الاتحاد

الملحق الثقافي

بشير مفتي: تجربتي ملتقى للرعب والحلم

هل هي تراجيديا فرد أم تراجيديا بلد؟ من يحدد لنا هذا المصير؟ ماضي العائلة والسياق الذي نعيشه أم هو خيارنا فقط؟ هل الشر مطلق أم نسبي؟ هل الهوية حجر؟ وما علاقتها بالدين والسياسة، وصراعات الأيديولوجيا في عالم تتنامى فيه بقوة وعنف النزعات الدينية؟ هل نحن من نختار أم واقعنا هو الذي يختار لنا؟
في روايته “دمية النار” الصادرة طبعتها الأولى عن “منشورات الاختلاف ـ الدار العربية للعلوم ناشرون” بالجزائر 2010، والتي تم ترشيحها ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربيّة 2012، ثم ضمن الروايات الست بالقائمة القصيرة، يطرح الروائي الجزائري المعروف بشير مفتي هذه الأسئلة الإشكالية التي ستجابه قارىء الرواية بُعيد الانتهاء منها.

تحكي “دمية النار” قصة لقاء يجمع بين الروائي بشير مفتي وإحدى الشخصيات الغامضة، والذي يسلمه بدوره مخطوطة رواية يحكي فيها سيرته الذاتية. إنه “رضا شاوش” الذي يسعى جاهدا ألا يشبه والده مدير الزنزانة في السبعينيات وانتحر نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. غير أن الظروف شاءت له أن يسير على نفس الطريق وينضم لجماعة تعيش في الظل ويصبح واحدا من رجالها الأساسيين.
“دمية النار” رواية موجعة لقارئها الذي تفجأه وتفجعه تحولاتُ بطلها الخارج من آفاق الشاعرية المثالية لتتحطم على صخرة واقع أسود ومأساة حقيقية عانتها الجزائر، خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات، وهي ذات الفترة التي تشكل فيها وعي وتكوين الروائي، الذي تشبع حتى النخاع بهذه التجربة القاسية، وطبعت معظم رواياته بطابعها التراجيدي وإشكالياتها الممتدة. أو كما عبر عنها بعض من قرأ الرواية بقوله: “الرواية ترصد ذلك التحول الكبير والخطير، الذي طرأ على شخصية المواطن الجزائري رضا شاوش، في حقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي فنقلته من طور الشخصيّة المستسلمة والمسالمة، إلى طور الشخصية الشريرة ذات الوجه المخيف، الذي خلت من ملامحه الروح.. فعكسته مرآته حين أضاع هويته النفسيّة تحت أنقاض إرادته التي أسدلت ستارها على إنسانيته وسلبته ذاكرته البريئة”..
الروائي بشير مفتي، كاتب وصحافي جزائري، ولد عام 1969 بالجزائر العاصمة أصدر العديد من الأعمال القصصية والروائية، وترجم بعض أعماله إلى اللغة الفرنسية، وله مساهمات عديدة في الصحافة العربية. يعمل حاليا في مؤسسة التليفزيون الجزائري، كمساعد مشرف على حصة ثقافية تحمل اسم “مقامات”.
كان لـ”الاتحاد الثقافي” الحوار التالي معه..

