الاتحاد

تقارير

السودان والمصير

كان يوم السبت الماضي التاسع من يناير، هو الذكرى الخامسة ليوم التوقيع على اتفاقية السلام المعروفة باسم (اتفاقية نيفاشا)، والتي حققت السلام بين الشمال والجنوب، وأنهت حرباً أهلية استمرت لأكثر من عشرين سنة.
وكان طبيعياً أن تقترن هذه الذكرى بذكرى ما تحقق في السودان من أهداف طرحتها الاتفاقية، وأوضحت الطريق لتحقيقها. واتفق رأي المعلقين داخل السودان وخارجه أنه رغم مرور كل هذه السنوات، فإن السودان لم يحقق أو ينجز الكثير مما حددته الاتفاقية. وكان تقدير القوى خارج السودان أكثر وضوحاً وحدة، ومن ذلك حديث لوزيرة الخارجية الأميركية التي حذرت من تنامي العنف في الجنوب، ومن حقيقة أن التحول الديمقراطي في الشمال ما زال بعيد المنال.
وحقيقة الأمر أن الإنجاز الأعظم هو توقف الحرب بين الشمال والجنوب، أما القضايا الأخرى، وهي كثيرة ومهمة، فما زالت محل شد وجذب بين قطبي المعادلة، وهما "المؤتمر الوطني" صاحب الأغلبية الحاكمة وشريكه حركة "تحرير السودان"، التي تمثل الجنوب.
وبالنظر إلى المستقبل القريب، فإن ما يدعو للقلق والخوف هو غياب ما يدعو للطمأنينة والسلام.
أولًا: هناك الانتخابات العامة، التي ستجري في أبريل القادم، ويدور حولها كثير من الخلاف والتباين، مثال ذلك أن "الحركة الشعبية" ومعها كل أحزاب الشمال الفاعلة تشكك في نتائج التسجيل للانتخابات، وتقول إن حزب "المؤتمر الوطني" زور التسجيل لصالحه و"الحركة الشعبية" قبل ذلك ترفض نتائج الإحصاء السكاني، وتقول إنه لا يمثل الواقع.
ومع كل هذا فإن الوضع في دارفور واضطراب الأمن فيها وفرض حالة الطوارئ، كل هذا يعني أن أية انتخابات هناك ستكون شكلية لا تعبر عن واقع الحال.
وفي ذات السياق فإن الحزب الحاكم أجاز بأغلبيته الميكانيكية في المجلس الوطني قانوناً جديداً للأمن رفضته، وما زالت ترفضه "الحركة الشعبية" وأحزاب الشمال، وترى أن التمسك بقانون الأمن الجديد، ينطوي على حقيقة واحدة، وهي أن حزب "المؤتمر الوطني" ينوي العبث بالانتخابات العامة ونتائجها، بل ويحرم المعارضين من إعلان رأيهم ويضيق الخناق عليهم بحكم ما أعطي لجهاز الأمن من سلطات وفق ذلك القانون المرفوض.
هذا جانب واحد من الأزمة. أما الجانب الآخر، فهو تدهور الوضع الأمني في الجنوب نتيجة لصراعات قبلية ومناطقية يقدر عدد القتلى فيها بنحو 2500 مواطن في عام 2009 واضطرار أكثر من ثلث مليون للنزوح من مناطقهم هرباً من الموت.
والحقيقة أن نزاعات القبائل في الجنوب ليست جديدة، ولكن سبب انتشارها أن الحزب الحاكم استقطب بعض هذه القبائل في حربه ضد "الحركة الشعبية"، وأنشأ مليشيات قبلية، ودربها على القتال وسلحها ثم لم يتخلى عنها تماماً، بعد توقيع الاتفاقية، فبقيت بذلك قوى تهدد أمن الجنوب باستمرار، وتقلق قادة "الحركة الشعبية".
لذا فمن العسير أن يقدر أحد أن استفتاء الجنوب سيتم في جو حر معافى من الاقتتال، وهو أمر لو حدث ستمتد آثاره إلى السودان الشمالي دون شك.
إذا فهناك قضيتان محوريتان ينبغي الخوض فيهما خلال الأشهر القادمة هما قضية الانتخابات العامة، التي ما زال الإعداد لها لتكون حرة ونزيهة وشاملة لكل السودان أمراً بعيد المنال وفق الحقائق الماثلة.
وهناك الجنوب الذي يقبل على الاستفتاء، وهو غارق في وضع لا يناسب المهمة، ولا يجعلها سهلة وميسرة.
وستأتي بعد الاستفتاء النتائج التي ستترتب عليه والاحتمال الأعظم هو خيار الانفصال - وكيف ستكون العلاقة بين السودان الشمالي والدولة الجديدة في الجنوب. كيف سيقسم تراث السودان القديم وممتلكاته وكيف ستوزع الالتزامات مثل ديون السودان الخارجية، التي بلغت حتى الآن نحو 34 مليار دولار أميركي.
إنه مصير يتحمل كثيرون وزر الوصول إليه، ولكن عبء المسؤولية الأول يقع على حزب "المؤتمر الوطني" الماسك بكل مفاصل الحكم.

اقرأ أيضا