استطلاع: آمنة الكتبي، جمعة النعيمي، هزاع أبوالريش تطورت في الآونة الأخيرة أساليب ظاهرة التسول، حيث يبتكر أصحابها طرقاً جديدة كاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية في طلب المساعدات المالية لتجاوز حالة الفقر أو لإعالة أسرة فقيرة ومحتاجة، أو لجمع تبرعات لمرضى أو أناس مسجونين أو أطفال أيتام، وبحسابات وهمية وأرقام هواتف غير حقيقية، للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وفي رمضان تستغل تلك الفئات المشاعر الدينية خلال الشهر الكريم لجذب تعاطف أفراد المجتمع بطرق احترافية عالية وأساليب مبتكرة، حيث يتواكب مع ذلك سرد قصص ووقائع لا تمت بصلة إلى الواقع أو عرض تقارير طبية مزيفة، ليثبت أصحابها -زوراً- أنهم يعانون فاقة العيش والفقر والجوع، أو أنهم يعيلون أسراً كبيرة، أو أنهم مصابون بأمراض خطيرة ومزمنة تتطلب مالاً كثيراً. وبالرغم مما تبذله الجهات الأمنية وأفراد المجتمع الإماراتي من جهود كبيرة للحد من ظاهرة التسول من خلال حملات التوعية المكثفة عبر قنوات الإذاعة والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن أصحاب هذه المهنة التي تدر أموالاً ضخمة، حريصون على تطوير وسائلهم واستخدام كل ما من شأنه الإبقاء على هذه المهنة غير الشرعية التي تتنافى مع جاء في كتاب الله والسنة النبوية. وأعرب الكثيرون عن استيائهم من أفعال هذه الفئة الضالة لحصد أموال الناس بغير وجه حق، والتلاعب بالمشاعر الإنسانية، متجاهلة السبل القويمة التي يسلكها المجتمع لتقديم العون للمحتاجين بشكل كريم، وطالبوا بتشديد العقوبات على من يرتكب هذه السلوكيات المخالفة للقانون والتي تنهي عنها الشريعة الإسلامية. واعتبر عدد من المواطنين أن ظاهرة التسول تؤرق المجتمع في شهر رمضان، رغم أن الجهات الخيرية تقوم بواجبها خير قيام، وتقدم يد العون والمساعدة لكل محتاج، مبينين أن المتسولين يبتكرون أساليب جديدة كل عام، ويعرضون أطفالهم الرضع لأشعة الشمس الحارقة في سبيل الحصول على الأموال، ويمارسون حيلاً وأساليب كثيرة، كالعاهات المصطنعة والقصص والأكاذيب. تقول المواطنة أروى هزاع: «تنشط مهنة التسول في شهر رمضان المبارك من كل عام، بشكل كبير جداً وملحوظ، ويستغل فيها الأطفال والنساء لإثارة شفقة المواطنين واستعطافهم كحيلة للحصول على المال بعد سرد قصصهم وحكاياتهم المحزنة». وأضافت «تبذل مختلف الجهات الأمنية والمجتمعية جهداً مضاعفاً للحد من هذه الظاهرة عبر الحملات المكثفة وحملات التوعية في المساجد ووسائل الإعلام والندوات وغيرها، إلا أن محترفيها حريصون على تنويع أساليبهم باستمرار، باحثين عن وسائل جديدة للحصول على الأموال، ومستخدمين كل الوسائل المعتادة والحديثة لاستعطاف الأشخاص». استدرار عواطف الصائمين وقالت المواطنة مها محمد: «رغم أن التسول مشهد متواصل على مدار أيام العام، إلا أنه يتحول إلى ظاهرة تزداد في شهر رمضان المبارك، استغلالاً لميل الناس إلى الإكثار من فعل الخير تقرباً إلى الله، واعتبار كثير منهم أنه موسم لإخراج الزكاة والصدقات، حيث يعمد متسولون إلى استدرار عواطف الصائمين». وأكدت أن المتسولين يبتكرون أساليب جديدة كل عام، ويعرضون أطفالهم الرضع لأشعة الشمس الحارقة في سبيل الحصول على الأموال، ويمارسون حيلاً وأساليب كثيرة وبأشكال وأنواع شتى كالعاهات المصطنعة. وأضافت «استوقفني متسول يطلب مني سداد فواتير السوبرماركت والصيدلية، مبيناً لي أنه مريض ولا يستطيع أن يعيل أسرته، وهذه حيلة جديدة للتسول». خطط مدروسة وأشار المواطن محمد إبراهيم إلى أن تحركات المتسولين تسير بخطط مدروسة ومحسوبة، حيث لوحظ وجودهم وبجميع الفئات العمرية من الرجال والنساء عند إشارات المرور والتقاطعات والمساجد، وعلى مداخل المطاعم والمحال التجارية، ويختلق الكثير منهم القصص والأكاذيب بهدف خداع الناس لاستمالة تعاطفهم. وأضاف، «بعضهم ابتكر وسيلة مختلفة تتمثل في العكازات التي يستخدمونها لإيهام الأشخاص بالعجز والضعف، وعدم القدرة على العمل، بهدف استعطاف من يراهم في المساجد والشوارع». وأكد إبراهيم، أن التسول واحد من أبرز الأمراض الاجتماعية، وبالتالي يضعونه في مصاف «الظاهرة الاجتماعية» التي قد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات. وقال المواطن فارس ناجي: «إن ظاهرة التسول تعد من الظواهر المنبوذة في المجتمع رغم انتشارها، حيث يتوزع المتسولون في الشوارع العامة، وأمام المحال التجارية، وفي الأماكن التي يزدحم فيها المواطنين، مؤكداً أنه رغم كل الجهود والمحاولات المبذولة، في سبيل إيقاف تلك الظاهرة، إلا أن أصحابها لا يتأثرون بكل ذلك». واعتبر ناجي أن تساهل أفراد المجتمع مع المتسولين يشجعهم على الاستمرار في كسب المال بهذه الطريقة، إذ يستدرون عطف الناس الذين يستجيبون لهم دون معرفة حقيقية بحاجتهم، ما يتيح لهم فرصة التسول والعودة مرات عديدة إلى الأماكن التي يقصدونها لجمع المال، مضيفاً أنهم يتفننون في تحايلهم، مشيراً إلى وجود جهات تعنى بتقديم المساعدات الخيرية في الدولة ضمن أسس ومعايير للتأكد من حقيقة احتياجاتهم، مبيناً أنه يجب الحرص على عدم إتاحة الفرصة للمتسولين الذين يستغلون كرم وطيبة أفراد المجتمع، خصوصاً في عام الخير. وطالب الجهات المعنية بتشديد الرقابة وفرض عقوبات على المتسولين للحد والقضاء على هذه الظاهرة السلبية. وسائل جديدة ويقول المواطن عبدالله الدرمكي: «تظهر وسائل جديدة ومتعددة من أشكال التسول كل عام، ومنها التسول الإلكتروني للعلاج أو دفع أقساط فواتير طبية أو سكنية، وطلب المساعدة، نظراً لظروف كارثية وقعت بوطن المتسول، فضلاً عن أن بعض أنواع التسول يكون تسلية وتلبية احتياجات شخصية». وعزا الأسباب إلى استغلال هؤلاء المتسولين عواطف الناس وحبهم لعمل الخير في دولة الخير، فيلجأ كثير منهم إلى الحيل، لدفع الناس إلى تلبية احتياجهم التي في أغلبها غير صحيحة. وأشاد بجهود وزارة الداخلية لحفظ الأمن والأمان، ودورها في صون حقوق الناس، وحث الجمهور على عدم التردد في التبليغ عن حالات التسول، للقضاء على هذه الآفة. وسيلة للكسب السهل وتؤكد المواطنة مريم عبيد أنه تظهر أشكال جديدة وأساليب غير تقليدية للمتسولين خلال شهر رمضان وفترة الأعياد والمناسبات، ومن هذه الأشكال أن يدعي المتسوِل أنه عابرُ سبيل ضاع ماله أو نفد، فيطلب من الناس المساعدة للعودة لموطنه أو للحصول على أكل عيشه. وأضافت «يستغل المتسولون التكافل المجتمعي في دولة الإمارات وعادات الرحمة والكرم في استدرار العطف»، مبينة أن التسول وسيلة للكسب السهل غير المشروع. وتابعت، «إن ظاهرة التسول غير حضارية وغير إنسانية، ويجب أن تتكاتف كل الجهود للحد منها، ومعاقبة كل من ينظمها»، مشددة