الاتحاد

أخبار اليمن

أطفال تعز يهرمون صغاراً

ابتهال الصالحي (تعز)

«لا تقبروناش» (لا تدفنوني).. صرخة أطلقها الطفل اليمني فريد شوقي الذماري، وهو يئن من شظايا قذيفة أصابته قرب منزله بمدينة تعز قبل أن تفارق روحه جسده، الصغير ولسان حاله كأنما يقول «ما زلت طفلاً، لا تبعدوني عن حضن أمي، لا أستطيع الموت وحدي، ولا أطيق النوم تحت التراب».
كان الطفل ذو السادسة من العمر يلعب بجانب باب بيته بشارع الخياطين في الزقاق الضيق للحي مع خمسة أطفال ، فعندما تأخذ قذائف الطغاة استراحة يخرج الأطفال في المدينة الثكلى للعب بحذر شديد وتوجس كبير من أهاليهم.
خرج الطفل وفي لحظة غادرة من عصر يوم الثلاثاء 13 أكتوبر لتصيب شظايا قذيفة هاون خبيثة جسده الصغير ومعه بقية الأطفال، تم إسعافهم للمستشفى القريب ليفارق الحياة بعدها بـ5 أيام متأثراً بجراحه».
الطفل فريد، الذي ظهر على شاشات القنوات الفضائية، وهو مستلقٍ على أحد الأَسّرة في مستشفى بمدينة تعز، ينشد الحياة، لم تفلح صرخته في وجه الفريق الطبي بإنقاذه من الموت، ففارق الحياة وبقيت كلماته كالنار في الهشيم بمواقع التواصل الاجتماعي والشارع اليمني.
لم تتخل الأم المكلومة عن الأمل بأن يدخل عليها طفلها البكر مرة أخرى، تتشبث بصورة له تغرق معها في نهر من الدموع، تتخيله في زوايا البيت الصغير فما زالت ألعابه وثيابه وكراسة الرسم حيث هي، حينما خرج من البيت ليلعب مع أطفال الحي ودعته بقبلة لايزال دفئها وشذا رائحته في وجدانها.
تقول الأم الحزينة عن طفلها «كان هادئا مرحا غير متعب وخاصة في الفترة الأخيرة وكأنه كان يودعنا كان دائماً ما ينتزع الضحكة منا بكلامه الطفولي وبتصرفاته البريئة كان حنوناً على أخويه الصغيرين، ويحلم أن يكون طبيباً عندما يكبر، ولكنه رحل تاركاً صدى ضحكاته في كل ركن من أركان البيت.
في منزل أسرته المكون من غرفة وحيدة، وصالة متواضعة، لم يبقَ من فريد الذماري، الذي كان يحلم أن يصبح طبيباً يعالج الناس، سوى أشيائه الصغيرة، مثل: كراسات الرسم، وفرشاة الأسنان، وكرة قدم طفولية، وقميص عليه شعار نادي برشلونة الإسباني، إضافة إلى صورته فوق المكتبة بجوار صورتين لأخويه الأصغر منه «هيثم، وأحمد».

