الاتحاد

الملحق الثقافي

الروح الرومانسية للأميركي المغامر

يذهب بول ريكور في توصيفه للعلاقة بين الأدب والتاريخ إلى أن الأدب يستطيع الكشف عما لا يستطيع التاريخ دائما اكتشافه، ولعل رواية إبراهيم الكوني الأخيرة “جنوب غرب طروادة/ جنوب شرق قرطاجة” تقدم نموذجا للعلاقة بين الرواية والتاريخ من خلال تخييله وإعادة بناء وقائعه وشخصياته بغية تقديم فهم أعمق لذلك التاريخ.
تعود الرواية إلى حقبة نهايات عصر الدولة العثمانية وبداية صعود القوى الاستعمارية الغربية، لاسيما الولايات المتحدة ومحاولتها السيطرة على ليبيا في موسم اغتنام الأرض التي كان يسيطر عليها الرجل المريض العثماني. إن الرواية التاريخية التي تقوم عادة على مادة تاريخية تخضع في شروط بنائها السردي إلى مجموعة من القواعد الفنية والسردية والحكائية التي يستدعيها العمل الروائي، بهدف الكشف عن جوانب لم يكشف عنها كتبة التاريخ ومدونوه، أو إعادة كتابته من منظور معاصر ومن خارج دائرة كتبة السلطة التي تدونه بما ينسجم مع رغباتها.
لكن الجانب الهام في هذه الرواية يكمن في زمن صدورها ومحاولة قراءة الحاضر في مرآة الماضي، والبحث عن سلطة الاستبداد في مآلاتها الكارثية على المجتمع والأوطان.
لا تسعى هذه القراءة لمناقشة بنية الرواية السردية أو كيفية بناء شخصياتها وأدوارها أو عناصرها المكانية والزمنية، بل هي تحاول التوقف مليا عند قضية هامة تخصّ الشخصية الأمريكية في هذه الرواية، وهو ما يحاول عنوان الرواية أن يقوم بتكثيفه واستحضار معناه ودلالاته، باعتباره يشكل مدخلا مهما لفهم حقيقة تلك الشخصية، ومحاولتها إضفاء قيمة تاريخية وثقافية أصيلة عليها، تسعى من خلالها إلى تقديم نفسها بوصفها تمثل امتدادا لها، وبالتالي فهي تختلق تاريخا مزعوما تحاول أن تسقطه على عمليات غزوها لأرض تلك البلاد.
لا شك أن كل قراءة هي عملية تأويل خاصة تخضع لثقافة ووعي وحساسية المتلقي، فهل أراد الروائي أن يكشف عما تعانيه الشخصية الأمريكية من شعور بالنقص تسعى للتعويض عليه باختلاق مرجعيات ثقافية مستمدة من الثقافة الأوربية، لكي تقدم نفسها بوصفها شخصيات عريقة ذات ثقافة وتاريخ وحضارة تبرر فيه نزوعها للتدمير والعنف؟ أم أنه أراد أن يكشف عن التباين الذي يحكم تلك الشخصيات باختلاف جنسها وثقافتها الشخصية؟
ثلاث شخصيات أميركية أساسية تقدمها الرواية من خلال دورها الفاعل في صنع أحداث الرواية وتناميها، وبقدر ما تكشف تلك الشخصيات عن نوازع وثقافات متباينة المرجعيات والأهداف تعكس واقع المجتمع الأميركي وتنويعاته الثقافية والاجتماعية، فإنها تعكس روح المغامرة المعبرة عن الشعور بالقوة واندفاعاتها للتعبير عن نفسها عبر نزعة السيطرة والهيمنة التي تمثلها الحملة الأميركية البحرية على ليبيا.
يمثل الشخصية الأميركية الأولى الربان بينبريدج الذي استطاع أن يخضع سواحل المغرب العربي لسلطانه، لكنها وقعت رغم ذلك في مصيدة الأسر، والثانية شخصية النقيب ديكاتور الذي يأتي متنكرا في زي تاجر لتدمير السفينة فيلادلفيا التي وقعت في الأسر، وهاتان الشخصيتان مسكونتان بروح المغامرة والتاريخ النابعة من ثقافة أوروبية تقليدية مستمدة من إلياذة هوميروس وقصص أوليس في بحثه عن الفردوس المفقود، حيث تغذي تلك القصص مخيالها الشعري وأحلامها في هذه الحملة، بينما تبدو الشخصية اليهودية ـ الأمريكية بورتر معاون القبطان مسكونة على العكس منهما بثقافتها اليهودية وبحثها عن استرداد وطنها المزعوم. وتمثل الشخصية الثالثة للجندي الأحمر نموذجا مختلفا عن تلك الشخصيات، فهي تعكس ثقافة الهندي الأحمر الأسطورية وروحها، في حين أن شخصية الدليل المالطي كاتالانو وريثة الثقافة الإيطالية تعكس افتتانها بجحيم دانتي لكنها تبقى الأكثر قربا من روح منطقة البحر الأبيض المتوسط وثقافته، وبالتالي الأكثر معرفة بالشعب الليبي، وهي تشترك مع الشخصية اليهودية في تلك المعرفة.