على ضرورة أن تتم معاقبة المتسولين، خصوصاً الأشخاص الذين يستغلون الأطفال بهذه الطريقة غير الإنسانية. وطالبت بتضافر الجهود من قبل الجهات المعنية، والعمل على توعية أفراد المجتمع لمكافحة ظاهرة التسول، وعدم الانسياق وراء العواطف لأنها تزيد من استمرارية المشكلة ولا توقفها. مشهد متكرر وذكر هيثم هاشم أنه يرى مشهداً متكرراً أمامه في صلاة الجمعة كل أسبوع، وهو قيام بعض النساء ومعهن أطفال، باستغلال مشاعر المصلين بعد الصلاة، خصوصاً، وجود سيدة تخترق أفواج المصلين الخارجين من المسجد لتقف في نص الطريق، وتمد كيساً، ليضع كل مصلٍ ما تجود به يداه. وأضاف أن الأمر مزعج جداً، ويقدم صورة غير حضارية للدولة، خصوصاً أن المتسولات يرتدين العباءة والنقاب. «طفح الكيل منهم» وعبرت مريم عيسى الصالحي عن استيائها من المتسولين الذين يقدمون صورة غير حضارية عن الدولة، فتراهم في أشكال عدة، ويأتون كل مرة بحلة جديدة للتسول، حيث لم يتوقفوا عند ممارسة التسول في المنازل والمحال التجارية والمطاعم، وإنما قد تجد شخصاً مصطحباً أسرته في سيارته ويدعي فقدان محفظته، وليس لديه درهم واحد للبنزين للرجوع للمنزل، ونساء يقمن ببيع الكتب الدينية والأدعية عند مداخل الجمعيات التعاونية والأسواق، لعلمها بأن المتسوق سيعطيها المتبقي من المبلغ الذي دفعه قيمة مشترياته. وتساءلت، لماذا لا يخافون العقوبات التي فرضتها الدولة؟ لماذا لا يتعاون أفراد المجتمع للإبلاغ عنهم، ولماذا لحد الآن يوجد من يتعاطف معهم ويعطيهم النقود دافعاً بهم للمضي قدماً في طريق التسول؟ يجب أن يكون كل أفراد المجتمع مسؤولين، وعليهم الإبلاغ عن هذه الظاهرة حتى تختفي. ويرى رعد المنتصر أن هذه الظاهرة سيئة وتصرف خاطئ يشوه صورة الدولة، وسلوك غير حضاري، وعلى الرغم من وجود القوانين الرادعة، لكن هناك فئات دائماً قاصدة أن تضرب بالقانون عرض الحائط من دون أية مبالاة بالأمر، بالإضافة إلى أن أصحاب هذه الظاهرة لا يعانون شدة الفقر، والدليل على ذلك، أن بعض المتسولين لديهم سائق خاص مع سيارة فارهة. منظر مخيف وتقول أمل حاجي: «قد تجد منظراً مخيفاً في بعض الأحيان حين نشاهد امرأة مغطاة بالكامل لا نعرف هل هي رجل أم امرأة وتقترب منا بثقة، وبخطوات سريعة، فتنتابنا أفكار جامحة بالهروب والارتباك من هذا المشهد، خاصة في ظل الأوضاع المضطربة التي يشهدها العالم اليوم»، مشيرة إلى أنه يجب أن تكون هناك رقابة عند أبواب المراكز التجارية لرصد المتسولين ومتابعتهم، وردعهم عن هذه التصرفات المخيفة. مانع المعيني ويؤكد مانع المعيني أن مثل هذه الظواهر منتشرة، خاصة عند إشارات المرور، حيث يمر بعض المتسولين حاملين بعضاً من العطور والمناديل والماء، وما شابه ذلك لعرضها للبيع، وقد تضطر للشراء كي يغربوا عن وجهك، موضحاً أن هناك قوانين ولوائح وعقوبات تفرض عليهم الاحترام والاحتشام، وعدم التجول في الشوارع بمثل هذه الطريقة والوسيلة غير اللائقة، لافتاً إلى أنهم لا يشعرون بالخوف من التبعات القانونية لسلوكهم المخالف للقانون. ونوه خالد علي أحمد بأن هناك الكثير من الأشخاص الذين نصادفهم يطلبون منا مالاً لأن يأكلوا أو يشتروا شيئاً من محطة أدنوك، أو حتى لتعبئة بنزين السيارة، ولكن ما الذي يجعلنا نتيقن من أن كلامهم صحيح؟ بعض الأحيان حين أمر بمثل هذه الحالات أقول لهم اشتروا ما ترغبون في شرائه، وأنا سأقوم بالسداد عنكم كي أتفادى عواقب الأمر وابتعد عن تأنيب الضمير، اليوم هذه الظاهرة أصبحت مسيئة وجارحة، خاصة حين ترى أشخاصاً يتعقبونك ويجبرونك على شيئاً لا تريده. ويطالب شهاب الحمادي بأن تكون هناك ندوات توعوية وإرشادات ولوائح لزائريّ الدولة كي تكون لديهم خلفية شاملة عن قوانين الدولة لتفادي العقوبات والعواقب القانونية. وحتى لا يقعوا ضحايا شر سلوكياتهم الخاطئة وتصرفاتهم المسيئة والمشينة للدولة التي يقيمون بها. قلة الوعي والإدراك يرى سيف بن مران الظاهري أن السبب الرئيس في تفشي ظاهرة التسوّل وعودتها كل عام بشكل جديد مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يعود إلى قلة الوعي والإدراك تجاه هذه السلوكيات السلبية التي تتنافى مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية الغراء من أخلاقيات حسنة، إضافة إلى أن فئة المتسولين يسعون وراء الناس الذين لا يترددون عن عمل الخير ونشره، ولكن ينبغي الحذر والحيطة من المتسولين، نظراً لإتقانهم الحيل بين الفينة والأخرى، مستغلين بذلك طيبة الناس الزائدة، لافتاً إلى أن التسول مهنة وتجارة تدر أرباحاً كثيرة لمن يقوم بها. وتابع «لقد حصلت معي قصة غريبة قبل عام، فعندما كنت أقوم برياضة المشي في الصباح، أدهشني موقف محزن ومخزٍ، وهو أن رجلاً من جنسية عربية كان يقود سيارة فخمة برفقة عائلته، طلب مبلغاً من المال ليصل إلى الحدود، فقلت له ليس معي مال في هذه اللحظة، فذهب يبحث عن شخص آخر يعطيه مالاً». ودعا الظاهري أفراد المجتمع إلى التنبه والحذر كل الحذر من المتسولين الذين يدعون أنهم فقراء ومساكين، ولا بد من ردعهم وإيقافهم عن سلوكياتهم الخاطئة والتي لا تمت بصلة إلى الشريعة الإسلامية بل تخالفها، فما يفعله المتسولون هو استجداء لأموال الناس بالباطل، داعياً المجتمع إلى مواجهة هذه الظاهرة بكل قوة. من جهته، قال أحمد عبدالله الشيباني، إن التسوّل يكثر في مواسم معينة، خاصة مثل شهر رمضان المبارك الذي يكثر فيه الخير والعطاء، ولكن هذه الفئة لا تخشى الله، بل تأتي بما نهى عنه، فهي تؤثر المال وتفضله على أي شيء في سبيل تحقيق أطماعها. ويطالب بتكثيف التوعية بهذه الظاهرة وطرق مواجهتها. وتابع: «المجرمون يتلونون بألوان ويتغيرون بأشكال مختلفة كل عام»، لافتاً إلى أن هؤلاء يحصلون على تأشيرة الدخول للسياحة، خاصة خلال هذه المواسم التي تتسم بالعبادة والروحانية. وأضاف «إن الطيبة الزائدة للشعب الإماراتي، جعلته محط أنظار المتسولين، نظراً لقلة الوعي والإدراك، إذ إنه يتعين رفع الجانب التوعوي قدر المستطاع بمختلف الأدوات والوسائل، سواء من قبل رجال الشرطة أو أجهزة ووسائل الإعلام»، مضيفاً أن وجود بوادر لمكافحة هذه الظاهرة، سيسهم كثيراً في الحد منها بأسلوب إيجابي وسهل، مشيراً إلى أن أفراد المجتمع شركاء رئيسين للقضاء على ظاهرة التسوّل. من ناحيته، قال محمد علي الريسي، إن السبب الرئيس وراء ظاهرة التسوّل كل عام من هذا الوقت، هو ضعف الوازع الديني والخوف من الله، موضحاً أن هذه الفئة تمشي وراء غاية وهدف معين هو طلب المال بأي طريقة ومهما كان السبب، مستغلين بذلك طيبة الشعب الإماراتي ونواياهم الحسنة تجاه الناس الفقراء والمساكين والمحتاجين، وبالرغم مما تقوم به الجهات المختصة، مثل الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، وغيرها