوك 600 طن من الكتب والمطبوعات الاخرى. وطال حرق الكتب كتّابا أميركيين في الحملة المكارثية، أمثال هاوارد فاست وجوزف ديفيز وليليان هيلمان وداشيل هاميت وجون شتاينبك وتيودور درايزر، كما تعرضت كتب جورجي أمادو وحتى ماريو فارغاس يوسا للحظر، وطالت محارق التشدد الاميركية عام 2001 كتاب هاري بوتر إذ احرقت مئات النسخ منه في مدينة ألاموغوردو في ولاية نيومكسيكو في ساحة عامة على يد جمعية كنسية، بذريعة أن الكتاب يدفع الفتيان الى تعلم السحر ويبعدهم عن المثل العليا، وأحرقوا معه بعض روايات ستيفن كنغ!.
وفي باريس وحدها دمرت القوات الألمانية في الايام الثلاثة الأولى لسقوطها 723 مكتبة واحرقت نحو 1,108,797 كتاباً. في ألمانيا بالمقابل، أحرقت غارات الحلفاء معظم المكتبات الألمانية العريقة ونفائسها وفقدت مكتبة برلين وحدها اكثر من مليوني كتاب.
وفي ايطاليا واسبانيا حرق الفاشيون ايضاً الكتب. ولم يختلف عنهم الاتحاد السوفياتي في تدمير كتب معارضيه ومكتبات البلدان التي احتلها. أما الحرب العالمية الثانية فكانت كارثة كبرى على اليابان، فبالإضافة إلى مئات الآلاف من البشر كان المكتبات ضحية القنبلتين النوويتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناكازاكي. بينما استهدفت مكتبات طوكيو بغارات مقصودة وأحرقت تماما.
جوزف غوبلز، كاره الكتب الخطير، نظم في 1933 المحرقة النازية الكبرى للكتب. وفي عام 1967 احرق الشعراء الكولومبيون من جماعة ناديستا، رواية “ماريا” لجورج ايزاك وهم على اقتناع تام بضرورة تدمير الماضي الأدبي للامة.
وحتى لحظتنا هذه لا يزال التدمير المتعمد للكتب يمارس بأشكال شتى بهدف إلغاء الآخر أو نفيه نفياً تاماً من الذاكرة التاريخية. لكن الكتب، رغم هشاشتها وعجزها عن دفع البلاء عن نفسها، تنتقم أحياناً ولا تنسى حارقيها، فها هو سافونارولا الراهب المتشدد في ايطاليا، الذي اقام محرقة عظيمة وسط فلورنسا وأحرق الكتب والتماثيل واللوحات ينتهي به الأمر إلى الإعدام وتحرق جثته، ويشرب من نفس الكأس التي جرعها للكتب.

بغداد والقاهرة.. أختان في الحريق
لماذا الكتب؟
من هم أعداء المعرفة الذين يستلون خناجر الكراهية ليطعنوا بيوت الكتب في خاصرتها حين تحين الفرصة؟
ما الذي تحمله حرائق الكتب لنا من رسائل، سواء تلك التي حدثت في الماضي أو التي تجري على أعيننا في الراهن؟
هل بات الكتاب من المطلوبة رؤوسهم في بلاد العرب، رغم المقولة الشائعة والصحيحة عن كون العرب أمة لا تقرأ؟ ما الذي يقدمه حرق مبنى مثل المجمع العلمي المصري أو دار الكتب الوطنية في العراق؟
يبدو لي أن التاريخ هو المطلوب لا الكتاب. ثمة من لا يريد لهذه الأمة أن لا تعيش إجماعاً من أي نوع. ولأن التاريخ أحد الثوابت الكبرى التي تجمع بين العرب وتشكل وعيهم الجمعي انتماء وحضوراً في الفعل الإنساني، يبدو أن رأسه مطلوب حياً أو ميتاً، وحبذا لو كان محترقاً. فمع حرق الكتب تعود الأمة إلى الصفر الحضاري.. إلى العدم.. لأن الحرق محو، محو للذاكرة المشتركة والتاريخ المشترك والهوية الثقافية التي يلتقي الناس عليها ويتعايشون؛ فالثقافة تقوم بدور المشترك الجمعي الذي يلم شتات الأمة، ويؤلف بين الانقطاعات التي تعتريها. الهدف إذن هو ضرب الأمة حضارياً وثقافياً وإفراغها من التاريخ لكتابة تاريخ آخر. مصادرة روايتها لتحل محلها رواية أخرى.
