صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

«تجربة الدوحة» يفضح التطبيع الأكاديمي بين قطر وإسرائيل

دينا محمود (لندن)

كشف بروفيسور أميركي، عَمِل على مدى نحو عقدٍ من الزمان في إحدى الجامعات الأميركية في قطر، النقاب عن جهودٍ مستمرة للتطبيع الأكاديمي مع إسرائيل، يبدو أنها تجري منذ سنواتٍ طوال وراء الستار في هذه الدولة التي يتظاهر نظامها في العلن بدعم حقوق الشعب الفلسطيني، ويزايد على بقية الدول العربية في هذا المضمار.
ففي كتابٍ حمل اسم «تجربة الدوحة»، أماط البروفيسور الذي يُدعى جاري واسرمان اللثام عن أنه استقدم أكثر من عشرة طلاب إسرائيليين إلى جامعة «جورجتاون» في قطر، وذلك خلال فترة عمله هناك التي امتدت بين عامي 2006 و2014. لكن لم يكشف واسرمان في كتابه عن الوسيلة التي تمكن بها من إدخال هؤلاء الطلاب إلى قطر التي يُفترض نظرياً أن أصحاب جوازات السفر الإسرائيلية لا يزالون ممنوعين رسمياً من الدخول إليها، وإنما أشار إلى أن هذه الواقعة حدثت قرب نهاية أول أعوام تدريس واسرمان لمنهج الدراسات الأميركية في «جورجتاون»، وهو ما يعني أنها جرت في النصف الثاني من عام 2006 أو مطلع 2007، وذلك بعد 7 سنوات كاملة من ادعاء النظام القطري بأنه أغلق مكتب التمثيل الإسرائيلي على أراضي بلاده، بفعل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية خريف عام 2005.
وفي ثنايا عرض للكتاب نشره الكاتب رون كامبيس في موقع «جيه ويكلي» الإلكتروني الأميركي، كشف واسرمان عن أنه جمع الطلاب الإسرائيليين مع عددٍ مماثل لهم تقريباً من الطلاب الذين لم يُمِط اللثام عن جنسياتهم، وإنْ اكتفى بالقول إنهم «من مختلف بلدان الشرق الأوسط»، وهو ما يعني أنهم من الشبان العرب في الغالب. ولم يكتف بمجرد الجمع بين الطلاب الإسرائيليين والعرب، بل قال إنه تركهم في غرفةٍ واحدة لكي يتسنى لهم «النقاش بشكلٍ منطلق تماماً»، وهو ما أتى بنتائج عكسية في نهاية المطاف، عندما جاءته طالبة لبنانية باكيةً بفعل صفاقة أحد الطلاب الإسرائيليين الذين سمحت لهم السلطات القطرية بدخول البلاد خفية. فقد خاطبها بصلفٍ قائلاً: «أنتم تكرهوننا، أليس كذلك؟»، وهو ما بدا شديد الوقاحة بالنسبة للشابة اللبنانية التي قالت لأستاذها، إنها ظلت عالقةً بداخل منزلها خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على بلادها في صيف عام 2006.
وفي مؤشرٍ على أن إقدام واسرمان على هذا التحرك، لم يكن بمثابة واقعة معزولة أو مرفوضة من جانب المسؤولين القطريين، قال الرجل في كتابه إن لقاء التطبيع الأكاديمي الذي استضافته الجامعة الواقعة في الدوحة على مدى ساعة ولم يُكشف عنه من قبل، كان جزءاً من جهوده لـ «تجاوز الانحيازات» القائمة. ورغم ما قد يبدو في الظاهر من أن واسرمان كان يتخذ مثل هذه الخطوات بمبادراتٍ شخصية، فإن الكتاب يشير صراحة إلى أن مهمة هذا الرجل في الدوحة كانت تتبع وبشكلٍ مشترك إدارة جامعة «جورجتاون (الأم) والحكومة القطرية»، ما يوحي بأن تحركاته التطبيعية مع إسرائيل، اندرجت في إطار سياسة التقرب من الدولة العبرية التي دأب النظام القطري على انتهاجها منذ تسعينيات القرن الماضي، وبالتحديد عقب الانقلاب الذي أطاح فيه الأمير السابق حمد بن خليفة بوالده عام 1995.
وتزامن الكشف عن هذا الدعم القطري السري للتطبيع مع إسرائيل على الصعيد الأكاديمي، مع الحملة التي أطلقها حكام الدوحة قبل شهور للتقرب إلى جماعات الضغط الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة، بهدف الحصول على دعمها لانتشال نظامهم من مأزق العزلة الحالية المفروضة عليه منذ منتصف العام الماضي.
وشملت هذه الجهود التعهد بالتوسط لدى حركة حماس لحملها على تسليم رفات عسكرييْن إسرائيليين تحتجزهما الحركة منذ الحرب التي دارت في قطاع غزة عام 2014، بجانب تنظيم النظام القطري رحلاتٍ لقيادات اليهود الأميركيين للقاء أمير قطر تميم بن حمد في الدوحة. وبالعودة إلى كتاب «تجربة الدوحة»، يكشف كتاب واسرمان عن حقيقة العديد من الصور الزائفة التي يحاول النظام القطري ترويجها. إذ يقر بأن توقعاته الخاصة بنشر الفكر الليبرالي والمتفتح بين القطريين، سرعان ما تقلصت إلى مجرد إتاحة الفرصة للشبان هناك للحصول على «تعليمٍ لائق»، والتعايش في الوقت نفسه مع أُناسٍ ينتمون إلى ثقافات سياسية مختلفة بشكلٍ كبير. ويشير إلى أن طموحاته هو وزملاؤه من أعضاء هيئة التدريس في «جورجتاون» قطر، أصبحت أكثر تواضعاً بمرور الأيام، وباتت تنحصر في مد يد العون لأولئك الذين يريدون الخروج من مجتمعٍ «خانق» كالمجتمع القطري.