من المؤسسات المعنية بالتوعية والتحذير منهم، إلا أن ظاهرة التسول تتجدد كل عام بحلة وقالب جديد وبأسلوب مبتكر لخدعة وسرقة ونهب أموال الناس. ودعا وسائل الإعلام بمختلف أنواعها إلى أن تقوم بعملية تثقيفية وتوعوية باستمرار في الإذاعات وبرامج التلفاز للتحذير من هذه الفئة الخبيثة التي تتودد للناس. ويشير سالم خلفان العرياني، إلى أنه قبل عام، وفي شهر رمضان، حدث معه موقف عجيب في الخيمة الرمضانية الخاصة بمنزل والده، حيث قدم نفر من الناس مدعين أنهم فقراء ومساكين، إلا أنهم لا يريدون الطعام والشراب، بل همهم جمع المال بأكبر قدر ممكن. وذكر ياسر الفليتي أنه تعرض لحالة نصب واحتيال من شخص متسوّل قبل عام، حيث أبدى تعاطفه وأعطاه مبلغاً كبيراً، وما أنْ مرت دقائق معدودة حتى جاء متسول آخر وادعى الحال نفسها، فتظاهر أنه يتواصل مع رجال الشرطة، عندها لاذ المتسول بالفرار. أحمد الحداد: التسول من غير حاجة ماسةحرام شرعاً قال الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد، كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي قائلاً : إن المتسولين منهم الصادق، ومنهم الكاذب، فمن ظن كذبه تعين تعزيره بما يراه ولي الأمر؛ لأن التسول من غير حاجة ماسة حرام شرعاً، ولا يجوز التسول إلا في ثلاث مسائل بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال سدادا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجة -أي العقل- من قومه :لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال سدادا من عيش- فما سواهن من المسألة سحتا، يأكلها صاحبها سحتا « كما أخرجه مسلم. وأضاف أن معنى كونها لا تحل، أي تحرم عليه، بل هي وبال عليه، فإن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، ويأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، وذلك تشهيرا به؛ لأنه لم يعف نفسه في الدنيا، فكما أراق محيا وجهه في الدنيا تم عقابه فبتساقط لحم وجهه في الآخرة، والحديث دليل على حرمة التسول من غير حاجة، فليتق الله أولئك المتسولون، ويقنعوا بما أعطاهم الله، ولا يسألون الناس تكثرا، «فإن من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» وليعتزوا بدينهم ويرضوا بقسمة الله في هذه الحياة وينافسوا في أعمال الآخرة الباقية، وليعلموا أن اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المعطية، والسفلى هي الآخذة. وما تقوم به الدولة من منع ظاهرة التسول، هو أمر يدعو إليه الإسلام، لحماية المتسولين أنفسهم من عذاب الله تعالى، وحماية المجتمع من أذيتهم، فإن منهم من يلحف في المسألة، ولعله يحلف أيماناً كاذبة، ويحرج غيره، وليس هذا من شأن المسلم الذي يتعين عليه الاستعفاف، حتى ولو كان فقيراً أو مسكينا ذا متربة، فقد أثنى الله تعالى على المتعففين خيرا، ولفت أنظار الموسرين إليهم ليسدوا خلتهم و هم في كمال عفتهم كما قال سبحانه( للْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ). وذكر ما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أن أهله شكوا إليه الحاجة، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسأله لهم شيئا، فوافقه على المنبر، وهو يقول: « أيها الناس، قد آن لكم أن تستغنوا عن المسألة، فإنه من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، والذي