الاتحاد

الملحق الثقافي

أنثى كونية..

بوابة عشتار في العراق (أرشيفية)

بوابة عشتار في العراق (أرشيفية)

ظل نظام الإلوهة المؤنثة في الحضارة العراقية والشرقية، بوصفها سلطة ذات نظام ثقافي وديني، ثابتاً ومستقراً لفترات طويلة، وممتدة؛ فمنذ لحظة ابتداء الزراعة كانت وظلت آلهة مهيمنة بوحدات مكونة لنظامها المشار له، هذه الوحدات هي العقائد / والطقوس / والشعائر/ والأساطير. لكن هذا النظام رغم استقراريته وثباته لم يكن ثابتاً بانضباط عال للغاية، وإنما حصلت فيه تطورات اجتما – ثقافية وسياسية ودينية، لأن مثل هذا النظام وغيره لم يكن مغلقاً أمام الشروط الموضوعية الجديدة، بل كان مستعداً لاستلام ما يفرضه المجال الموضوعي وحتمية التطور التاريخي.

كان التطور الثقافي والحراك الديني في العراق القديم مستوعباً للجديد. ولحظة التشكل المختلف هي بداية التدوين والاعتماد على النصوص الشعرية والأسطورية.
ولأن الإلوهة المؤنثة ذات سلطة كل معطياتها مكرسة للحياة والخصوبة، فإن فيها وفي ما يجاورها من عقائد وطقوس داعمة لخطابها. وتقدم الإلهة إنانا/ عشتار نموذجاً للألوهة المؤنثة الذي تعرض للتغير والارتجال وحيازة وحدات ثقافية ودينية. ونستطيع من خلاله تقديم كشف عن عناصره الأولى، المؤسسة لنظامها الخاص، والذي هو بعض من برديم الألوهة في الديانة العراقية.

تنوع سلطوي
كشفت لنا الأساطير الخاصة بالآلهة إنانا تنوع سلطاتها، الاجتماعية / الدينية / السياسية. وخضعت عناصر تكون الآلهة في العراق القديم إلى تأثيرات البنية وخصائصها المائية التي أوجدت زراعة متطورة رافقتها شبكة من الأنهار والجداول والتحصينات الأولية. واعتقد بأن للبيئة ومتغيرات المناخ وخصائصه المعروفة انعكاسات على شخصية الإله / الآلهة أو شخصية الملك؛ بمعنى كان للظواهر المجتمعية / الاقتصادية تأثير واضح على ما صاغته البنية الذهنية الأسطورية، وتبّدى في عناصر ووظائف الآلهة المذكرة، واختلاف عناصر البيئتين الطبيعية والبشرية في العراق القديم وتنوعهما يقدم الأساس الذي قامت عليه واقعة التنوع الحضاري فيه، وتعدد الديانات والآلهة واختلاف القيم والمعتقدات والتقاليد. فكان سبباً أساسياً للانقسام بين الدول الناشئة في هذا الإقليم وحروبها المستمرة، مما جعل ظاهرة عدم الاستقرار الاجتماعي – السياسي من الظواهر التاريخية المميزة ، وفرض على حضارته ودولها الاهتمام بقوتها (1) .