في العمق، تبدو الكتب برمزيتها ومثولها الأيقوني في الوعي البشري، قادرة على البقاء والخلود والانتقال من حقبة إلى أخرى.. كلام جميل لجهة الأدب والرومانسية ويستمد قوته من نظرة الخلود التي اعتدنا أن نسبغها على الفكر، لكنه يظل مجرد نوع من التمني، لأن الواقع غير ذلك تماماً. الكتب بحاجة إلى من يحميها ويعتني بها وينتبه لها لأن من السهل جداً إحراقها أو إغراقها أو إتلافها بكل أشكال التدمير المعروفة والمجهولة، التي تحالفت ضدها على مر التاريخ بدءاً بالطوفان والأعاصير والفيضانات والزلازل وغيرها من الكوراث الطبيعية التي ابتعلتها ضمن ما ابتلعت في شدقها المفتوح، ومروراً بالعث والغبار والجرذان التي قرضت منها الكثير، ووصولاً إلى الرطوبة وسوء التخزين وغير ذلك من عوامل التعرية التي جعلتها أكثر من مرة هشة، قابلة للكسر، عارية من الصلابة والحكمة التي تفلتت من بين أوراقها إلى موت مجاني. لكن الغزاة هم الأخطر في جميع هؤلاء الأعداء.. إنهم كارهون استثنائيون للكتب. الغزاة لا يطيقون رؤية كتاب يخص خصومهم لأنه يذكرهم بما هم عليه من الجهل أو العسف والجور واغتصاب ما ليس لهم. إنها عقدة الغاصب هي التي تدفعهم ليمارسوا كل قوتهم وعسفهم على هذه المسكينة العزلاء إلا من غلاف يحنو عليها، وربما يسندها إن كان من صنع جيد أو ورق مقوى، لكنه رغم ذلك لا يقوى على صد أي غارة من غارات الأعداء عليها.
تلك بعض الدروس التي يخلص إليها المرء حين يستذكر محارق الكتب عبر التاريخ، أو يسرح الطرف في المحارق الطازجة التي لم يجف دم كتبها بعد: حرائق بغداد وحرائق مصر التي توقفت، ولله الحمد، عند حدود حرق المجمع العلمي المصري.
ففي هذين الحريقين ما يؤشر على استهداف التاريخ والحضارة والوعي الجمعي والمشترك الذي يؤلف بين قلوب العراقيين والمصريين. كما أنهما حلقة أخرى في الحلقات الكثيرة التي يلحق بعضها ببعض، وتوصل محرقة الى أختها.
تاريخ مصر احترق، هذه العبارة التي صرخ بها شاب غيور على وطنه وهو يرى النار تأكل “قلب مصر”، خلال الصدام الدامي بين المعتصمين أمام مجلس الوزراء والشرطة العسكرية. هي الصرخة ذاتها التي أعلنتها امرأة عراقية كاد قلبها يتوقف من الخوف على ثقافة العراق وتاريخه في العام 2003... وبين الصرختين كلام كثير.. وصراخ أكثر، لكنه صراخ مبحوح على أوطان صماء لا تسمع.