وظيفة الحوار
إذا كانت الشخصيات الروائية تمثل تجسيدا لأنماط من الوعي الاجتماعي ـ الثقافي، فإن الحوار في الرواية هو الوسيلة الأفضل للتعبير عن أفكار تلك الشخصيات وعن طبيعة وعيها ومستوياته. وفي هذه الرواية يكشف الحوار عن حقيقة أفكار تلك الشخصيات وثقافاتها التي تغذي مخيالها وتشكل موقفها إزاء الأحداث، ونظرا لتباين ثقافات ونوازع تلك الشخصيات نجد ثمة تباينا فيما بينها في فهم ومواقف كل منهم حيال ما تواجهه الحملة من أخطار وتحديات تستدعي ردود أفعال ومواقف مختلفة. يتباين الهدف من الحملة بين شخصيتي الربان الأمريكي المسكون بشعور العظمة والقوة التي تصل إلى حدّ الغطرسة، وبين شخصية ديفيد بورتر اليهودي الذي يعمل معاونا له، ويظهر هذا التباين في الدوافع من خلال الحوار الذي يدور بينهما على ظهر السفينة العملاقة فيلادلفيا: “غاب بورتر بعيدا فقرر القبطان أن يعيده إلى الوراء بلهجة اعتذار: يدهشني يا “ديف” أن تتحدث عن معتقدات أهل أرض لم تنزلها.. أكثر من دهشتي لقدرتك على قراءة رسائل لم تستلمها، فهل استعرت علمك من كتب أم من شهود عيان؟
سرح بورتر بعيدا فغاب في دغل النخل المغمور الآن بضياء صبح خجول محجوب بعتمة الغيوم:
ـ أنت لا تدري يا سيدي أني لم أجئ برفقتك إلى بحر ليبيا للدفاع عن تجارة العالم الجديد، ولكنني جئت غازيا لأسرد وطني”.
وتبرز الشخصية الثالثة الهندية لتقدم نموذجا مختلفا عنهما، إذ إنها رغم وجودها معهم على ظهر السفينة إلا أنها تظل تعيش في عالمها الخاص الذي يمثل امتدادا لعالم أسلافها وثقافتهم الأسطورية ما يجعل ردود أفعاله وموقفه مما يحدث مختلفا كليا عن مواقف الآخرين: “كان الهندي الأحمر يلوك عشبته في هذه اللحظة أيضا عندما أجاب ببرود استفز الربان:
ـ لا شيء يا سيدي، كل ما هنالك أن روحا شريرة هبَّت البارحة فجنحت “الجنية” شرقا!”.. لكن التعبير عن مضمون تلك الثقافة تتكشف أكثر أثناء حواره مع الباشا.

الرومانسية والمغامرة
تتجلى المفارقة الأخرى في الحملة البحرية السرية الثانية بين شخصيتي النقيب الأمريكي ديكاتور والقبطان المالطي إذ ينتمي كل منهما إلى ثقافة مختلفة تبرز خلال الحوارات المطولة التي تدور بينهما أثناء إبحار السفينة وعلاقة كل منهما بالمكان، ففي حين نجد النقيب ديكاتور مسكونا بروح المغامرة الرومانسية المستمدة من عمق التاريخ وإلياذة هوميروس وحكاية أوليس في بحثه عن فردوسه الضائع، فإن الشخصية الأمريكية الأخرى للقبطان بريبل التي تمثل نزعة العدوان والقوة المدمرة التي تحاول أن تكون امتدادا لميراث الخراب والدمار لحروب طروادة وقرطاجة: “حدَّث القبطان بريبل النقيبَ ديكاتور فقال: لن يهنأ لي بال حتى أسوي مدن هذا الساحل بالتراب كما فعل أسلافنا بطروادة، أو أحرثها حرثا وأنثر الملح في أرضها حتى لا تعود تنبت زرعا، كما فعلت سلالة طروادة بعدوتها “قرطاجة”!
أما شخصية الدليل المالطي كاتلانو فهي تعكس روح ثقافة شرق المتوسط وتأثرها بالثقافة اللاتينية وجحيم دانتي، كما يكشف عن ذلك حوارها مع ديكاتور: “أعترف لك بأني حاولت أن أجد جحيمي هذا مرة، ولكن الأقدار خذلتني ولم أكن لأتولى أمر حملتنا هذه لو لم أرها فرصة لتحقيق حلمي المفقود”.
وهكذا تبدو روح المغامرة والبحث عن تحقيق الأحلام هي الخلفية التي تحرك نوازع وأهداف تلك الشخصيات في مغامراتها الحربية للسيطرة وإخضاع العالم لقوتها.

اقرأ أيضا