كابوس يلاحق براءة الطفولة
يتشبث بالحياة يتوسل بأن يمنحوه فرصة للبقاء مشهد اهتزت له جبال تعز قبل أن تهتز له قلوب آلاف البشر.. يصف الأب الغارق في أحزانه خبر إصابة طفله البكر فريد « جاءت القذيفة من جهة منطقة الحصب بير باشا والتي تحتلها عصابات الحوثي والمخلوع لتصطدم بالعمارة في ركن الحي وتتساقط شظاياها على أجساد الأطفال الذين كانوا يلعبون تحتها، الأب الحزين الذي كان يعمل بائعاً لـ «الشبس» بجوار سينما بلقيس، بسبب الحرب فقد مصدر دخله الوحيد ولكنه لم ينكسر بفقدان مصدر قوت أطفاله، لكن فقدان فلذة كبده كسرت ظهره، يتذكر آخر لحظة شاهد فيها ابنه وهو يلعب مع أصدقائه في الحي، في الرابعة بعد العصر خرجتُ وجلست أمام باب المنزل أشرب الشاي وكنت أشاهد فريداً يلعب مع أصدقائه لعبة (الغماية). قبل الخامسة بدقائق دخلتُ إلى المنزل، وبعد نحو ربع ساعة سمعت انفجاراً ضخماً هز الحارة.
«لم يخطر ببالي أن يُصاب فريد بأي مكروه ولا حتى أخيه هيثم الذي تركته يلعب معه حاولت الخروج وكان الغبار يغطي الحارة ولم أستطع مشاهدة ما حدث عرفت فيما بعد أن فريداً وأخاه مع آخرين أصيبوا بشظايا وتم إسعافهم من قبل الجيران إلى مستشفى الروضة».
لحقت بهم إلى المستشفى طفلي هناك والدماء عليه وقد استقرت شظيه في رأسه، ويده الصغيرة متورمة ولكن هذا لم يمنعه من التشبث بي مسك يدي وهو يبكي ويصرخ ويوصيني «لاتقبروناش» لم اتمالك نفسي حينها وبدأت بالبكاء.
وكان (فريد) قبل أيام من إصابته قد شاهد طفلة من نفس الحي وهي تدفن بعد أن قُتلت بقذيفة هاون مماثلة ومنذ ذلك اليوم وهو يخاف القبر!!
هيثم الذي يصغُر أخاه فريد بعام واحد أصيب أيضاً في الحادث بشظية استقرت في فخذه الأيسر، تمكن الجراحون في مستشفى الروضة من انتزاعها ليعود إلى أُمه في المنزل ولكن من دون فريد.
يضيف شوقي الذماري والد الطفل فريد في يوم السبت 17 أكتوبر توفي طفلي في مستشفى الثورة، تلقيت الخبر مثل رصاصة اخترقت جدران قلبي وروحي ولكني فوضت أمري إلى الله هو المنتقم لي ولآلاف الآباء ممن حرموهم أطفالهم في حرب ظالمة لم يكن أطفالنا طرفاً فيها.
لم يستطع الأب المشاركة في مراسيم دفن طفله وكأن وصية فريد لازالت تتردد أصداؤها في رأسه، جلس يراقب جسد طفله الصغير وهم يرمون عليه التراب.. وما أقساها من لحظات.
عشرات القتلى.. مئات الجرحى تلك هي حصيلة حرب الحوثي في تعز، بعد استهدافه بالصواريخ ومختلف أنواع الأسلحة للبيوت الآمنة، هنا بين ردهات المستشفى الغاص بأنين الجرحى، يفيض الدمع من الظلم المقيت، وتموج المشاعر من واقع الحال، وتقرأ ذلك القهر الدفين في عيون الرجال».
يقول الطبيب محمد الشميري وهو الذي استقبل الطفل فريد: وصل الطفل فريد إلى المستشفى وهو يعاني من جروح في اليدين وضربة عميقة في الرأس، أجرينا له الإسعافات الأولية ولكنه بدأ يعاني من القيء ودخل في غيبوبة ليتبين بعد إجراء الفحوصات أن هناك شظية استقرت في الدماغ وبعد عجز المستشفى من انتزاع هذه الشظية بسب محدودية الإمكانات وقلة الأجهزة في مستشفى الروضة لذلك نقل إلى مستشفى الثورة العام.
يضيف الطبيب عند وصول فريد وترديده عبارة «لاتقبروناش» تأثر الطاقم الطبي وبعضهم اجهش بالبكاء، كيف لا وطفل في السادسة من العمر يستنجد بملائكة الرحمة ويعجز الطبيب عن أن ينقذه، كيف لا وهو يتوسل إليهم بعيون باكية وبرغبة يعجزون عن تحقيقها له.
المعاناة الأكبر
الصغار.. هم المعاناة الأكبر في صدر الشعوب.. هم الجراح التي يبكي من ألمها الوطن، ما أصعب وجع البراءة.. وما أقسى دموعها، تلك التي لا تبالي بالعالم الخارجي، ولا بصوت القذائف المنهمرة كالمطر، وبكاء مر لطفولة لا يُرثى إلّا لحالها.
لايزال هيثم وأحمد أخوا الطفل فريد الأصغران ينتظران عودته ومشاركتهما اللعب، لايزال أطفال الحي حيث سقط فريد شهيداً وخمسة من أصدقائه جرحى يصارعون الموت في ضل تدهور كبير للمنظومة الصحية وشح كبير للأدوية نتيجة الحصار الرهيب المفروض على المدينة.
(يرحمك الله يا فريد) عبارة تلفت انتباه الزائر لحارة الخياطين في وسط مدينة تعز، كتبها الأطفال بالطباشير على الجدران، حزناً على صديقهم.
لايزال أطفال الحي يتذكرون فريدا ويذرفون الدموع النقية كلما تذكروه فقد رحل فريد تاركاً لهم الحزن والخوف معاً من تكرر المأساة بأطفال غيره كل جرمهم أنهم أرادوا اللعب متناسين أنهم أطفال شاخوا قبل الأوان!
لم يكن فريد أول الأطفال الذين يسقطون بفعل المعارك الدائرة في مدينة تعز، فوفقاً لتقرير أعده تحالف منظمات المجتمع المدني في المدينة، وتم إطلاقه مؤخراً فإن 813 طفلاً قتلوا وأصيبوا في تعز، منذ مارس وحتى نهاية أكتوبر.

10 آلاف طفل يتيم
الانتهاكات بحق الأطفال في تعز لم تقتصر على سقوطهم قتلى وجرحى لا يجدون العناية الطبية،وباتوا أيتاماً جراء الحرب المتصاعدة، فهناك أكثر من 10 آلاف طفل فقدوا أحد والديهم وسيظل العدد في تزايد طالما استمرت آلة القتل تحصد الأبرياء دون توقف.
جيل من الأطفال في تعز أصبح أكثر خوفاً لم يعد هناك مكان آمن في مدينتهم أحلامهم المؤجلة ربما ستذهب بعد قائل العبارة «لا تقبروناش» لقد اختزلت مقولة فريد التي ستخلد في التاريخ واقع لسان حال البلاد المنهكة من الحرب والدمار والعبث المستمر من قبل ميليشيات الحوثي والمخلوع صالح، لم تكن كلمة انبعثت من عفوية الطفولة بل كان مدركاً أن احتضان القبر للإنسان لا عودة بعده لهذه الحياة.

اقرأ أيضا