ويضيف في مقال بعنوان “حرائق الكتب”: “هذا اليوم الخميس 2003 417 زارني أول صديق منذ بداية الحرب، حيث لا مواصلات ولا اتصالات ولا كهرباء، الشاعر محمد درويش علي جاء يحث الخطى صباحاً وقد انقطعنا عن الاتصال. انطلقنا معاً في رحلة سميناها “الذهاب إلى أقصى الخراب” نتفقد خلالها ما تهدم من بغداد، وما اجهز عليه الغوغاء بالحرائق بعد السلب والنهب. وعند الوصول إلى مبنى المكتبة الوطنية والحريق الذي طالها من الجهتين، ألجمَ المشهد أفواهنا وعقدَ ألسنتنا لما عكسه من بشاعة تثير الجزع ومقدرة الفاعل على عدم احترام ابسط النواميس، شاهدت عمالاً يتسلقون المبنى في محاولة للترميم (حسبتهم عمالاً ولا ادري إن كانوا كذلك فعلاً أم انّهم لصوص جاءوا ليستكملوا ما حصل للمبنى من فوضى ودمار ظاهر للعيان). أمام مشهد المكتبة المروع هذا، وقفَ حشد من الناس على الناصية، وقال احدهم: إن حرق المكتبة يشبه سرقة المتحف الوطني للآثار العراقية”.

***
وبعد... بالأمس البعيد نسبياً احترقت بغداد ومكتباتها ودمر هولاكو ذاكرتها في العام 1258م، وفي الأمس القريب (2003) احترقت المكتبة العراقية بكل ما فيها من كنوز ومخطوطات لتتشارك مع آثار المتحف العراقي رحلة الضياع والفقدان. وفي الأمس القريب جداً (2012) احترق المجمع العلمي في مصر، الصرح الذي أجمع كل من كتب عنه أو عرفه أنه ذاكرة مصر الحية.
هل نحن أمام انبعاث جديد لفكرة حرائق الكتب التي عاشها العالم الإسلامي تحت وقع خيول التتار أو الحملات الصليبية؟
هل نكون من المغالين إن تساءلنا: بدأت ببغداد ومرّت بمصر وعلى من يكون الدور في الغد؟
هل هذه إشارة إلى أخوة الاحتراق بين العاصمتين اللتين أنجبتا، بالإضافة إلى دمشق، أعظم الحضارات الإنسانية؟ وهل دمشق هي المقبلة إذاً؟
وهل ينتبه السوريون إلى مكتباتهم ومتاحفهم قبل أن تقع الفأس في الرأس ويستيقظون على حريق ما يلتهم المكتبات والمتاحف فيندمون حيث لا ينفع الندم؟.

المشككون: الحرائق كذبة كبرى


يشكك عدد من المؤرخين والمختصين بوقائع حرق الكتب عبر التاريخ خاصة لجهة حجم هذه الكتب وعددها، من ذلك ما كتبه الإيطالي لوتشاينو كانفورا Luciano Canfora صاحب كتاب “المكتبة المفقودة” (la bibliotrca scomparsa). كانفورا، الذي يُوصف بأنه من أفضل الاختصاصيين ودارسي تراث الأنتيكا الكلاسيكي (الهليني اليوناني الروماني)، على حد وصف نادر قريط، فتح باباً واسعاً للجدل حول هذا الموضوع الذي لقي هوى عند قريط فأدلى بتساؤله التالي: “في الحقيقة إنّ حرق المكتبات والكتب من ألغاز التاريخ. هل ما حدث حدث فعلا، أم أننا ضحية للأساطير والحكايا؟ من يستطيع تأكيد تلك الحرائق المروّعة التي دمّرت ذاكرتنا؟”.
يؤكد قريط، نقلاً عن كانفورا، “إن مكتبة مدينة طيبة الشهيرة ذات البوابات المئة ليس لها وجود، مثلها مثل مكتبة الإسكندرية وبرغامون (Prgamon 1)، وإنّ تدمير تلك الكنوز العظيمة للأنتيكا هو أمر غريب، تمّ تسويقه بواسطة بروباغاندا وأصبح بمثابة حقيقة تاريخية”.
