الاتحاد

الملحق الثقافي

في اغتيال «حارس الفنار»

في الثامن والعشرين من شهر فبراير هذا العام، حلّت الذكرى العاشرة لمقتلٍ بشعٍ، إذ أجهز القاتل، ليلاً، بأكثر من عشرين طعنة تناهبت بمنتهى الخسة والقسوة، جسد هزيل انطوى عليه “حارس الفنار” ذلك هو الشاعر محمود البريكان، وهو في بيته آمناً مطمئناً، لعله كان يهيئ الجلسة للزائر “المجهول” أو “الطارق” الذي تنبأ بحضوره في إحدى قصائده.
البريكان المترفع عن الصغائر واللغو اليومي، والمنتشي بعزلته، تحيطه الأسرار والتقولات والتضاربات، ومكانه الرمزي والإبداعي هو أكبر وأوسع من بيته الفعلي في البصرة، التي شهدت ولادته ومقتله، وذلك المكان هو “بيت الشعر العربي الحديث”. البريكان الشاعر الذي آثر العزلة والصمت الخلاق، مع أن قصائده تمور بأكثر المصائر الإنسانية مأساوية والأفكار والثيمات والرؤى التي ترد فيها تترك ضجيجاً مُهندسا بإتقان الشاعر المتمكن أنه ذلك “الصانع الأمهر”. فالبريكان الإنسان والشاعر، لا يمكن فصل الواحد عن الآخر، وهو المغدور دون ذنوب أو آثام وخطايا، تسامى نحو آفاق الإبداع والتحضر، بنتاجه وشخصه، إذ مثّلا، في وحدة لا انفصام لها نهائياً، روح التطلع الحداثوي المتمدن في النسيج الثقافي العراقي ـ العربي، من خلال تنقيبه في صبوات الروح وتراثها الإنساني، وبحثه في الوجه المغيب للواقع والتاريخ محتفياً بعظمة الكائن الإنساني، متمسكا بإرادته الحرة التي لم يسمح لأحد أن ينازعه عليها. وعن ذلك تقول الناقدة د. فاطمة المحسن: “العراقيون جوعى إلى المعلمين، فكيف بشاعر مثله يملك كل ما تختزنه أرستقراطية ثقافة الخمسينيات العراقية: الفردانية التي لا يساوم عليها، عشقه الموسيقى الكلاسيكية والأدب الرفيع، الهدوء والكياسة، الزهد بالشهرة، ندرة النتاج ونوعه”، وترى د. المحسن أن البريكان بات لغزاً، و”أيقونة وبقيت الكتابة عنه وتحليل شعره وشخصيته، محض تأملات في ظاهرة شاعريته وسلوكيته”.

بلا بهرجة
ظل البريكان في شعره وأحكامه وأحاديثه النادرة، بعيداً عن الإطناب والبهرجة والتزويق، متحصناً بعزلته الخلاقة والتي اختارها كموقف واضح، ضد تزوير الحقيقة، وتأبيد المهانة والذل والتزييف، مؤثثا حياته بالمثل الإنسانية المشروعة العظيمة والبسيطة، محلقاً بالشعر نحو الكوني من أجل خلاص الإنسان و نزوعه للحرية والحياة اللائقة، وبإعلاء دور الشاعر الخلاق بنصوصه المشعة التي تتحدث نيابة عنه، وتجعله رسول الحضارة ومستشرف المستقبل والمتحكم بالرؤى والمنادي بقصيدة الفكر الشعري الخلاق. وإذ يؤسس البريكان شعره، كما أرى، على فرضية (التواصل المعرفي ـ الإنساني) لا ثيمة الصوفية المغلقة ومعرفيتها الميتافيزيقية، كما وتنحوا قصيدة البريكان لـ(الإدراك المعرفي) فمن خلاله تؤكد على الذات الإنسانية وتجلياتها، وتَمسك بالواقع وجمره والمصير الإنساني الفاجع، وبالتاريخ وأساطيره، لأن البريكان ينتمي لأولئك “الطالبين غمار الأفق” في كل مكان وزمان.
لقد سعى الشاعر البريكان للانتقال من نص لآخر عبر(الصور الشعرية) المترادفة ـ المتراكمة التي تعتمد الانسيابية، وتجنح أحيانا إلى صمتها المقصود فنياً لتخلق ضجيجها الخلاق حتى وأن كانت ثيمتها الذاكرة الأسطورية البعيدة عن حاضرنا. يتساءل الشاعر عبد الكريم كاصد في مقاله “الصوت الناصع”: “أكان يدرك البريكان الشاعر الذي نأى بنفسه عن السقوط الجماعي، أنه سيصبح يوماً ضحية هذا السقوط؟. وسواء أكان السقوط سياسياً أم غير سياسي، تمثّله سلطة تحترف القتل، أم لصوص عاديون، فإن مقتله دليل على افتقاد أمنٍ، وموتٍ، عراقي متواتر ومتواصلٍ، حتى اللحظة، وغير مبرّر وسيظل باعثاً على الرجفة أبداً، وعلى التفكير طويلاً”.

