الاتحاد

الملحق الثقافي

متاهات وتداخلات بين الفنون والأعراق

متاهة فنية غنية ومدهشة حقا هو هذا المعرض العالمي، في مدينة جميرا في دبي، وفي عدد من الصالات خارج أرض المعرض. معرض “آرت دبي 2012”، متاهة تشبه الشبكة العنكبوتية/ الأخطبوطية الهائلة التي لا تعرف بدايتها أو نهايتها. نحن هنا حيال مشهد موزع على مساحات مترامية، وصالات عرض (ما يمثلها) لا تفصل بينها سوى فواصل افتراضية، فهي شبه متداخلة، حتى أنك بعد جولة قصيرة قد تجد نفسك في المكان الذي بدأت منه، رغم الخرائط واللافتات.
الزائر يتنقل طبعا بين مناخات وأجواء تمثل ثقافات الدول المشاركة (32 دولة)، عبر خمس وسبعين صالة فنية من أرجاء العالم، عرضت أعمالاً لأكثر من 500 فنان، وشملت العروض أشكال الفن التشكيلي وتياراته وتطوراته، هذا عدا المحاور الفنية والفكرية التي أقيمت ضمن فعاليات المعرض، وتجعل منه تظاهرة فنية يحضرها الفن وبعض الفنانين، لكن أبرز الحضور هم “المقتنون” الراغبون في الحصول على أعمال يعتقدون أن لها سوقا في بلادهم.
التجارة والفن مرة أخرى، معادلة يصعب خلق التوازن بين طرفيها، في ظل هذا الحجم الكبير من المشاركات لدور العرض، وما تعرضه كل دار من أعمال، والمستوى والتفاوت الذي يفرض تفاوتا في التعامل مع الفنانين. لكن الروح التجارية للمعرض لا تبدأ من هنا، بل تبدأ منذ بوابة الدخول حيث كاونتر بيع تذاكر الدخول، ولا يستثنى من هذا سوى الإعلاميين، وهي تذاكر بسعر متوسط (خمسين درهما للشخص)، ولكن هذا يعني حرمان فئة كبيرة ممن لا يملكون هذا المبلغ من حضور المعرض وفعالياته، خصوصا حين تتكون عائلات وأبناء. رغم ذلك فأنت تجد الآلاف تقبل على أجنحة المعرض، كل لأسبابه (الدورة الخامسة شهدت حضور عشرين ألف زائر، ويتوقع لهذه الدورة أن تشهد أكثر من ذلك، لأن الحضور شهد تصاعدا من الدورة الأولى إلى اليوم). حيث شهد اليوم الأول إقبالا كبيرا، وأعلن المنظمون أن تذاكر عدد من الفعاليات الإبداعية قد نفدت قبل الافتتاح عبر الانترنت.

الحضور الإماراتي
يتيح المعرض فرصة الاطلاع على هذا القدر الهائل من الأعمال الفنية، ما تيسر منها طبعا، لنرى هذا التنوع في المحاور والفعاليات من خلال أضواء سريعة على محطات أساسية. على صعيد المشاركة المحلية فهي حاضرة بقوة، عبر أبرز رموزها من الرواد، كما من خلال التجارب الشابة التي تشق طريقها في بحر متلاطم بالتجارب الكبرى. وتتوزع هذه المشاركة على صالات داخل المعرض وأخرى خارجه، فمن جيل حسن شريف وسلسلة أعماله التركيبية “أشياء”، وقد اختار العرض في دار أميركية بعيدا عن زملائه، شارك أيضا في معرض “دبي المعاصرة”، وفي دار “هنر” نجد الفنان عبد القادر الريس الذي تعرض له عملين من الحجم الكبير بسعر مفاجئ (مليون درهم)، وقريبا في الصالة نفسها أعمال الفنانة نجاة مكي وعبد الرحيم سالم وغيرهما من الفنانين.
الحضور الإماراتي كان موجودا خارج الصالات الرسمية للمعرض، في صالات تابعة للمعرض لكنها تقع في أمكنة يتم الوصول إليها بواسطة “حافلة الفن” التي كانت تقل المشاركين والزوار كل يوم في جولة على مجموعة من المعارض، وهي حافلة تقدّم نظرةً مختلفة للمشهد الثقافي والفني في دبي، مع ثلاثة مسارات تغطّي كلّ منها أقساماً فنية محدّدة في دبي، في جميرا والقوز والبستكية. وعلى طول المسار، كان يرى ركّاب “حافلة الفنّ” معارض دبي المستقلة ويزورون المعارض السنوية على غرار آرت دبي ومعرض سكة الفني. يرافق الزوار مرشدات ومرشدون فنيون في جولتهم التي تمتدّ يوماً كاملاً، وقدمت “حافلة الفنّ” أيضاً أعمالاً فنيةً حصريةً أبدعها فنانون إماراتيون. أوصى بها معرض سكة الفني خصيصاً بناءً على مبادرة من هيئة دبي للثقافة والفنون “دبي للثقافة” الهيئة المعنية بالثقافة والفنون والتراث في الإمارة.