هذا التباين الحاصل بين مناطق العراق القديم، ووفود أقوام كثيرة غازية ومتبادلة / تجارية منح هذا المكان خصائص ما زالت إلى الآن واضحة على السلوك الشخصي والممارسة الجمعية، وما له وجود ملحوظ سيكون حتماً متبدّياً في تكونات الآلهة ومنعكساً في العقائد والطقوس.
وأعتقد بأن التغيرات الحاصلة في الخصائص الإلهية، تسحب معها أيضاً الثابت وتزحزحه، لتفسح مجالاً لإضافات أخرى. “كما تركت البيئة الطبيعية ومظاهرها المناخية الحادة والمتطرفة والمتقلبة، أثرها على المعتقدات الدينية والسياسية أيضاً، فحيث يكثر الرعد والبرق والصواعق في فصل الشتاء، ويصبح الجو جافاً في الصيف يصبح طبيعياً خوف الإنسان من هذه الظواهر، وربطه بين حدوثها ومشاعر الرضى أو السخط عن الآلهة، التي أصبحت رموزاً لظواهر الطبيعية أو نتائجها” أو الأرض، السماء، الرعد، الماء، الخصب، الرخاء، القوة، البطولة. وفي ظل سيادة معتقدات دينية كهذه، يفقد الحاكم دوره في السيطرة على الطبيعة أو التحكم فيها وتصبح خصائصه إنسانية غير مقدسة، بينما تتركز القدسية في سلطته المفوضة إليه من الآلهة إلا في شخصه الطبيعي”.
ويبدو لي بأن وجود الجزيريين في العراق بالكثافة السكانية المعروفة الوافدة على شكل موجات بشرية هائلة، والزاحفة إلى جنوب العراق، حيث الحضارة السومرية الجديدة مع ديانتها المتنامية / والمتحركة قد وفرت فرصاً واسعة للجزيريين واندغموا مع أصحاب الحضارة، ولم يشعروا بعقدة النقص، بل تعاملوا مع الديانة السائدة باعتبارها ديانتهم. لكن دورهم الثقافي / والديني لم يتضح إلا في عصر سرجون الأكدي. وقد استحضر الجزيريون كل ثقافة سومر ودينها، وأجروا عليهما تغييرات بسيطة جداً، والمطلع على الديانتين يعرف حجم ذلك.
ولكن لابد لنا من الإشارة والتأكيد على الدور السومري في مختلف المجالات، ولعل أهم ما قدمته البنية الذهنية السومرية، كما قال د. يوسف حوراني، هو التصنيفات الموضوعية. وهذه التصنيفات تعدّت الظواهر المادية، فشمل نهجها الصفات المجردة كاختصاصات قوى الطبيعة والمهن الإنسانية والفنية ومراتب السلطة وشعائر الحضارة.
ووسط هذه الحاضنة تشكل العديد من الآلهة في سومر وصار لكل واحد منهم نظامه الثقافي / والديني. وكانت الآلهة إنانا / عشتار إحدى الإلوهات وهي عضو في مجلس الآلهة الذي يمثل السلطة العليا. وتثير هذه الآلهة كثيراً من الأسئلة حول تكونها وتشكلاتها واستعدادها للتغيير وحيازة وظائف جديدة لتصبح بها مهيمنة وذات سلطة دينية قوية جداً، وهذا ما سنشير له بشكل سريع ومركز.