? الكتابة لمن يعانيها “مغامرة” تستحق عناء خوضها وتستأهل أن نقف إزاءها وقفات متأنية لاستجلائها وتأملها.. كيف يرى بشير مفتي “مغامرته الكتابية” منذ اجتياز عتباتها الأولى وحتى الوصول إلى القائمة القصيرة للبوكر 2012؟
? جئت للكتابة في نهاية الثمانينيات، وهي الفترة التي شهدت تحولًا سياسيا مهما حدث بعد انتفاضة الشباب في عام 1988 التي شاركت فيها كما شارك غيري من الجيل الذي أنتمي إليه، “ولدت عام 1969”. انتقلنا من حكم الحزب الواحد إلى التعددية السياسية. ولقد كتبت في ذلك المناخ الجديد؛ مناخ الحرية التي أخذها الشعب الجزائري بثورته الشابة. حينها، وهي فترة رغم ما حملته من أحلام ووعود، وجدنا أنفسنا فجأة بين مطرقتين: النظام الذي لم ينهزم بعد، والتيار السلفي الأصولي الذي راح يكتسح الشارع ويحصد أصوات كثيرة ويهدد بالدولة الإسلامية أو الجهاد.
في تلك المناخات التي امتزج فيها الرعب بالحلم، كتبت قصصي الأولى ونشرتها في عدة جرائد جزائرية، لم تكن الرواية تخطر على بالي حينها، بالرغم من أنني قاريء نهم للروايات العالمية والعربية، حتى دخلنا مرحلة الحرب الأهلية التي دامت عشر سنوات. في هذا النفق المظلم تحولت الكتابة الروائية إلى نوع من الملجأ القاسي؛ ملجأ المنفيين الذين يشعرون أن كل تلك الأحلام التي حملناها وأردنا تحقيقها قد تكسرت على أرض الواقع الجديد، واقع دموي عنيف ذهب ضحيته 200 ألف قتيل، وهو ما أثر طبعا على معظم نصوصي الروائية؛ فعملي الأول “المراسيم والجنائز” 1998 تحدث عن تلك الفترة بالذات، ثم كتبت “أرخبيل الذباب” 2000 وهي الرواية التي نقلت فيها حالات الصراع والإخفاق من خلال مجموعة من المثقفين الشباب الذين يصطدمون بواقع يحد من حريتهم ويحكم عليها بالموت أو الخذلان، لتستمر المغامرة مع “شاهد العتمة” 2003 و”بخور السراب” 2005 و”أشجار القيامة” 2007 و”خرائط لشهوة الليل” 2008 وأخيرا “دمية النار” 2010. وأعترف بأن ما حدث في الجزائر خلال العقد الأسود قد أثر فيّ كثيرًا وترك بصمته على تجربتي الروائية، من حيث المضمون خاصة. ولكن من جهة الشكل نوعت في طرائقي السردية مع كل رواية؛ فهي تتقاطع مضمونيا أحيانا، وتتغاير من ناحية الشكل الروائي، فهو في رأيي كان دائما مختلفا من نص لآخر.

المشهد الجزائري
? السياق الإبداعي الجزائري، ربطه الكثيرون في بداياته بالخروج من شرنقة الكتابة بغير اللغة العربية.. ثم في مرحلة تالية وعلى نطاق أوسع وأشمل من التحولات الأدبية والإبداعية اللافتة وبرزت أسماء بحجم الطاهر وطار، وعبدالحميد بن هدوقة، مرورا بالأجيال التالية من الكتاب الجزائريين وصولا لبشير مفتي.. كيف ترصد المشهد الروائي في الجزائر وأبرز ملامحه؟
? في الجزائر يوجد الكثير من الكتاب الجدد الذين جاءوا بعد جيل المؤسسين “وطار، بن هدوقة، بوجدرة” وجيل السبعينيات “أمين الزاوي، جيلالي خلاص، مرزاق بقطاش، حبيب السايح”. ولقد بدأ ظهورهم في مرحلة التسعينيات. وهم عبروا عن تلك المرحلة الصعبة والقاسية من تاريخنا. أسماء كثيرة ولكن قلة من تكمل المشوار نتاج المناخ الثقافي السييء الذي لا يشجع الكتاب على الكتابة. قلة من تصمد وتبقى تراهن على ما تكتب. قلة من تفتح لها الأبواب المغلقة، لهذا الكثير يموت بسرعة، أي بعد رواية أو روايتين يصمت. والبعض يبقى يُقاوم مقاومة عسيرة، وأتحدث هنا عن الكتاب الذين يكتبون بالعربية؛ لأن الوضع مختلف لمن يكتب بالفرنسية، حيث يجدون التشجيع من طرف المؤسسات الثقافية الفرنسية، ولكن يبقى المشكل قائما في الواقع الثقافي الجزائري الذي يبصمنا بالتشاؤم دائما.. ولهذا يهاجر الكثيرون إلى الخارج مثل فضيلة الفاروق “لبنان”، عمارة لخوص “إيطاليا”..الخ، والقلة الباقية تكتب لأنها مقتنعة بموهبتها وكتابتها، وتريد أن تجد لها موقعا “داخل وخارج” الخريطة الجزائرية، كسمير قسيمي وغيره.