البذرة والفأس
في الذكرى العاشرة لمقتل “حارس الفنار ـ الشاعر محمود البريكان” نقدم قراءة لكتاب “البذرة والفأس” للناقد رياض عبد الواحد، والذي طبعه في البصرة، بطريقة الاستنساخ العراقية وعلى نفقته الخاصة متجاوزاً عذاب السنوات المرة التي ميزت حياة العراقيين، في سنوات الحصار المدمر والذي لا يمكن تخيله أو الحديث عنه إلا لمن كابده وعايشه. ويرد في العنوان الفرعي للكتاب “قراءات حرة في شعر محمود البريكان/ قصائد (عوالم متداخلة) إنموذجا”، وقدم له أ. د. حسين عبود الهلالي أستاذ النقد الأدبي في كلية التربية/ جامعة البصرة، ذاهباً في مقدمته إلى أن الكتاب قراءات لا تلتزم منهجا محدداً من مناهج النقد الأدبي وربما يمكن وضعها ضمن ما سمي بـ”النقد الانطباعي”، وقد عرف به الدكتور على جواد الطاهر والناقد عبد الجبار عباس.
وفي تمهيده للكتاب يذكر الناقد رياض عبد الواحد: إن قراءة الشاعر البريكان تستدعي وقفة تأملية بسبب من أن تجربته يحيطها الغموض من جوانبها جميعا، وأن الماهية التي يتوخاها الشاعر من خلال قصائده ليست واضحة المعالم وأن المنعة شديدة فيها والعزلة ممتدة على مساحة واسعة، والافتتان بما تحمله النفس في الداخل أعلى وأكبر من الافتتان بالعالم الخارجي، والبزوغ كثيرا ما يشع في ظلمات الروح دون تدخل قسري من الشاعر. ويضيف: إن شعر البريكان أشبه بالبذرة الموضوعة في إحدى قصائده ومنها استقى عنوان كتابه، وهذه البذرة وهي تعيش في الداخل فأنها تأخذ منه كل شيء وتندفع بقوة إرادتها مخترقة تربتها لتكبر وتثمر وتكون ذات لحظة ما خاضعة لفأس الحطاب التي هي صلة التواصل والتقاطع في العيش بعجائبه المتعددة مرئية أو مخفية ومنها صلة الشعر بالشاعر، وبالآخر لكونها محصلة الحياة النهائية.
يحتوي الكتاب على ثلاث عشرة دراسة عن قصائد “عوالم متداخلة” للبريكان وتتضمن بداية كل دراسة نصوص قصائد: المأخوذ، دراسات في عالم الصخور، رحلة القرد، نوافذ، متاهة الفراشة، مدينة خالية، مصائر، ارتسام، الطارق، الغرفة خلف المسرح، الكهف العميق، بلورات. ويعمد الناقد رياض عبد الواحد لدراسة كل قصيدة على حدة ضمن مهيمنات عدة، ومنها كما يذكر تجربة (الاعتزال) التي يعمد إليها البريكان إذ يتداخل في مركزها أكثر من وشيجة لتشكيل نقطة التقاء المعقول باللامعقول. ويرى الناقد عبد الواحد أن تجربة (الاعتزال) فَرضت على شعر البريكان صورا يغلفها انفعال ذاتي، مما جعل الزمن في بعض قصائده غير موحد ولم تتضح أي صلة بين الماضي والحاضر والمستقبل، فكانت بعض قصائده غامضة وهي تجوب في غياهب المجهول، ومع أنه جنح لاستنطاقها لكنه لم يستطع ذلك بسبب عدم تخلصه من عزلته الروحية فأسقطها فيها من ناحية المبتدأ والمنتهى. هنا عليّ أن أوكد أن صفة (الاعتزال) التي يطلقها الناقد عبد الواحد تحتاج إلى تمحيص ودقة ووضوح، لأنها تحيلنا تاريخياً إلى (المعتزلة) وتصوراتهم عن الدنيا والمجتمع والناس وأطروحاتهم حول الدين، وأرى أن صفة (العزلة) هي الأكثر دقة عند الحديث عن تجربة البريكان الشعرية والحياتية لا (الاعتزال).