إنانا أو عشتار
“كل الديانات بدأت عشتارية، وكل سر من أسرار الطبيعة وحكمة من حكمها وخبيئة من خبايا النفس الإنسانية وعلاقة من علائق القوى الخفية قد أبانتها عشتار في كل جزء أو إشارة لبني البشر، عن طريق كاهناتها اللاتي كن منذ البداية صلة بين عالم البشر وعالم الآلهة. بذلك لعبت المرأة دور المعلم الأول في تاريخ الحضارة؛ فالمرأة أكثر حساً بالخفي والماورائي من الرجل وأكثر منه تديناً وإيماناً بالقوى الإلهية” (3) .
كانت لعشتار سلطات عديدة، مثل الجنس والرغبة وصفتها العذرية مبكرة في ديانات الشرق. هذا بالإضافة إلى قسوتها وعنفها الواضح. هذه الثنائية المتضادة مع بعضها ميزت الآلهة إنانا / عشتار وكان لها تأثير واضح جداً على الألوهيات المؤنثة الأخرى في الديانات الشرقية، وأكثرها تماثلاً مع إنانا / عشتار هي عناة الكنعانية.
ثنائية إنانا / عشتار، الجنس والعنف يمثلان بعضاً مهماً من سلطتها الدينية وغطرستها. وشخصيتها في ملحمة جلجامش كاشفة عن هذه الثنائية، فهي التي أرسلت (شمخت) إلى الصحراء لتلتقي مع أنكيدو / الإنسان الصحراوي المتوحش، وتعيد إنتاج شخصيته من جديد. وكان لجسدها وظيفة مركزية في ذلك، حيث وظف وفق آلية ابتكرتها البنية الذهنية العراقية، إنانا / عشتار هي التي خلقت أنكيدو من جديد وجعلته إنساناً عارفاً بالحياة وواعياً للحضارة، وهي أيضاً التي طلبت من الإله آنو إنزال الثور السماوي ليدمر الصديقين وأوروك لأنهما حقراها وأسمعاها كلاماً قاسياً ولاذعاً، وهي أيضاً استدعت نساء وفتيات أوروك واستقبلن الصديقين العائدين مزهوين بانتصارهما من غابة الأرز وهن يرددن كلاماً مؤكداً على بطولة الملك جلجامش وتميزه بين الأبطال الذين كان أكثرهم جمالاً. هذه الأفعال معطيات لتكوناتها الدينية المقدسة، ولعل أكثر عناصرها قوة وسلطة هو الجسد الشهوي، هذه السلطة الخارقة جعلت منها ذات وظائف متنوعة لكنها ثنائية كما أشرنا إلى ذلك.
ولابد من الإشارة إلى أن الجسد العشتاري وما تستدعيه هذه الآلهة مكملا للغواية، مثل الموسيقى والرقص والخمر. ويتضح هذا كله في أسطورة سرقة النواميس الإلهية من مدينة أريدو بعدما أغوت الإله أنكي وأسكرته؛ فأخذت النواميس الحضارية وهربت إلى مدينتها أوروك.
لم تظل إنانا / عشتار إلهة ثابتة، بل استدعت الظروف الموضوعية لها وظيفة جديدة هي الحرب والقسوة والسلطة الواسعة، لأن التحولات الاجتماعية / السياسية / الاقتصادية أثرت بشكل واضح على دويلات المدن وعاشت حروباً كثيرة، كان لها دور بتوحيدها في دولة واحدة وقوية كرست السلطة بيد الملك. وعرفت الحضارة الأكدية توسعاً إمبراطورياً في زمن سرجون الأكدي الذي توسع كثيراً، وبواسطة هذا التوسع تكرست وظيفة إنانا / عشتار أكثر وبرزت سلطتها العسكرية كقائدة تتقدم الجنود في معاركهم.. ولأن المقاتلين شباب، فلابد من توفير ما يشبع رغباتهم الجسدية ومراقبتهم ومعاقبتهم في آن.
ظهرت للآلهة إنانا / عشتار أختام اسطوانية “وتظهر الآلهة عشتار وهي تحمل العدة الحربية التي تبدو من خلف ظهرها. وفي يدها اليسرى تمسك آلة حربية أخرى، أما في يدها اليمنى فتمسك بالعصا والحلقة رمز القوة والسلطان وهي تسلمها إلى الملك زمريلم ملك مدينة ماري. عشتار آلهة الحرب وتبدو هنا وقدمها اليمنى فوق أسدها الذي يرمز لها ولقوتها، تضع على جسمها ثوباً أبيض مجملاً باللون الأحمر” (4)، و “ينحسر الثوب ليظهر رجلها اليمنى العارية وهي تزين رأسها بتاج مقرن باللونين الأبيض والأحمر”.(5)
والإلهة عشتار، آلهة الحرب، مأخوذ من مشهد محفور على ختم اسطواني ويظهرها وهي تحمل عدة الحرب أيضاً وتمسك بيدها اليمنى القوس والسهام، وتظهر جعب آخر مجمل بدوائر من المعدن الثمين كذلك يزين التاج زوج من القرون رمز الألوهية وفوق التاج نشاهد حلية على شكل نجمة نعرفها جيداً على ملابس الملوك والآلهة وخاصة في العصر الآشوري” .