نفس محمد بيده ما رزق عبد شيئا أوسع من الصبر، ولئن أبيتم إلا أن تسألوني لأعطينكم ما وجدت» كما أخرجه ابن حبان وغيره. وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يريد لأمته الخير، فليكن هؤلاء كذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام لحكيم بن حزام رضي الله عنه يوم أن : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاه ثم سأله فأعطاه، ثم قال له : «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى « قال حكيم : فقلت : يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ- أي لا أسأل- أحداً بعدك شيئاً، حتى أفارق الدنيا» وكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه، فيأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين، إني أعرض عليه حقه، الذي قسم الله له من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي، رحمه الله. وهكذا يتعين على المسلم أن يكون. «الداخلية»: حملة لمكافحة الظاهرة ومساعدة المستحقين أوضح الرائد عبد المطلب الحمادي رئيس اللجنة الفرعية للحملات الموحدة لوزارة الداخلية الإماراتية، أن حملة شهر رمضان المبارك لمكافحة التسول هذا العام تأتي تحت شعار «كافح التسول وساعد من يستحق» للتوعية ببعض بآفة التسول، وتركز على تفعيل الجانب الوقائي من خلال عملية توعوية منظمة ومدروسة، باعتبار أن التوعية هي خط الدفاع الأول للحيلولة دون وقوع الجرائم والمخالفات بمختلف أنواعها. وقال إن «اللجنة الفرعية الموحدة للحملات والتي تضم ممثلين عن قيادات الشرطة كافة تنظم عملية إطلاق الحملات على نحو يسهم في تعزيز فاعليتها، والتخطيط والإعداد للحملات بنجاح لتحقيق الأهداف الرئيسة منها، وبطرق قابلة للقياس والتقويم والمراجعة العلمية». وحذرت وزارة الداخلية أفراد المجتمع من الأساليب الاحتيالية للمتسولين لاستدرار عطفهم في شهر مضان المبارك. يسيء للوجه الحضاري للدولة ويؤكد العميد الدكتور صلاح الغول المشرف على مكتب ثقافة احترام القانون بوزارة الداخلية، أن التسول ظاهرة دخيلة على المجتمع الإماراتي، ومظهر من المظاهر التي تسيء إلى الوجه الحضاري للدولة التي يقوم كيانها على التكافل الاجتماعي، بما وفرته من سبل العيش الكريم للمواطنين والمقيمين على أرضها، حيث إن من يمارس هذه السلوكيات لا يملك أي نوع من الثقافة التي ترفع من مستوى الإنسان، وتحافظ على عدم هدر كرامته. ودعا الجمهور لمواجهة المتسولين ومكافحة هذه الآفة، خصوصاً محاولة المتسولين استغلال الشهر الفضيل وعاطفة الناس طلباً للمال والمساعدة الإنسانية تحت حجج واهية، الأمر الذي يخالف القانون ويسيئ إلى الصورة الحضارية للدولة. وناشد العميد الغول الجمهور عدم قبول المتسولين قطعياً، وتوجيه التبرعات والصدقات إلى الطرق الرسمية، وفق القانون وعبر الجهات والهيئات الرسمية المتخصصة في تقديم يد المساعدة للعون للمحتاجين، وفق ضوابط وآليات واضحة تحت إشراف رسمي. وأشار إلى أن الجهات الشرطية المعنية تبذل جهوداً كبيرة لمكافحة هذه الآفة، والتصدي لها عبر القيام بالحملات التفتيشية والحملات التوعوية للقضاء على هذه السلوكيات الخاطئة وغير الحضارية، والتي تعطي انطباعاً سيئاً عن المجتمع، وتشكّل خطراً على أفراده نتيجة لقيام بعض المتسولين بارتكاب السرقات تحت غطاء التسول.