? أين وكيف يموضع صاحب “دمية النار” صوته الروائي ضمن السياق الإبداعي السابق؟
? رغم أنني أتموضع زمنيا ضمن سياق ما سمي الجيل الجديد في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وهي الفترة الذهبية التي تزامنت مع ولادة الديمقراطية والانتقال من الحزب الواحد إلى التعدد السياسي والثقافي وغيرها إلا أنني صراحة لم أكن أحب تلك التصنيفات الاعتباطية والتي تضع السن أو المرحلة كمعيار للزج بالجميع في “جيلية” لم تصمد طويلا في الحقيقة؛ لأن فكرة الجيل كما نطرحها عادة خاطئة.
بالنسبة لي الكتابة مسألة فردية بالدرجة الأولى أي تخص الكاتب نفسه فهو لا يكتب ليتجاوز من سبقه، وهذا السؤال كان يطرح علينا دائما نحن من نسمى الأدباء الشباب “لم تستطيعوا تجاوز الأسماء التي سبقتكم” وكان جوابي الوحيد هو أن لا أحد يتجاوز أحدا في الأدب. إن مهمة كل كاتب أن يختلف عمن سبقه وحتى عمن يجاوره في السياق الزمني والكتابي أيضا لأن السياقات المختلفة تفرض رؤية مختلفة وكتابة مغايرة وجديدة بالضرورة.

عن التصنيفات
? صنف البعض روايتك “دمية النار”، على أنها تنتمي إلى ما يطلق عليه “السرد الاعترافي” أو “رواية الاعتراف”.. ما مدى قبولك لهذا التصنيف وتعليقك عليه؟
? تعرف أن التصنيفات قد تهم النقاد أكثر مما تهم المبدع، أما أنا ككاتب فأبحث لكل رواية عن الشكل الذي يناسبها والذي من خلاله تعبر عن قضيتها أو موضوعها وتحكي حكايتها؛ ولهذا وجدت في طريق “السيرة المتخيلة” أو “الاعترافات”، وسيلة للحديث عن شخصيات عاشت حياة استثنائية، مختلفة ومظلمة. كتبت في “خرائط لشهوة الليل” قصة امرأة تحكي هي أيضا عن رحلتها من عالم إلى عالم آخر، وفي “دمية النار” حكيت عن شخص اسمه “رضا شاوش” تقاطعت أقداره مع قدر وتاريخ بلده. لقد انتقل من مرحلة مثالية، وحتى نضالية وشاعرية، إلى عالم يسوده القتل والتنكيل في أبشع صوره.

? رأى البعض أن “دمية النار” نموذج دال وفذ على العلاقة الوثيقة بين الكتابة واستشراف المستقبل.. هل كنت مؤمنا أو على الأقل متوقعا أن يتحقق ما استشرفته على لسان أحد أبطال الرواية من “أن الناس ستنفجر.. لابد ستنفجر”؟
? لا أظن أنه حدس أو استشراف. لا أؤمن بذلك. لا أعطي الكتابة دور النبوءة. ولكن استنادا للتاريخ الذي قرأته، وأقصد هنا تاريخ بلدي بالخصوص، تشعر أن هذه اللازمة تتكرر، أن الظلام الطويل الذي يختفي فيه الإنسان الحر لا بد أن يأتي يوم ويحدث الانفجار، وهذه الرواية تحلم بالتغيير.. في رواية سابقة، “أشجار القيامة”، وهي روايتي الخامسة، تحدثت عن كاتب يحلم بالثورة، بل كل الرواية تدور عن حلم ثوري في حيّ شعبي اسمه “الثُقب”. بعض الأصدقاء بعد ما حدث في الربيع العربي قالوا لي: إنها روايتك، وأنا قلت: لا إنها هذياناتي.. الكاتب كان يهذي بالثورة التي لم تحدث إلا في ذهنه، في خياله، وليس في الواقع. كانت رؤيتي للثورة حلمية وشاعرية وهذيانية أكثر، ولكن التاريخ الجديد المكتوب الآن يثبت أن كل شيء ممكن، وأن الثورة لن تبقى فقط في خيالنا، وأذهاننا فحسب أو أتمنى ذلك.