دبي المعاصرة
الفنان محمد كاظم اختار أن يكون القيم لتظاهرة “دبي المعاصرة” التي أقيمت في مسرح دبي الاجتماعي يوم الرابع عشر من مارس (الجاري) وتستمر شهرا كاملا، بمشاركة عشرة من الفنانين والفنانات المحليين والأجانب، والذي سيقام سنويا ويحمل عنوانا فرعيا مختلفا. الفنانون المشاركون في هذا المعرض هم: حسن شريف، عبد الرحمن المعيني، ليلى جمعة، محمد أحمد إبراهيم، الحافلة زارت هذا المعرض واطلعنا على محتوياته، وتعرفنا من كاظم على فكرته وأهدافه.
الفنان محمد كاظم “القيم” للمعرض تحدث حول فكرة المعرض قائلا إنه يأتي في ظل افتقار دبي إلى معرض سنوي يوازي “البينالي”، فهو يحاول القيام بمهمة البينالي الذي يجمع فنانين وأعمالا فنية من دول العالم، ولكنه سيعبر عن معنى خاص هو “صنع في دبي”، ويقام ضمن فعاليات “آرت دبي” ضمن الإمكانيات المادية المحدودة لمسرح دبي الاجتماعي.
ويمتلك الفنان محمد كاظم رؤية خاصة لإقامة هذا المعرض، حيث يقول: ينطلق معرض (دبي المعاصرة) من مفهوم فلسفي واضح يعتمد ببساطة على حشد مجموعة من الرؤى البصرية لفنانين وفنانات من ثقافات مختلفة يلتقون جميعا للتعبير عن مشاهداتهم وانطباعاتهم عن مدينة دبي التي تتجاور فيها ملامح العراقة التاريخية ذات الطابع العربي الإسلامي، وأشكال الحداثة، وأحلام المستقبل، بما يجعل من هذه المدينة مكانا مثاليا لطرح فكرة التعايش بين الثقافات في المدن التي تحمل الصبغة العالمية.
وإضافة إلى هذه الرؤية التي ينطلق منها المعرض، فإن محمد كاظم يتصور أن هذا المعرض: يقدم فرصة رائعة لمتذوقي الفن للتعرف على بعد جديد في أسلوب التعامل مع بيئة المكان، حيث يعرض أعمالا لمجموعة من الفنانين الإماراتيين تكشف عن تفاعلهم مع المحيط المتعدد والثري لبلدهم. وعلى الجانب الثاني يقدم المعرض أعمالا لفنانين من الشرق الأوسط ولهم علاقات وطيدة مع دبي وبعضهم مقيم فيها منذ سنوات، حيث تكشف أعمال هؤلاء عن علاقتهم بالمكان وتعلقهم به.
وهناك أيضا مجموعة أعمال ثالثة لفنانين من جامعة فيلادلفيا في الولايات المتحدة، الذين تعبر أعمالهم عن انطباعاتهم عن مكان يزورونه للمرة الأولى. وبذلك تتوحد كل هذه الاتجاهات لإنتاج صور متعددة عن (دبي المعاصرة).