سيبيل
أما الآلهة (سيبيل) في آسيا الصغرى فهي كاشفة عن أنموذج آخر للسلطة، وهو الإبقاء على عناصرها الأمومية نظاماً مهيمناً وطاغياً وسط مستجدات ثقافية / ودينية جديدة، وقدمت لنا أسطورة (سيبيل) نمطاً من الصراع بين العناصر الأولى المكونة لها وسيادة نظامها الأمومي وحصول صراع استدعى وجود وحدات ذكورية ابتدأت ببلورة النظام الذكوري الذي صعد لاحقاً على أعتاب الأمومة الكبرى. ولن يكون هذا الصعود مفاجئاً بل تدرجياً وتراكمياً، ويبدأ بإزاحة السائد شيئاً فشيئاً. وكانت الآلهة (سيبيل) ذات قدرة طاغية / متسلطة بمعرفتها ومساحتها الدينية المهيمنة، وهي ذات خصائص مماثلة للأم الكبرى الصامدة أمام سلطة الذكورة وخطابها الثقافي / الديني، الذكورة التي ظلت حائرة أمام صمود الأم الكبرى. وما يشير إلى بقاء (سيبيل) متجبرة، مكتفية بصمودها، هو حيازتها لعنصر الذكورة وتحولها إلى آلهة خنثية، مكونة من سلطة الأنوثة / الذكورة الثقافية والبيولوجية في آن، والخنثية علامة تعادلية عند الآلهة التي لم تستطع الذكورة انتصاراً عليها، لكن، وفي مرحلة متقدمة من التطور الفكري الذي عرفته الحضارة في آسيا الصغرى، تراجعت الأم (سيبيل) وانتهت مرحلة صمودها، لأن الخطاب الذكوري، قاد صراعه محكوماً بضرورات فكرية، وأعلنت الأم (سيبيل) هزيمتها، بعدما تخلصت من العلامة الذكورية. عندها انهزمت الأم الكبرى (سيبيل) في ثقافة ودين آسيا الصغرى، لأنها ظلت مكتفية بصفتها البيولوجية المعروفة. بمعنى، حاولت هذه الآلهة التماثل مع الألوهة المذكرة وحازت على ما يدل عليها، لكنها لم تحتفظ به. وما سعت إليه هذه الآلهة في مرحلة صعود نظام جديد، هو تبدّ للإبقاء على سلطتها التي ما عادت قادرة على البقاء، واستحضرت مجاوراً لها إلا أن الصراع أعنف وأقوى فانهزمت الآلهة.
وربما تثار ملاحظة حول انشطار الآلهة إلى ذكر وأنثى “وهي فكرة ليست جديدة تماماً على المعتقد الديني النيوليتي. فعشتار في طورها البدئي كدائرة مغلقة مكتملة وكانت تحتوي في صميمها على بذرة السالب والموجب، اللذين نشأ عن حركتهما الكون المتولد عن الأم الكبرى... وبقيت عشتار تحمل في جوهرها بذرة الذكورة والأنوثة، لأن كمال الألوهة في جمع الضدين؛ فكانت الآلهة الواحدة أنثى كونية، وكانت في الوقت تنضوي في داخلها على بذرة الذكورة التي نظمت فيما بعد”. (6) .
وما أشار له الأستاذ فراس السوّاح صحيح للغاية، والخنثية صفة الإلوهات المؤنثة بوقت مبكر من الحضارات الشرقية، لكن أسطورة سيبيل تومئ نصياً إلى ازدواج العناصر تعبيراً عن حالة الصراع الذي كان في بعض منه دموياً، صراع الأنوثة أمام زحف الذكورة التي مارست دور قتل الأم وصعود الابن بديلاً لها. لقد “حلت سلطة الأب وسيطرته محل حنو الأم. وغابت صورة الأم التي تحضن طفلها لتظهر صورة الأب الذي يسجن أولاده أو يبتلعهم، ولم يكن الصراع بين الابن وأبيه في كل جيل، سوى انعكاس للصراع بين العناصر الأمومية والعناصر الذكرية في ثقافة لم تصل بعد مرحلة الاستقرار. ولكن الصراع كان يميل دوماً لمصلحة الاتجاه الذكري، لأن الابن الذي تحاول الأم إنقاذه، يتحول بدوره إلى طاغية يكرر دوماً أبيه” (7).
إن الذي حصل في أسطورة (سيبيل) لم يضع حداً لنظام الإلوهة المؤنثة تماماً، بل ظلت – الأم – حاضرة عبر ثقافتها وعقائدها وطقوسها، وكامنة أيضاً، واستطاعت الإلوهة المؤنثة من إدامة سياقها الخصبي من خلال الاتصال التمثيلي / والرمزي والشواهد على ذلك كثيرة جداً (8). ولم يستطع الطغيان البطرياركي من القضاء على ديانة الأم العذراء ووليدها الإلهي التي بقيت تستقطب العاطفة الشعبية الدينية، وبقى الناس يقدمون الولاء للآلهة السلطة (9).

الإحالات
? د. عامر حسن فياض / د. علي عباس مراد / اشكالية السلطة في تأملات العقل الشرقي القديم والإسلامي الوسيط / دار الشؤون الثقافية / 2005 / ص62 .
? ن . م / ص62 .
? ناجح المعموري / أساطير الآلهة في بلاد الرافدين / دار المدى / دمشق / 2006 / ص62 .
? جان بوتيرو / الديانة عند البابليين / طبع عل نفقة جامعة بغداد / 1970 / ص54 .
? ن . م / ص45 .
? فراس السواح، لغز عشتار، سومر للدراسات والنشر والتوزيع، قبرص 1986 / ص267 .
? ن . م / ص272 .
? درسنا الاتصال الرمزي بكتاب سيصدر عن دار المدى / دمشق
? فراس السواح / سبق ذكره / ص273 .

اقرأ أيضا