الشعر والعلم
في بحثه لقصيدة البريكان “دراسات في عالم الصخور” يتساءل الناقد عبد الواحد عن الوشائج بين الشعر والعلم؟ وهل يصح أن يلج الشاعر الذي يمنحنا مدركات حياتنا اليومية المتنوعة وبما يوصلنا إلى حسٍ راقٍ وقيماً أخلاقية تتجسد في حقائق السلوك الإنساني؟ ولكل ذلك وغيره هل يستطيع الشاعر الدخول إلى منطقة اشتغال العالِم دون السقوط بالنثرية؟ ومن خلال تحليله لهذه القصيدة فإنه يؤكد إنها “قصيدة معرفية”، وبسبب قدرة البريكان على الكشف في القصيدة فأنها هي التي تقود لتقبل هذه الموضوعة الجيولوجية شعرياً، إذ أن هذه القصيدة لا تفضي إلى أن تقدم أو تعلمنا حقائق جيولوجية كما أنها لا تفسر لنا الجزئيات المتكونة منها الصخرة كما يفضي بذلك عنوانها الخادع، بل هي قصيدة إيحائية تكشف لنا ما يمكن أن نتلقاه من الصخرة بالشعور والإحساس، لا ما يفرزه العقل المجرد عن الصخرة الصماء والتي يكمن سرها في داخلها، وأن الولوج والتغني بعالم الطبيعة ليس مستحدثا في الشعر عامة ولكن أهمية ذلك تكمن في طريقة التعامل الشعري معهما، وأن البريكان استطاع ومن خلال عالم الصخور في دفع الحقائق الطبيعية إلى وقائع شعرية عمقت الإحساس بالصور المحسوسة للصخور عبر التقاط بعض الصفات في ما هو محسوس والانطلاق منه إلى ما يريد توصيله إلينا من أفكار ورؤى في المحسوس ذاته، وأن البريكان غالباً ما يسحب صوره الشعرية من الخارج المتلاطم بالحركة والاندفاعات إلى داخل نصه، وهو بهذه الطريقة يضيف بعداً رمزياً لصوره الشعرية التي قد تبدو غامضة بشكل منفرد، وفيما إذا أخذنا قصيدة البريكان ككل تبدو موحية متماسكة. وأن الثيمة التي عبرها تتحدد خصوصيات الشخصيات الغائبة في قصائده، والتي يخفيها الشاعر، هي الحرية المستندة إلى الوعي والاختيار وهي تعيه يقينيا. كما يلاحظ الناقد أن البريكان قد تخلى عن معجمه الشعري القديم، مستثمرا مفردات الطبيعة كما في قصيدة (الفراشة) وهو يواجهنا بمرئيات المخالفة، وتعتمد كذلك قصائده تغييب الزمن في البداية ثم الكشف عنه لاحقا.
كما يذهب الناقد إلى إن البريكان يكشف عن قدرة قصصية في بعض قصائده من خلال استخدامه الأسلوب السردي ومتلازماته إلا أنه سريعا ما يعود إلى عالمه الشعري في بحثه عما يكمن خلف عالم المرئيات من خلال ما يصفه بـ”اللحظة الشعورية الفريدة”. وعبرها ينفرد البريكان بعمق الفكرة وجلائها والتعبير عنها بالصورة الشعرية التي جعلت شعره يتألف من طبقات عدة، كما استطاع من خلال مهيمنة الفكرة في قصائد “عوالم متداخلة”، وعمله فيها على تحديد شكلها، وأسلوبها معتمدا بقصدية واضحة، على المزج بين الظلال وعمق الأفكار ووضوحها، دون أن يبتعد فيها عن الإيحاء بما هي عليه الفكرة ذاتها ووضوح دلالاتها ومَسكَ كل الخيوط في “عوالمه المتداخلة” بقصيدته متعددة الأصوات والمشاهد والرؤى والتي يعكس فيها بالأساس من خلالها وعيه الفردي الحاد و الباطن، غير المنعزل عن حراك الواقع الخارج المُعطى.
كتاب الناقد رياض عبد الواحد مع أنه مقالات بعضها قصيرة كتبت ضمن مساحة محددة لصفحة ثقافية يومية، إلا أنه يكشف فيه عن بحث وجهد فيساهم بإجلاء بعض سمات العالم الشعري الذي يغمر قصائد “عوالم متداخلة”، واستطاع الناقد رياض عبد الواحد العمل على فك بعض مغاليقها وتكويناتها، من خلال لغته النقدية الواضحة ومرجعياته الثقافية الحديثة.

اقرأ أيضا