شعر وأمثال في الخط
وضمن تظاهرة “آرت دبي 2012” أيضا، يقام معرض “شعر وأمثال”، الذي يقام في مركز مطر للفنون، وهو تجربتان في عشق الحرف والخط العربيين، حيث يلتقي الفنان الإماراتي مطر بن لاحج والفنانة الأردنية نسرين أبو ديل حيث يقدم الفنان بن لاحج أربع عشرة لوحة ومجسماً تستلهم الأمثال الشعبية المعروفة أو تحتضنها في إطارها (البرواز)، بينما تقدم الفنانة أبو ديل ثلاثين عملا فنيا بأحجام مختلفة ومواد مختلطة، تجمع الخط وروح التصميم.
اللقاء يتم في ساحة الحرف والخط العربيين، الموضوع المشترك لكل منهما، ويختلف التناول والمعالجة والأسلوب، فالفنانة الأردنية أبو ديل القادمة من عالم التصميم الفني، عالم النقش كما أطلقت على الغاليري الذي أسسته في عمان “نقش”، تقدم أعمالها مستلهمة أشعار جبران وأبي ماضي وغيرهما لتصنع لوحة من الشعر واللون والمواد المركبة (الكولاج)، والألياف والطباعة، مع قدر من التركيز على الحرف العربي واستغلال جمالياته، وترصيع اللوحة بنص القصيدة بالخط الحديث المستخدم في تصاميمها. أما الفنان مطر بن لاحج فيواصل مسيرته مع مشروعه المتنوع بين الحروف والألوان والحركة، ويستمر في محاولاته الفنية القائمة على الحركة، سواء من خلال الحروف التي يقدمها في صورة جديدة قائمة على المزج بين الحرف والزخرفة، من خلال المزج بين المعدن والتراب، أو أعماله الضخمة التي تجسد روح الحركة والدينامية. ثمة أعمال على القماش تضم الحروف العربية، وتستغل جمالياتها، الحاء والخاء والواو والنون وغيرها من الحروف تشكل أساس هذه التجربة، لكن الجديد فيها هو استخدام الأمثال في البرواز، بخط رفيع يقارب النمنمة، أمثال شعبية دارجة من نوع “اسأل مجرب ولا تسأل طبيب” وغيره.

أعمال جائزة “كابيتال”
نعود إلى المعرض نفسه، وخصوصا الأعمال المعروضة في صالة مستقلة في مدخل المعرض، أعمال الفائزين بجائزة أبراج كابيتال، وهي أعمال يقدمها الفنانون بناء على منحة يحصلون عليها، والفائزون هذا العام كانوا: تيسير البطنيجي من فلسطين، ووائل شوقي من مصر، وريشام سيد من باكستان، وجوانا حاجي توما وخليل جريج (يقدمان عملا مشتركا) ورائد ياسين من لبنان.
يقدم رائد ياسين مجموعة من المزهريات بأحجام كبيرة وبمادة الخزف الملون، ليعبّر من خلالها عن رؤيته للحرب الأهلية اللبنانية، فيما تناولت الباكستانية سيد الموروثات الثقافية في بلدها من سجاد كبير الحجم، ويعود المصري وائل شوقي في عمله “ومضة من التاريخ النظيف” إلى موضوع الحروب الصليبية، ويقدم الفنانان توما وجريج، عملا بالفيديو الفني بعنوان “يمكن للرسالة دوماً أن تصل وجهتها” بعد سنوات من البحث والتوثيق لرسائل الاحتيال التي نتلقاها يومياً عبر البريد الإلكتروني. وفي منطقة مختلفة يعمل الفلسطيني البطنيجي في سلسلة من اللوحات بعنوان “إلى أخي” يستحضر فيها تاريخ علاقته بالشقيق الشهيد والذاكرة المشتركة، مستخدما النحت المستمد من صور فوتوغرافية مطبوعة على الورق ولا تظهر إلا بمواجهتها عن قرب، فهي كالأشباح.