الكتابة والتغيير
? هل من الممكن أن تكون الكتابة الروائية، أو الكتابة عموما، سببا في إحداث تغييرات تتوق إليها الروح وتكون حافزا لتجاوز ما هو كائن إلى ما تطمح إليه الإنسانية أن يكون؟
? صراحة لا أدري إن كان للكتابة دور في إحداث أي تغيير، مع أني قد أصدق شيللر عندما يقول إن الشاعر يحمل في داخله شهوة تغيير العالم أو دوستويفسكي عندما يقول إن الجمال يستطيع أن ينقذ العالم. قد أصدقهم، ولكن لا أفهم كيف يمكن أن يحدث ذلك، رغم اعتقادي في القوة الروحية للأدب في قدرته على استغوار النفس البشرية والحفر في تلك المناطق التي لم نقترب منها بعد. ولعل هذا دوره إنه يعطي معرفة بالذات وبالحياة ويطرح أسئلة وشكوكا على الإنسان لا يعطيه ذلك القدر العالي من المثالية؛ فهو يراه عاريا من كل نبل، قادرا على فعل المنكرات كما هو قادر على فعل الخير، لأن الخير لا بد أن يصمد في معاركه الخاسرة مع الشر. طبعا الأدب يميل للشر ويميل للمناطق المعتمة في الإنسان، ويميل للمنحط والمبتذل والذي ينظر له الناس باشمئزاز. نتساءل لماذا؟ ربما لأنه يجرؤ على السؤال وعلى البحث والتنقيب والحفر وهذا ما يعطيه قيمته في النهاية وقوته كذلك. ولأن الحديث عن الشر هو الذي يجبر الناس على محبة الخير. كلما رأينا الظلام تقنا بشغف للنهار.

? هل كنت حريصا على أن تترشح روايتك للبوكر؟
? بلى، ترشحت مرتين في السابق، ولم تصل روايتي للقائمة الطويلة. لكن لم يزعجني الأمر، ومرة كتبت عن ذلك في موقع “كيكا”، وأذكر أن روائية راسلتني قائلة: أثني على شجاعتك عندما تقول “أنك شاركت ولم يظهر اسمك”.
المسابقات أو الجوائز هي هكذا، قد تصل أو لا تصل، والكاتب يبقى يكتب لأنه حتى لو لم تكن هناك جائزة فلن نتوقف عن الكتابة. وما دمت لا تكتب من أجل الجوائز، فأنت كاتب تؤمن بما تقوم به، وطريقي مفتوح على الكتابة المستمرة، فلا أراني إلا هذا الكاتب الذي يكتب على الهامش، وفي الهامش لأن ما يهمني في الكتابة هي الكتابة ذاتها.

? ماذا يعني لك على المستوى الشخصي وصول “دمية النار” للقائمة القصيرة خلال هذه الدورة؟ وكيف تقرأ نجاحها على هذا المستوى؟
? لقد فرحت طبعا.. أولا كتثمين لتجربتي الروائية الخاصة بي، وكتثمين للرواية الجزائرية التي لأسباب كثيرة هي منقطعة عن نظيرتها العربية، ولهذا فهي فرحة مزدوجة وسعادة حقيقية، وهي نجاح لدار الاختلاف الجزائرية التي تعمل في مجال النشر بطريقة مختلفة عن غيرها، وهذه التجربة “النشرية” جد مهمة؛ لأنها راهنت على الأسماء المميزة في الأدب والنقد والفلسفة، وهي تحصد معي بعض الثمار الجميلة لأي مغامرة مختلفة.

اقرأ أيضا