للوهلة الأولى قد تتلبس القارئ الدهشة لحكم من هذا العيار الثقيل، ذلك أن حرائق المكتبات هي من المسلمات التاريخية أو في حكمها، لكن قراءة متأنية للطريقة التي يناقش بها كانفورا الدلائل والمعطيات المختلفة، والصبغة النقدية التي تسم علمه، والأسئلة المنطقية التي يطرحها تجعل المرء يقبل، ولو من باب الشك العلمي، أن يكون الأمر برمته مجرد وهم، خاصة أنه يعتمد على مكتشفات علم الآثار واللقى ويستخدم منطقاً تحليلياً استقصائياً في قراءته للنص التاريخي. منطق يمكنه من أن يكشف - أحياناً - عن فجوات في السرد أو أخطاء أو معلومات غير منطقية.
ففي الروايات إشكالات تتعلق بالشخصيات والتواريخ والأرقام وغير ذلك مما بات موضع تساؤل من النقد المعاصر، لاكتشافه آليات السرد الأسطوري، إضافة إلى وجود حقائق على الأرض تتناقض مع ماهية الرواية.
يقول قريط في قراءته لكانفورا: إن حجم المدن القديمة وأعداد سكانها، تحدّده أسوارها وآثارها الدارسة.. وهذه تشير إلى أن عدد سكان العالم القديم كان ضئيلاً، والمدن كانت عرضة للأوبئة والكوارث، والقراءة والكتابة اختصت بالنخبة والدوائر السلطانية والملكية، ولم تكن مشاعا للناس، وتقنيات الكتابة وموادّها لم تكن ميسّرة.. لذا فإنّ أعداد الكتب والمكتبات (الشهيدة) مبالغ بأمرها. أما فلهم كامماير أحد آباء النقد، فأطلق على التاريخ مصطلح “الحملة الكبرى” وهي الكذبة التي تشترك الأجيال بتغطيتها وتصديقها”.
ويرى كانفورا أن قصة الحرق انتقلت من مكتبة إلى أخرى منافسة فمن الإسكندرية إلى أثينا التي نهب مصنفاتها الثمينة الملك الفارسي كسيرس ونقلها إلى بلاده، إلى مكتبة برغامون. كما تمّت إضافة حريق آخر إلى حريق مكتبة الإسكندرية في القرن الرابع ميلادي، هذه المرّة حمل وزره الأسقف تيوفيلوس حيث قامت غوغاء المسيحية بتدمير المعبد الوثني والمكتبة وأطعمت كنوزها للنيران.
واستمرّت الرواية، فبعد ثلاثمائة عام حضر (الغازي) العربي عمرو بن العاص (642م)، والتقى شارح أرسطو يوحنا فيلوبونوس في الإسكندرية، وتحاور معه حول مسائل إيمانية، وقضيّة ألوهية يسوع، وأثناء ذلك حاول يوحنّا أن يقنعه بإنقاذ المصنّفات اليونانية، فأرسل إلى الخليفة (كما في القصة المعروفة)، ويقال إنّها استخدمت في تسخين مياه أربعة آلاف من حمامات الإسكندرية لمدّة ستّة أشهر؟! وهكذا ضاع هذا الكنز المعرفي إلى الأبد باستثناء كتب أرسطو.
كانفورا أورد هذه المعلومات عن القفطي (1172 ـ 1248م) وهو مؤرّخ من صعيد مصر، أما معلوماته فقد وردت في كتابه “تاريخ الحُكما” الذي وصلنا كمقاطع ضمن كتاب لمحمد الجوزاني (الزوزاني)؟ ويتحدث فيه عن تقاليد (ومعارف) اليونان في الإسلام.
كانفورا يرى بأن القفطي، الذي تفصله حوالي 600 سنة، عن حديث ابن العاص مع يوحنا، لم يقدم وثيقة حول تلك المحادثة، ويستنتج أيضا أنّ عدد الكتب التالفة (54000) اقتبسه القفطي عن كاتب يوناني اسمه إيبيفانيوس.
ويستنتج الكاتب: بأنّ حرق الكتب هو جزء من نشر المسيحية، وهناك خيط أحمر ناظم، فكل شيء بدأ في الإسكندرية، أمّا حريق مكتبات برغامون وانطاكيا روما أثينا فكان صدى؟

اقرأ أيضا