العراقة الأندونيسية
نتجول في الصالات بلا خطة، فنحن في المتاهة نحرص أن نرى الجديد، لا أن نرى أسماء صالات العرض أو نتعرف عليها، خصوصا الأجنبية منها، فنتوقف أمام ما يلفت الانتباه والاهتمام، وأول ما ستوقفنا في البداية التظاهرة الإندونيسية التي شكلت محورا لاحتفاء المعرض هذا العام، فتم تقديمها بصورة مغرية، وهذا أسلوب المعرض في تقديم المشاركين. بدأنا من صالة المدخل المخصصة لعرض الأفلام الوثائقية عن الحياة في إندونيسيا وثقافتها، وذهابا إلى أعمال تتوزع على عدد من صالات العرض لتقدم صورة عن المزاوجة بين الثقافة والدين، والتوتر الفريد من نوعه بين مفهومي الجماعة والفرد. فمفاهيم مثل الفرد والذات غالباً ما تُعالج في الثقافة الغربية فيما ظهورها جديد في المجتمع الإندونيسي. وفي عدد من الأعمال تبرز التقاطعات بين العام والخاص، المواطنة والدولة، والأهم من ذلك المساحة الرمادية بينهما حيث يتموضع كثر من الاحتمالات والحقائق الأخرى.

الاستوديوهات المفتوحة
من الفعاليات اللافتة ضمن برنامج “مشاريع آرت دبي”، ببرز المشروع التفاعلي التعليمي العائلي “المغرب إلى القمر” الذي أنجزته الفنانة المغربية “ايتو برادة” بالتعاون مع دار التصميم الخاصة بالأطفال “زيد زيد كيدز”. ويستلهم هذا المشروع أفكاره من الخيال العلمي الذي شهدته فترة الخمسينيات من القرن العشرين. صُمِّمت هذه الفعالية ثلاثية اللغات كمساحة استكشافية فريدة للصّغار وعشاق الفضاء من كافة الأعمار، حيث تشمل جوانب تفاعلية وورش عمل تهدف إلى إثراء الحس الفني والإبداعي لدى الأطفال. أما برنامج “إقامة الفنانين والقيمين” فأقيم بالشراكة مع “مؤسسة دلفينا” و”هيئة دبي للثقافة والفنون” ومؤسسة “تشكيل” في دبي و”آرت دبي 2012” طبعا، وهو البرنامج الذي جرى تنظيمه هذا العام على مدار ثلاثة أشهر بمنطقة البستكية التاريخية بدبي بمشاركة ستة فنانين وقيِّمة.
وفي إطار هذا البرنامج كُلِّف فيصل بغريش (باريس) ومجدي مصطفى (القاهرة) ودنيز أوستر (إسطنبول/غلاسكو) بتنفيذ أعمال إبداعية خاصة بالمعرض. كما شارك في البرنامج كل من فيصل ومجدي ودنيز إلى جانب ثلاثة فنانين من الإمارات هم هدية بدري وزينب الهاشمي وناصر نصرالله، بأعمالهم في إطار “الاستوديوهات المفتوحة” ضمن “معرض سكة الفني” بمنطقة البستكية التاريخية خلال تظاهرة “أسبوع الفن 2012”.

برامج للمرة الأولى
ومن بين البرامج الجديدة في معرض هذا العام، البرنامج التعليمي الخاص بـ “أسبوع الفن”، أسبوع كان يرمي إلى إتاحة الفرصة أمام الشبان لسَبْر أغوار عالم الفن والتصميم المعاصِرَيْن. وكانت انطلقت السلسلة الجديدة من الملتقيات النقاشية الشهرية في ديسمبر 2011 في إطار الجهود المتواصلة التي يبذلها “آرت دبي” لإثراء التجربة الإبداعية والفنية، ودعم القدرات المحلية، وتوفير الفرص التعليمية للطلاب والخريجين بالدولة. ويوفر آرت دبي فرص تدريب لمدة ثلاثة أشهر، وفرص للتطوع للعمل خلال أيام المعرض.
ومن جديد هذا العام أيضا إطلاق جائزة “جون جونز” خبير الإطارات الفنية. وتهدف الجائزة إلى تكريم التميز الكامن والابداع في الأعمال المنجزة على الورق، وتفتح الباب أما أي فنان ليعرض أعماله من خلال صالة فنية في آرت دبي.

اقرأ أيضا